"نقلتُ لك"
من مدونة محمدن ولد سيدي، الملقب بدنه..
✓ من ديوان الشعر الفصيح: مساجلات أبوية مع لمرابط محمد سالم ولد عدُّود، رحمه الله.
ثلاثة مجالس ثقافية في العاصمة حظيت بارتيادها مبكرا دون أن أفقه كبير شيء مما يدور فيها، ذلك أن طموحي أو فضولي، على الأصح، كان يفوق سنّي ويتجاوز مستواي الثقافي القاصرَ المحصور في برامج السنوات الأولى من الإعدادية.
* حضرت مجلس القاضي العلامة ابَّ بن انَّ في منزله الحكومي المتواضع المستحيل بعده عمارة شاهقة آوت مقر موريتل ردحا من الزمن،
* وحضرت درس لمرابط محمد سالم في منزله في حي "إيلو أل" شمال قيادة الحرس الوطني،
* وكنت أختلف إلى مجلس الصحفي اللامع خيِّ بابَ شياخ في مكان ما من لگصر لعله سوكوجيم حاليا.
✓ أما المجلس الأول فما زلت أحتفظ منه بشيئين:
٠ أولهما مشهد الشيخ ولسانُه ينطلق تلقائيا بالآية الكريمة المناسبة كلما قرأ عليه د. محمد محمود بن امَّاه بصورة عشوائية من كتابٍ بيده يحوي ترجمة معاني القرآن باللغة الإنچليزية،
٠ والثانية بيتان رقيقان نسبهما الشيخ لأحد شعراء بلدته ولاته وهما:
بناء "قمية" أخصاصا بمسجدنا@بعض "البنابير" أبناء "الصنادير"
أقوى دليل على أنَّ الإله له@محض التصرف في كل المقادير.
✓ أما مجلس الصحفي خيّ بابَ فأحتفظ منه بإعجابه الفائق بالمؤرخ الموريتاني محمد بن مولود، وقد استدل مرة على سعة اطلاعه ودقة حفظه فقال: حكيت له مرة بيتا نسبته لجرير قال بداهة إنه ليس في ديوانه فقلت إنني من ديوانه حفظته حتى إذا التقينا في ما بعد فإذا بنا كلنا مصيب، ومنشأ الخلاف اختلاف الطبعتين، وبالمقابل فقد سمعت محمد بن مولود مرة يقول: أنجزت دراسة قديمة عن أحد أعمال محمود تيمور ونبهني خيِّ باب إلى شيء فاتني في ذلك المرجع.
✓ أما لمرابط محمد سالم فقد سمعته مرة يروي عن والده قصة حفظِه الخارق لقطعة للعلامة امحمد بن أحمد يوره، وذلك على النحو التالي: حل لمرابط محمد عالي بن عدود ضيفا ذات صيفٍ على الحي المقيم به آل أحمدْ يوره في مكان ما من منطقة إگيدي فصلى العشاء مع الجماعة في المسجد، وهنالك أنشد امحمد قطعة في الاستسقاء و بعد حين طلب منه البعض إعادتها فامتنع بحجة أن القوم لم ينفعلوا معها ابَّان حكايتها بما يتناسب مع قدرها ثم انفضَّ الاجتماع فإذا الضيف قد حفظها فنقلوها من عنده، وهي هذه:
هذا العيال وإن طغى في فسقه@من ذا الذي يسقيه إن لم تسقه
ياربنا والهنا، يا شاملا@كل العباد برفقه وبرزقه
عجل علي "ذي المزن" مزنا جاعلا@"بئر الطريق" طريقة من طرقه
وعلى "العجائز" تستهل كعابه@فتنال حظا وافرا من ودقه
متتبعا آبارنا فكأنما@فهم الحقيقة وحده من حذقه
ونرى ثراه الجعد غب سمائه@يخفي الذراع المستطيل بعمقه
ونرى الرباب علي السحائب ضمنا@أن لا نراع برعده وببرقه
ونرى الرياض وقد تفاوح زهرها@فوحان مسك فائح من حقه
ونرى الزمان، وكان قبل مغاضبا@يلقي الورى ببشوش وجه طلقه
يا ربي صل على بعيثك آخرا@وهو الأوَل لفضله ولسبقه.
و أعود فأقول بأن علاقني بالشيخ محمد سالم بدأت بالفعل مع منتصف السبعينات عندما جئته في مكتبه بقصر العدالة "الحجري" لأجري معه مقابلة لصالح جريدة "الشعب" يناقش فيها قيام الدولة الصحراوية من منظار قانوي بحت.
وتشاء الأقدار أن أكون المحرر المنتدب من قبل رئيس التحرير لإجازة المواد المعدة للنشر في عدد الغد لدى معالي الوزير...! نعم...كانت ظرفية الحرب تقتضي ذلك، جئت وزير الإعلام السيد المصطفى بن محمدُّ بعد الزوال في منزله، فوجئت بالسيد الوزير يبادئني الحديث في موضوع المقابلة ولمَّا تكتمل بعدُ فيصدر تعليماته السامية بحظر نشرها..! لم أحتر طويلا في معرفة السبب فقد زارنا ضحوةً في مكتب الشيخ مفوض ممن نصنفهم في عداد المتفقهين من المسؤولين.
ولعل ذلك اللقاء العابر عقده الله بيني وبين الشيخ يومذاك ليوجه إلي فيه تلك النصيحة التي ما فتيء يَذكرها كلما التقينا فتُضحكه، قال لي الشيخ: "يابنَ فلان، هل ترضى لنفسك بأن يقتصر حظك من العلم على الحد الذي تتقاسمه مع عموم التلاميذ على مقاعد المدارس النظامية؟!"، ولم يعلم الشيخ أنني كنت أقلَّ هؤلاء قسما في القسم وقد عزفت عن المدرسة هي الأخرى إلى زهيد من المال والأعمال.
المهم أن تلك النصيحة أثرت في نفسي كما تؤثر الرقائق من المربي عارف المسالك في قلب المريد صادق التوجه إلى الله ولكن لم يصاحب ذلك لا سير ولا سلوك ولا حال ولا مقام!
لم تتواصل علاقتي المباشرة بالرجل ولكن إعجابي به لا زال يتضاعف كلما سمعت منه أو عنه أو قرأت له أو قرأت عنه أو لقيت أخي وصديقي المرحوم جمال بن الحسن فحدثني بما يُبهر العقول من علمه ومآثره ونكته ونوادره، فقد لازمه مبكرا وسرعان ما "انحرفت" علاقتهما إلى شكل الصداقة الحميمة التي تخترق حواجز السن وتعبث ببعض الاعتبارات التقليدية! ولعل العامل المساعد في ذلك هو ما يجمع الرجلين من قواسم العلم والفهم.
أما أنا فكانت علاقاتي به على قدر فتور قريحتي وقصور همتي إلا أنَّ من فضله عليَّ أنني ألقى لديه دائما ما يوهمني بأن لديَّ حظوة عنده إلى حدِّ أنه شرفني مرة فلبَّى دعوتي لحضور تظاهرة ثقافية محلية في ابَّير التورس ألقى فيها محاضرة مشهودة إلى جانب كل من العلامة حمدا بن التاه والأساتذة سيد أحمد بن الديْ وهيبتنا بن سيدي هيبه ومحمد الأمين بن الكتاب ومحمد بن أحمد بن الميداح "دمب علما" مندوبا عن وزارة الثقافة للإشراف الرسمي على الملتقى.
ما ابتدأت الشيخَ يوما بشعر إلاَّ وكسر حاجز الفرق بيننا في السن والشعر وبادر ملاطفا بالإجابة السريعة...!
وأورد في ما يلي نماذج من ذلك.
1/ في نهاية الثمانينات كنت أستاذا باحثا في المدرسة الإدارية، رئيسا لتحرير مجلتها المتخصصة "الإداري"، فهممنا بنشر نظمين للعلامة محمد سالم بن عدود حول مباديء الإدارة والقانون الدولي فكان يشترط إرفاقهما بشرح وضعه عليهما صديقه هارون بن الشيخ سيديا، رحمهما الله، فلم نستطع فنيا فكتبتُ إليه رسالة إدارية، وهو إذ ذاك وزير، ضمنتها هذه الأبيات فأجاب بالإيجاب:
أيا من لمعوج الشريعة قد أسوى@مُلِينًا بنور الفهم ما قد قسا قسوا
وما الذهب الإبريز والتبر خالصا@كمثل رديٍّ في النقود قسا قسوا
فيا حبذا نشرُ «الإداريِّ» نظمَكمْ@عليكمْ إذا في نشرها نصَّهُ «يَسْوَا».
و أثناء متابعة الرسالة كنت أمكث بعض الوقت في قاعة الانتظار فأوحى إلي ذلك بالأبيات التالية:
يؤم الشيخ بالديوان قوم@تباين قصدهم عند الورود
فبعضٌ للتزوُّد من علوم@تُلَقَّى ما لديها من حدود
و بعضٌ للتزوُّد منه تقوًى@وبعضٌ للتزوُّد بالوَقود...!
2/ قرأت هذه القطعة مباشرة خلال البرنامج المفتوح في الإذاعة مع فضيلة لمرابط محمد سالم بن عدود ليلة الجمعة من رمضان 1998:
يا ندوة العالم الندب ابن عدود@عودي علينا ببث منه مشهود
عودي علينا ببث حان موعده@أو فلتعودي ببث غير موعود
فإن في البث بثا للعزاء وكم@رمناه عبر طريق جد مسدود
عبر الأثير أثرنا كل نازلة@كي نستثير لعهد منه معهود
فيه لأسئلة الطلاب أجمعها@رد عليها بنص غير مردود
فيه لذا الشعب عز عز مطلبه@وللبلاد سمو غير محدود
كأنّ ذا الشيخ حين البث يحملنا@عبر الأثير إلى عهد ابن مسعود
سر إليه سرى من دوحة شرفت@تسمو بسعي لها في الناس محمود
فالله يحفظه حلا ومرتحلا@والله ملجؤنا في كل مقصود
بالمصطفى المرتجى في كل مسألة@وبالنبي سليمان بن داوود.
فأجاب فضيلة الأستاذ الجليل لمرابط محمد سالم مرتجلا بهذين البيتين:
قد ضاق وقتي هنا عن بذل مجهودي@حتى أصارف منقودا بمنقود
من شاعر قد نماه "خالنا" صعدا@كما نماه الإمام المرتضى مود.
3/ خطابا لحي أهل عدود بمناسبة تعزيتهم في فقد محمد يحي بن محمد عالي بن عدود:
أحمدَ الناس خصالا@رزؤكم في النفس حزا
ما أتينا لنعزِّي@بل أتينا كي نعزَّى.
فأجاب العلامة محمد سالم بن عدود:
الصدور الزورُ عزى@والشعورَ الشعر هزا
قد عززتم إذ بززتم@وكذا من عز بزا.
4/ في أيام 7/ 8/ و9 أغسطس 2004 انعقدت في مدينة شنقيط أيام تفكيرية حول إصلاح القضاء، إبان الجلسة الافتتاحية أنشد العلامة المرحوم محمد سالم بن عدود الأبيات التالية:
أيام شنقيط للتفكير مشهودهْ@وأرضها لقرى الأضياف معهوده
وقد دعتنا لتطوير القضاء معا@فليبذل الكل فى التطوير مجهوده
بما يحقق شرع الله جل وما@تغدو به سبل الإجراء ممهوده.
فقلت في الجلسة الختامية:
يا ملتقىً لستُ أدري للوفا ماذا@أُسدي إليه جماعاتٍ وأفذاذا
أدعو بحقِّ مواثيقٍ لنا جمعتْ@لا كان آخر عهد بيننا هذا..!
4/ لقيت الفتى حمدا بن لمرابط محمد سالم لأول مرة بعد وفاة والده، وذلك في روصو بمناسبة استقبال رئيس الجمهورية يوم الجمعة 06-04-2012 فتحرَّكت مشاعر فيّ اتجاهه فقلت:
حمدنا على طي المواثق والنشر@من أوثقها "حمدا" يدوم إلى النشر
"مبارك" عهد عند "أگننت" أصله@به ثابت والفرع يطلع بالبشر
فأگننت ذي "أم القرى" بربوعنا@غذته بطبع طيب العرف والنشر
ولا خير في ربع ترعرع وانتشا@إذا كان ضد الطبع في الربع يستشري
قد صين حق الطبع غضا بنشره@ويحفظ حق الطبع من هم بالنشر
قبضنا على عهد لخمس بعشرة@ولا سدل بعد القبض إذ تم بالعشر
ندين به دينا و دنيا وإننا@نموت عليه ثم نبعث في الحشر.!
و لا يخفى ما في هذه القطعة من اقتباس من البيتين الشهيرين للقاضي محمدن بن باركلَّ و من إحالة إلى ما قاله العلامة محمد عالي بن عدود في تقريظ إعلان 14 رمضان 1366 هجرية موافق 2 أغشت 1947 المنعقد في اندرْ القاضي بتجديد عهد تشمشه على كثيب أگننتْ في منطقة إگيدي:
أتانا كتاب طيب الطي و النشر@يترجم عن ملء الجوانح بالبشر
يخبر أن الخمس ضموا خلائقا@تجمعن فيهم لا افترقن مدى الدهر
فعادوا كما كانوا وطابت نفوسهم@فلا طر أوبار الجراب على النشر
وقد أكدوا ما أسسوه و إننا@قبضنا على ما ضمه الخمس بالعشر.
وفي ذات السياق يقول لمرابط محمد سالم بن عدود:
و إن تكن الخمسُ الأصابعَ إننا@أظافرُ في ذاك البنان المُقسَّم
تحكُّ بهنَّ الخمس ما انحكَّ طبُّه@فينفذنَ حتى يختضبن من الدم
فإن قلَّمت أظفارَها الخمسُ كُلِّمتْ@وإن وفَّرتْ أظفارَها لم تكلَّم
ومن يعص أطراف الزِّجاج فإنه@يطيع العوالي رُكِّبَتْ كل لهذم.
بقي أن نعلم أن المرابط محمد سالم كان من عباد الله الصالحين وله في ذلك أحوال غريبة يخفيها فلا تصدر منه إلاَ غلبة وأعلم منها بعض ما يعلمه الخاصة من ذويه المقربين.









