إعلان

النهوض العربي والمسألة الدينية السياسية / د. السيد ولد أباه

اثنين, 06/04/2018 - 02:45

د. السيد ولد أباه

 

 

 

رغم أن موضوع بناء الدولة وما يرتبط به من إشكالات تتعلق بتدبير المسألة الدينية، ليس بالجديد في الفكر العربي المعاصر، بل هو من محاوره الثابتة منذ تشكل ما سمي الفكر النهضوي العربي الحديث، فإن الظرفية الراهنة الدقيقة التي يمر بها العالم العربي تقتضي إعادة التفكير في هذا الموضوع الإشكالي بمراعاة تحولين بارزين استجدّا مؤخراً: انهيار البنية السياسية المركزية في العديد من الساحات العربية (الدولة الوطنية الإدماجية)، وانفجار النزعات الراديكالية الدينية العنيفة المسؤولة عن تقويض الأمن الاجتماعي والأهلي في العديد من البلدان العربية بقدر ما أصبحت مشكلا للعالم كله.

ليس من همنا الرجوع إلى الصياغات الكلاسيكية المألوفة في التعامل مع المسألة الدينية السياسية في اختزالها عبر نقاش تقليدي بين مفهومي السلطوية الأحادية والديمقراطية التعددية، وبين الدولة الدينية والدولة العلمانية، والحال أن هذا النقاش النظري الأيديولوجي يموه المعطيات الموضوعية القائمة ويحول دون استكناهها في سياقها التاريخي الراهن.

 

وإذا كان مرد هذا الجدل يعود دوماً إلى قراءة التجربة الغربية في تعاملها مع المسألة الدينية السياسية، فإنه ليس من الدقيق تلخيص النموذج الحداثي الغربي في فكرة الدولة العلمانية التي ضمنت الديمقراطية التعددية عبر الفصل بين الدين والسياسية، فحلت بصفة مزدوجة المشكل السياسي (استبدادية الدولة) والمشكل الديني (تحكم الدين وهيمنته على الوعي الفردي وعلى الجسم الاجتماعي).

 

الخلل في هذه المقاربة هو اختزال النموذج الغربي في مقاربة أحادية سواء تعلق الأمر بالخلفية الدستورية والقانونية أم بالخلفية الاجتماعية التاريخية، ومن ثم استنتاج خيار واحد ونهائي في حسم المسألة الدينية السياسية، دون اعتبار المشكلات النظرية والإجرائية التي لم ينفك يطرحها الموضوع الديني في الفكر السياسي الغربي.

لا يتسع المقام لتفصيل القول في هذه المسائل الجوهرية، وإنما حسبنا الإشارة إلى ملاحظتين أساسيتين تتعلق أولاهما بالسياق التاريخي للمسألة الدينية السياسية الحديثة، وتتعلق الثانية بالإشكالات الحالية للمسألة ذاتها.

بخصوص الملاحظة الأولى، ما يتعين التنبيه إليه هو ضرورة عدم الخلط بين مسارين متداخلين لكنهما ليسا متماهيين في المجتمعات الغربية الحديثة: مسار الاستقلالية الذاتية والرشد العقلي الذي هو نتاج حركيّة التنوير التي لم تكن في مقوماتها الفلسفية مناوئة للدين، ومسار بناء الدولة المركزية السيادية الشاملة الذي اقتضى إزاحة سلطة المؤسسة الدينية إما عبر استتباعها للدولة وإشراكها في المجال العمومي (المشهد الأنغلوساكسوني) أو بوساطة إقصائها من الحقل العمومي وتحويلها إلى دائرة الوعي الفردي (النموذج الفرنسي).

وبخصوص الملاحظة الثانية، فما يجب التأكيد عليه هو أن ما تعيشه المجتمعات الغربية الحديثة من انحسار وتراجع نموذج الدولة السيادية الشاملة انعكس بالضرورة على طبيعة إدارتها للمسألة الدينية وفق المفارقة التي عبّر عنها الفيلسوفان الألماني يورغن هابرماس والكندي تشارلز تايلور: انهيار الدين من حيث الاعتقاد والممارسة، مع تزايد الحاجة إلى دوره القيمي الأخلاقي في مواجهة نضوب الأيديولوجيات وطغيان النزعات الطبيعية المتطرفة التي تهدد مفهوم الكرامة الإنسانية وتلغي عملياً أي ممارسة للحرية الفردية.

إذا أردنا تنزيل هذه الإشكالات في الساحة العربية الراهنة، توجب علينا أن نتناولها من خلال سؤالين محوريين لهما أشد الأهمية على مستقبل المجتمعات العربية:

أولا: هل يمكن فك الارتباط بين محددات الحداثة السياسية، أي العلاقة التي قامت في الغرب بين التنوير العقلاني والدولة السيادية ونمط الإدارة القانونية للدين في الشأن العمومي؟ وهل لا تزال الديناميكيات الثلاث مترابطة في سياقها الأصلي؟ وهل هي متطلبات موضوعية بكاملها في العالم العربي أم يمكن الانتقاء ضمنها ما يتلاءم مع حاجيات المجتمعات العربية بحسب خصوصياتها وتحولاتها الظرفية؟

ثانياً: هل يمكن تصور خيار سياسي مجتمعي بديل في المجتمعات العربية لا يتطابق بالضرورة مع السياق الغربي -الذي ينظر إليه أحيانا بأنه الاستثناء وليس القاعدة- من منظور طبيعة الدين ذاته وخصوصية تركيبة النسيج الأهلي للمجتمعات العربية في علاقتها بالدولة؟ أليس من المطروح إبداع عقل سياسي عربي متميز بأدواته التصورية والتدبيرية ومفهومه للجغرافيا السياسية، بعد أن جربت البلدان العربية التجارب المستوردة؛ من الدولة المركزية السلطوية إلى تجارب الليبرالية التعددية؟

سؤالان سنحاول معالجتهما لاحقاً