السرديات في التجربة العربية :  مسار التشكل وسؤال النظرية.

خميس, 01/27/2022 - 22:22

 

 

أ.د.محمد الأمين مولاي إبراهيم             

أستاذ النقد وتحليل الخطاب ومدير مدرسة الدكتوراه     

 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة نواكشوط العصرية.  

 

 

  0.0. تأخذ السرديات  Narratologieاليوم، في الفكر الأدبي العربي صياغات نظرية ومنهجية ذات مكانة علمية ملحوظة، أدت إليها التراكمات النظرية والمنهجية التي عرفت النظرية الأدبية المعاصرة، وآلت إليها التحولات  النقدية والإبدالات المنهجية، في التجربة العربية على يد جيل الرواد من السرديين العرب، في انتقالها من النقد البنيوي للسرد إلي السرديات في الربع الأخير من القرن العشرين. ومع أن انشغال مدرسي السرديات بقضايا تجذيرها في التجربة العربية، واشتغالهم بأسئلتها المنهجية والإجرائية، قد أدي إلي تراكمات نظرية ومنهجية اطلعت بها ثلاثة أجيال من مدرسيها، جعلت البيئات العلمية العربية تسهم من موقعها العلمي في تدعيم سلطتها، وتفعيل قدرتها على إنتاج المعرفة. فالسرديات في التجربة العربية اليوم، تسهم من موقعاه في إشاعة المحتوي العلمي للسرديات، وتحسن من كفاءة أدواتها المنهجية في وصف السردية، بما تقدمه من تصورات نظرية ومنهجية، وتحقق من قدرة على اختبار الأطروحة وتطبيقاتها المنهجية على مدونة السرد العربي وأشكاله القديمة والحديثة، وفي انشغالها بالكشف عن خصوصيات ثقافية وسردية ثاوية في النص العربي، على نحو ما نجده اليوم في المتداول العلمي في الدوريات العلمية المتخصصة والأطاريح العلمية المنشورة.

 1.0. ولئن عرفت السرديات في التجربة العربية مستويات من الوعي شملت النظرية وأدواتها، عمقها تعاقب ثلاثة أجيال من السرديين العرب منذ تسعينيات القرن الماضي، فان المبصر لحركة الفكر النقدي فيها يلحظ هذا التطور التدريجي في استيعاب قضايا النظرية وأسئلة المنهج، لدى منشغلين بأطروحتها ومشتغلين بتطبيقاتها، فقد كان للمهاد النظري العميق والواعي، الذي أسس له جيل الرواد من السرديين العرب منذ ثمانينيات القرن الماضي، في حوارهم مع نقاد السرد البنيوي، في قاعات الدرس الجامعي وصفحات الكتاب النقدي والجامعي ـــــ دوره البارز في إشاعة وعي نقدي متزايد بالسرديات وتطبيقاتها، ما فتئ يتعزز بانضمام الكثيرين من الطلاب الباحثين الشباب حينها، لهذا الفكر الأدبي الجديد الصاعد، والتتلمذ على رواده بالجلوس إليهم، أو قراءة كتبهم ومتابعة تصوراتهم والانخراط في مشاريعهم العلمية.

السرديات العربية و تحولات المشغل : تعاقب الأجيال

 1.1. يمكن أن نصف مسار تشكل السرديات في التجربة العربية وتحولاتها النظرية والمنهجية من خلال ثلاث لحظات امتدت من نهاية ثمانينيات القرن الماضي إلي اليوم، كان في كل عشر سنوات منها، يظهر جيل من المشتغلين بها المتبنين لفكرها، والمتمكنين من أدواتها، والمنخرطين في المشروع العلمي لأصحابها. ومن الملاحظ في حركة تطور نظرية السرديات في التجربة العربية، أن هذا التشكل، كان دائما مرتبطا بصدور كتاب أو كتب والالتفاف حول النظرية أو الأدوات التي تقدم، ذلك أن ظهور السرديات في التجربة العربية كان إلى حد كبير نتيجة لقوة تأثير مشاريع روادها العلمية من أمثال الأساتذة عبد الله إبراهيم وسعيد يقطين وسيزا قاسم ومحمد القاضي وغيرهم، وقدرة أصحابها على تطويرها والتمسك بها. ولرصد مظاهر تشكل السرديات في التجربة العربية وتطور مسارها، سنتخذ هنا من مشروع  الدكتور سعيد يقطين عينة على ذلك، لملاحظة قوة تأثير إسهام مشروعه في ظهور السرديات في التجربة العربية وتطورها. فقد ساهمت كتب الدكتور سعيد يقطين في تأسيس الوعي النقدي بالسرديات في التجربة العربية، وكان ظهورها في كل مرة العلامة المؤشرة على التحول من لحظة لآخري، والدالة على ظهور جيل جديد ذي مشغل علمي مختلف عن سابقه. فقد دخلت المتداول العلمي العربي نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وساهمت في صياغة الفكر النقدي والمنهجي للجيل الأول من مدرسي السرديات في البيئات العلمية العربية.

سعيد يقطين والسرديات الكلاسيكية و ما بعد الكلاسيكية : تمايز الطرح وتزامن المسار

2.1. فقد خصص د.سعيد يقطين كتاب "تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبيئير، منشورات بالمركز الثقافي العربي ببيروت 1989 " لأطروحة السرديات الكلاسيكية وأدواتها، متخذا من سردية الرواية العربية موضوعا للسرديات الوصفية في الكتاب. فكانت مقدماته النظرية والمنهجية التي خص بها كل مكونة من مكونات الخطاب السردي، ووصفه لطرائق اشتغال هذه المكونات (الزمن ، الصيغة، التبيئير ) في تحقيقها لسردية الخطاب ومآتي الحسن والامتناع فيه، المحتوى العلمي العميق لأطروحة "السرديات الكلاسيكية" في أبعادها النظرية والتطبيقية، كما كان كتابه الثاني "انفتاح النص الروائي " منشورات بالمركز الثقافي العربي ببيروت 1989، مخصصا لأطروحة سرديات ما بعد الكلاسيكية، فقد بسط فيه تصوره لتوسيع السرديات، تعميقا منه لمدارك نظرية ومنهجية، خرج بها السرديون الجدد في التجربة الغربية عن طرح "السرديات الحصرية"، وحملها سؤال المراجعة والتنظير في ثمانينيات القرن الماضي، ولأن الدكتور سعيد يقطين كان مدركا، حينها لراهن تطور السرديات في بيئاتها العلمية، واعيا بالتحولات النظرية والمنهجية، التي أدت إليها مراجعات السرديين الجدد في التجربة الغربية. ولئن مثل الكتابان مادة للتداول العلمي النشط للسرديات الحصرية والتوسيعية، قدم خلالهما محتوى علميا ظل قائما في أذهان جيل التسعينيات، فان هذا المحتوي سيتعمق أكثر، بإصداره  لكتابين آخرين مؤسسين (1996) هما " الكلام والخبر: مقدمة في السرد العربي. وكتاب "قال الراوي" ليستكمل في الأول ملامح أطروحة السرديات في أبعادها النظرية والمنهجية، ويجذر في الثاني تطبيقاتها في التجربة العربية على النص التراثي هذه المرة، وهما الكتابان اللذان سيشكلان في السرديات في التجربة العربية لحظة ثانية من تمثل الأطروحة، تتعمق معها المدارك النظرية بجيل ثان من السرديين العرب، انشغل أصحابه في العقد الأول من هذا القرن بالسرديات التطبيقية، وحذقوا أدواتها، وامتلكوا ذهنيتها النقدية، فكانوا بذلك الجيل الأول من أحفاد جيل الرواد. غير أن صدور كتابين جديدين للدكتور سعيد يقطين يطرحان قضايا السرديات في التجربة العربية وقضايا الفكر النقدي العربي عامة من منظور علم الأدب، ويحملان قلق السؤال المنهجي في الفكر النقدي العربي، هما كتاب "السرديات والتحليل السردي" وكتاب "الفكر الأدبي العربي"، سيعجلان بولادة قيصرية للجيل الثالث من السرديين العرب، مع مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، لما أثاره الكتابان من قضايا الفكر النقدي العربي، وطرحا من أسئلة نقدية، هي اليوم راهن المتداول العلمي في البيئات العلمية العربية، والشغل الشاغل لعلماء الأدب، والسرديين الجدد في التجربة العربية، وهي قضايا وأسئلة تواجه الدرس النقدي الأدبي عامة والدرس السردي منه خاصة في وحدات التكوين العليا (الماستر الدكتوراه) ومراكز البحث ومخابره، تتصل بتجذير الفكر الأدبي العربي في الفكر العلمي، بما يكفل ممارسة نقدية، هي إلي علم الأدب وتطبيقاته ادخل منها إلي النقد الأدبي، وتتعلق بانشغال السرديين العرب الجدد بقضايا النظرية للسرديات والتحسين من كفاءتها المنهجية في الإمساك بالسردية والكشف عن مآتي الحسن ومصادر الامتناع والمؤانسة فيها، واكتشاف مناطق ثاوية في النص السردي (المتخيل ومستويات اللغة)، منابت قولها تعبيرية، هي أدخل في تخوم السردية التعبيرية من السردية السيميولوجية.

السرديات الكلاسيكية  الجديدة في التجربة العربية : وإعادة طرح سؤال التوسيع. 

 3.1. ولئن لوحظ في المتداول العلمي للسرديات العربية اليوم، اتساع دائرة البحث في المشاغل العلمية "للسرديات ما بعد الكلاسيكية" المرتبطة بالمشغل الثقافي، والمتصل بانفتاحها على اختصاصات وعلوم حافة، سيرا على سنة السرديين التوسعيين في توسيع "حدود السرديات" ــــ فان السير على خطى الرائين : فيلب ماتيو كولاس وسعيد يقطين، يتطلب منا التمسك بخيارهما والانحياز لنهج شيخهما جرار جينت في التمسك في الخطاب السردي أرضية للتحرك، لاكتشاف مناطق من سردية الخطاب مازالت بكرا، يتعين الوقوف عليها، توسيعا لما ضيقه المتقدمون ( أصحاب السرديات الحصرية) وتصحيحا لمسار في التوسع أقدم عليه المتأخرون (السرديات التوسيعية) بجمعهم بين القصة والخطاب موضوعا للبحث، وبحثا منهم عن سردية يرونها مفقودة. فاخترنا البقاء في خندق سرديات الخطاب، تمسكا منا في بحثنا عن سردية ضائعة، بمآت من الحسن ومصدر من الإمتاع والأنس، مصدرها اللفظ والتعبير والتكثيف، لا تزال ثاوية في جبة القصة، ينبغي استخراجها( المتخيل، مستويات اللغة). لذلك انحزنا في توسيعنا لحدود السردية، إلى خيار التمدد ( سرديات التمدد)لا التوسع، بحثا في مآتي سردية النص، لا في حدود السرديات. فوسعنا مكونات الخطاب لتشمل مكونين اثنين بالإضافة إلى المكونات الثلاثة السابقة(الزمن،الصيغة، التبيئير) هما : المتخيل، وهو القصة أو المادة الحكائية بعد أن تكتب أو تروي، ومستويات اللغة، لتصبح مكونات الخطاب في "سرديات التمدد" خمسا بدل ثلاث.وهي الأطروحة التي دافعنا عنها منذ سنوات، في كتاب "شعرية رواية الصحراء: شعرية الشكل وخصوصية، النص"  الكتاب الذي فاز بجائزة شنقيط للآداب، الجائزة التقديرية للدولة الموريتانية 2004، وقدم له أستاذي الدكتور سعيد يقطين ونشرته جامعة نواكشوط 2012.

1.3.1. ولئن سعينا في هذا الكتاب إلي مراجعة أطروحة متيو كولاس في توسيع حدود السرديات، في بحثه المشهور،على قاعدة البحث عن سردية النص، دون التمسك باختصاص محدد من اختصاصات علم الأدب بفرعيه (الشعرية والسيميولوجيا)، بل الجمع بينهما، بحثا عن سردية ممتعة ضائعةـ يراها موزعة بين السيميولوجي والتعبيري (القصة، الخطاب) ــ فإننا بنينا التصور وأقمنا المراجعة على مساءلة نظرية ومنهجية : نظرية بسعينا لتوسيع مساحات السردية في النص السردي، باكتشاف مناطق من السردية فيه، مصدرها طرائق اشتغال مكونات للخطاب( المتخيل، مستويات اللغة)، لم يغطها واصفو مكونات الخطاب، ومستويات من السردية مصدرها، ليس طرائق اشتغال الزمن والصيغة والتبيئير، وإنما طرائق تكثيف المتخيل ومستويات اللغة باعتبارها مصدرا لجماليات سردية، مأتاها لغة النص، ومصدرها أساليب القول الأدبي ومستويات اللغة ونثريات الخطاب. ومساءلة منهجية تري الجمع في وصف السردية بين خيارين منهجيين جمع بين أختين(الشعرية، والسيميولوجيا) مخل بضوابط الصنافة المنهجية.

2.3.1. ولئن حققت السرديات في التجربة العربية ماحققت، فإن أولويات البحث في سرديات ما بعد الكلاسيكية اليوم ـــ في نظرناــ يظل الانشغال بأدبية الخطاب السردي، ومصادر السردية فيه، تعيقا لمدارك الشعرية، وإضاءة لمناطق منها في النص السردي، لم تطؤها أقدام السرديين التوسعيين، في حوارهم مع السرديين الأول، انضماما منا لجهود بحثية، تسعي لمراجعة السرديات الكلاسيكية ومساءلة طرحها بما يخدم الفكر النقدي ويطور علم الأدب، وينقل قضاياها وأسئلتها الي دوائر من البحث العلمي، تنشغل ب" الأدبي" من النص، موضوعا "لسرديات كلاسيكية جديدة"، وتنخرط بمشاغلها العلمية وأسئلتها المنهجية في مشاريع السرديات ما بعد الكلاسيكية، تنويعا لموضوعاتها وتطويرا للفكر النقدي الأدبي، وتمسكا بخياراتها النظرية والمنهجية، التي يتأسس عليها علم الأدب.