"موصم" الهجرة إلى الشمال ..... / ذاكو وينهو

سبت, 04/20/2019 - 07:16

 

روى عن الجاحظ في قصص البخلاء أن حمارة زهاء خمسين رجلا ترافقوا في سفر فما رأى منهم رجلين يأكلان معا...كان لكل رجل قطعة من اللحم وإذا حان الطبخ تنادوا إلى قدر واحدة بحثا عن الاقتصاد في الحطب والملح والتوابل الخ...ويربط كل رجل لحمه بخيط فيه خوصة ويبقى ممسكا به حتى لا يختلط بخيوط رفقته ، فإذا نصج اللحم ابتكروا طريقة غريبة لاقتسام المرقة : يخضون قطع اللحم في المرق كالدلاء داخل البئر ثم يجذب كل واحد قطعته ويمص ما علق بها من مرق ويكون النصيب على قدر حجمها ، واذا نفد المرق انكفأ كل على قطعته ياكلها وحيدا..

اللهم لاترنا في ارضنا ما رآه الجاحظ في بلاد مرو بفارس...
ما كان رمضان عاصفة هوجاء تفرق الأحبة وتشتت الشمل وتقتلع الناس من جذورهم لتلقي بهم بعيدا عن منابتهم.....

وما كان رمضان مناسبة لانسلاخ المرء من حضنه الاجتماعي يقول : نفسي وولدي وزوجي ومالي ..اللهم لا ترحم معنا احدا...

رمضان رحمة...وتواصل...وتكافل...وتضامن...وصبر.....

شهدت حواضرنا منذ سنوات ظاهرة غريبة على مجتمع كان أقوى دعائم تماسكه وترابطه الحرص على البقاء في أرضه التي ألفها وألفته وأحبها وأحبته ...ولسان حاله يقول: 
بلاد بها نيطت علي تمائمي @ وأول ارض مس جلدي ترابها

.....

وحبب أوطان الرجال إليهـــم @ مآرب قضاها الشبــــاب هنالكـا 
إذا ذكرت أوطانهم ذكرت لهم @ عهود الصبا فيـــــها فحنوا لذلكا 
ولــــــي وطن آليت أني أعزه @ وأن لا أرى غيري له الدهر مالــكا..

وسمع معاوية زوجه ميسون بنت بحدل تنشد : 
لبيت تخفـــق الأرواح فيه @ أحب إلــي من قصـــر منيف 
وأكل كسيرة من كسر بيتي @ أحب الـــي من أكل الرغيف 
وأصوات الرياح بكل فج @ أحب إلـــي من نقر الدفوف 
ولبس عباءة وتقر عيني @ أحب إلي من لبس الشفوف 
وخرق من بني عمي نحيف @ أحب إلـــــي من علج عنيف 
شابة بدوية لم ينسها النعيم في قصور الخليفة بؤس أرضها وشظف العيش في باديتها....أي رخاء تنشد وهي زوج اميرالمؤمنين؟ وأي عز تريد وهي في قصر الخليفة؟ لكن وفاءها لأ رضها وقومها جعلها لا تبغي بهم بديلا....
أما هنا فترى الدور خاوية ...فتتذكر مناطق الحرب واللاجئين الذين استكرهوا على الرحيل عن أوطانهم.... فما إن يطل شهر ابريل حتى يشكو الناس من شدة الحر وكأنهم ولدوا في سيبيريا أوعلى شواطئ المحيط المتجمد فلا يستطيعون صبرا على شمس افريقيا ورياح مايو الحارة....نسوا أنهم ولدوا تحت خيام هي غرابيل تبصق الشمس منها على وجوههم في الهاجرة ..واحتموا ب "آسار " الذي لا يرد عليل النسائم فكيف بسموم أيار؟ نسوا كيف كانوا ينتظرون القربة تأتي في الهزيع من بئر بعيدة على ظهر حمار أعجف....هل نسوا الجوع وطول المسافة الزمنية بين الوجبات الثلاث عند الميسورين والاثنتين عند أغلب الناس (البعض لا يتعشى ويشي لأ طفاله أن ذلك مفيد لطول القامة)...

نسينا أننا في ظروف كهذه كنا نصوم رمضان فلا نشكو حرا ولا عطشا ....وكنا نقوم ليله بالصلاة والدعاء والقراءة....يأنس الجار إلى جاره فلا يستحلي ما ينقصه ولا يستأثر عنه بشيء ....نتقاسم الحر والعطش فلا نحسهما ، ونتقاسم الطعام والشراب فلا نفقدهما...رحماء بيننا يشد بعضنا بعضا كالبنيان المرصوص.....

واليوم عندما أتخم الناس الترف ، وانتشرت الدور الراقية بين الكثبان الرملية ، وأصبح كل بيت كيانا مستقلا له اكتفاؤه الذاتي من الطاقة والثلاجات والمواد الغذائية المختلفة....وأصبح الماء ياتينا من داخل بيوتنا ، وبرد الظل ، وأصبح في كل دار متجر يبيع أصناف الطعام إلى غير ذلك من آيات الترف ، بطرنا وتاقت نفوسنا إلى أكثر...
إن التضامن والتآزر والتكافل الذي كان لحمة النسيج الاجتماعي بدأ بالتلاشي....اختفت سيروا سير ضعفائكم وحلت محلها سيروا عن ضعفائكم...كيف تسمح مروءتنا أن نقدم على أمر اقعد إخوتنا عنه الفقر ا أين المثل "ال ملح ما ملح جاروا لا كيف ال ما ملح" ...
الأولى أن لا نستعذب البرودة اذا كنا نزعم أن إخوتنا في الجحيم ، وأن لا يسيل لعاب شهيتنا أنهارا على موائد ازينت بألوان الطعام وإخوتنا لا يجدون إلا قليلا مما يقيم أودهم...
والغريب أن ما ننفقه على لعب أطفالنا وهواتفهم الذكية ورغباتهم المختلفة في المأكولات الجاهزة التي لا تعد وجبات رئيسية كاف لشراء اللحم والزيت والسكر ودفع فاتورة الماء لكثير من الأسر في حواضرنا...سيولد ذلك حتما كراهية أطفالنا الفقراء لأقاربهم الميسورين ، لا شيء أشد إيلاما من جرح براءة الصغير...
أما الذين تمسكوا منا بقراهم وإخوانهم ومساجدهم ومحاظرهم و مقابرهم فلا ينقصهم شيء ، يصلون خمسهم في مساجدهم ....يصومون نهارهم ويقومون ليلهم ويصلون رحمهم ويؤدون حق جارهم ...يتسوقون في أحيائهم وفضل طعامهم لإخوانهم...آمنين يستنشقون الهواء نقيا ... 
...ثم ما ذا يضر لو عطشنا في رمضان ...ماذا يضر لو اشتد الحر في رمضان...ألا يزيد الأجر مع المشقة ؟؟ أليس رمضان عبادة بدنية مقصدها الصبر ؟؟ أنستبدلها بالعجز والكسل والوهن؟؟؟
أيها الأطلسي الجبار رويدك كيف تستقدمنا إلى نواكشوط برشوة رياح مسائية لتجعل منا موائد لعصابات الناموس ...وفرائس للرعب من الصائلين من القتلة و اللصوص و المغتصبين ....لماذا تستدرجنا إلى مدائن الرعب وكنا آمنين مطمئنين في حواضر العافية و السلام ؟؟؟ لماذا تأخذ شيوخنا أصحاء و ترجعهم إلينا مثقلين بالسكري و ارتفاع ضغط الدم و الارتعاش والخرف وكثرة السؤال عن الوقت و معاوية ولد سيد احمد ولد الطائع؟؟؟؟ و قولهم "ذاك أفكراش الي جانا عينيه فيهم لغبه ول من ؟؟ هو انواكشوط اديارو فر ألا تبخ و احيوطو ألا لصو؟؟؟؟