
بين أروقة جامعة فانسان وصخب باريس، تشكلت صداقة استثنائية مع الشاعر الراحل محمد الرديفي، الذي حمل تونس في قلبه وهو يفكك إرث الشابي بالفرنسية. وأنا في هذا المقال أستعيد سيرة مثقف عاش صراع الانتماء المزدوج، واختار في النهاية العودة إلى أرض الأجداد، باحثا عن طمأنينة تتجاوز ضجيج المنافي وبرودة الأيديولوجيا.
التقينا في جامعة فانسان بباريس (جامعة باريس 8 اليوم)، وكانت آنذاك فضاءً مفتوحًا لطلبة جاؤوا من مختلف بلدان العالم، ومن ضمنها البلدان العربية. كان كل واحد منهم يحمل قصة مختلفة، لكنهم يلتقون عند نقطة مشتركة واحدة: البحث عن أفق للحياة والدراسة والعمل.
كان بعضنا قد جاء إلى فرنسا بحثًا عن العمل، ثم التحق بالجامعة التي فتحت أبوابها أمام من لم يتمكنوا من مواصلة دراستهم في بلدانهم الأصلية. وجاء آخرون هاربين من ظروف سياسية قاسية، فرارًا من القمع والاضطراب، بحثًا عن قدر من الحرية والكرامة. وهناك من جاء مثقلًا بمسؤوليات عائلية، رغم حصوله على شهادة البكالوريا أو ما يعادلها (الثانوية العامة)، فكان يجمع بين العمل والدراسة وإعالة أسرته في الوقت نفسه.
في هذا الفضاء المشترك تشكلت صداقات إنسانية عميقة بين شباب كانوا يعيشون على هامش الاستقرار، لكنهم كانوا ممتلئين بالأمل، حتى وإن بدا أحيانًا طوباويًا أو بعيد المنال.
في هذا السياق تعرفت على أخي وصديقي المرحوم محمد الرديفي خلال السنة الدراسية 1975/1976، وهي سنة كانت تتقاطع فيها صعوبات الحياة اليومية مع أحلام واسعة، بعضها كان يلامس حدود المستحيل.
بين الجذور والهجرة الفكرية
◄ في جامعة فانسان بباريس كان لقاؤنا الأول
كان محمد قادما من حمّام الأنف بضواحي تونس العاصمة، لكنه كان شديد الارتباط بذاكرته الجغرافية والوجدانية. لم يكن يتوقف عن ذكر منطقته، رغم أن جذوره تمتد إلى زالبة، تلك القرية/المدينة الجميلة القريبة من مدينة الجم التاريخية. كان يحمل داخله هذا التداخل العجيب بين المحلي والكوني، بين تونس التي انطلق منها، وباريس التي عاش فيها تجربة فكرية وإنسانية غنية. وكان دائم الحديث عن مجموعة من الشعراء الشباب الذين انخرط معهم في تجربة شعرية حملت اسم “في غير العمودي والحر”، وهي حركة امتدت من إرهاصات شعرية عربية جديدة سعت إلى تجاوز الأشكال التقليدية للشعر.
لم تكن تلك الحركة تيارا موحدا، بل كانت فسيفساء من التجارب المختلفة: قصيدة النثر، والتجريب اللغوي، والكتابة بالدارجة، والشعر الأدائي. وكانت تعبيرا عن تحول عميق في مفهوم الشعر، من شكل ثابت إلى فضاء مفتوح للتجريب والتعبير.
كنت أفتخر بأن لي صديقا شاعرا. في تلك الفترة كنت أعمل حارسا ليليا، وكانت لي علاقة جيدة بأحد مسؤولي الشركة، فاقترحت عليه تشغيل محمد الرديفي، فتم قبوله. وقد كان لهذا القرار أثر مهم في حياته، ولم ينسه أبدا. لاحقا، حصل محمد على شهادة الليسانس، وبدأ التدريس في ثانوية قرب مدينة فونتينبلو. ثم واصل مساره الأكاديمي، وناقش أطروحته للدكتوراه حول الشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي في جامعة السوربون.
كانت تلك الأطروحة من أوائل الدراسات الأكاديمية في فرنسا التي تناولت الشابي باللغة الفرنسية، وهو ما منح عمله قيمة علمية خاصة، لأنه فتح بابا جديدا للتعريف بالشعر العربي الحديث داخل الأوساط الجامعية الفرنسية.
ازدواج الانتماء
بعد ذلك اشتغل محمد مترجمًا محلفًا، لكنه لم يكن يرى نفسه مستقرًا في فرنسا. كان يفكر باستمرار في العودة إلى تونس، والمساهمة في التعليم أو البحث العلمي أو الحياة الثقافية. وفي لحظة حاسمة قرر العودة نهائيًا. لكن العودة لم تكن كما تخيل؛ فقد وجد نفسه في تونس داخل دوامة من التحولات الاجتماعية والشخصية بعد سنوات طويلة من الغياب. لم يعد يشعر بأنه ينتمي بالكامل إلى باريس، لكنه في الوقت نفسه لم يجد ذاته بسهولة في تونس. كانت تلك حالة مزدوجة من الانتماء المعلّق، يعيشها كثير من المثقفين الذين خبروا تجربة المنفى.
محمد لا تنطبق عليه نظرية عبدالمالك صياد التي تصف المهاجر بحالة “الغياب المزدوج”، أي ذلك الشعور القاسي الذي يجعل المهاجر، بعد سنوات طويلة من الغربة، معلقا بين عالمين: لا هو قادر على الانتماء الكامل إلى البلد الذي هاجر إليه، ولا هو قادر على استعادة مكانه القديم في وطنه الأول. فالكثير ممن عادوا بعد غياب طويل اكتشفوا أنهم صاروا غرباء في الأمكنة التي حلموا بها طويلا، وأن الذاكرة كانت أرحم من الواقع؛ لذلك لم يمكث بعضهم طويلًا قبل أن يعود من جديد إلى المنافي التي اعتادها.
◄ شاعر تسيره هواجسه وأسئلته الخاصة، يعيش أكثر مما يتكلم، ويتأمل أكثر مما يشرح. وربما لهذا السبب لم يكن يقترب كثيرا من الناس
غير أن محمد كان مختلفا. فعندما قرر العودة لم يستشر أحدا، ولم يبحث عن نصائح الأصدقاء أو تطمينات المقربين، لأنه كان يؤمن بأن القرارات المصيرية تُؤخذ في لحظة صفاء داخلي، لا في ضجيج الآراء. عاد وفي داخله شيء من الحنين، وشيء من الأمل، وربما شيء من العناد أيضًا. لكنه، بعد أسابيع قليلة، بدأ يشعر بأن قراره لم يكن صائبًا تمامًا، وأن الواقع أكثر قسوة مما تخيله. فقد اكتشف أن أبواب المؤسسات الثقافية التي ظن أنها ستستقبله ظلت موصدة، وأن أحدًا لم يبادر بالاتصال به أو الالتفات إلى تجربته الطويلة. شعر، في لحظات كثيرة، بأن المكان الذي عاد إليه لا يعرفه، أو ربما لا يريد أن يعرفه.
ومع ذلك لم ينهزم. بقي صامدًا، متماسكًا، يراقب بصمت تحولات البلاد والناس، إلى أن جاءت أحداث الربيع العربي، فقرر أن يترك حمّام الأنف ليستقر في بلد الأجداد، كأنه كان يبحث، في نهاية المطاف، عن جذور أعمق من الجغرافيا، وعن طمأنينة لا تمنحها المدن بسهولة.
هذا هو محمد الذي عرفته: رجل شجاع ومخلص، لا يحب الضجيج ولا يسعى إلى الأضواء. أتذكر أنه ذات صيف كان يمشي في باريس بمحاذاة نهر السين، فرأى رجلًا فرنسيًا يكاد يغرق. لم يتردد لحظة، بل اندفع نحوه وأنقذه، ثم ابتعد بهدوء، من دون أن ينتظر رجال الإطفاء أو كلمات الامتنان. كان يفعل الخير بعفوية نادرة، وكأن النجدة بالنسبة إليه أمر طبيعي لا يستحق التباهي. كان محمد من أولئك الأشخاص الذين يتحركون بدافع داخلي عميق، لا بدافع المصلحة أو الرغبة في الظهور. وإذا اقتنع بفكرة أو اتخذ موقفًا، فإنه لا يتراجع بسهولة، حتى لو كلّفه ذلك الكثير.
كان شاعرًا تسيره هواجسه وأسئلته الخاصة، يعيش أكثر مما يتكلم، ويتأمل أكثر مما يشرح. وربما لهذا السبب لم يكن يقترب كثيرًا من الناس؛ فقد كان يخشى القيل والقال، وينفر من العلاقات السطحية والضوضاء الاجتماعية. كان يميل إلى الوحدة، لا لأنها عزلة متعالية، بل لأنها المساحة الوحيدة التي كان يجد فيها نفسه الحقيقية، ويصغي فيها إلى صوته الداخلي بعيدًا عن صخب العالم.
زرته مرات عديدة، ولاحظت كيف بدأت حيويته التي عرفتها في باريس تخفت تدريجيا، لتحل محلها حالة من الانكماش الداخلي. عاش فترة في حمّام الأنف، ثم استقر في زالبة، أرض الأجداد، في محاولة للعودة إلى الجذور.
وكان يقول دائمًا “أكل طبق كسكس مع العائلة أفضل من أكل خروف كل يوم في باريس”. كانت جملة بسيطة، لكنها تختصر صراع الهوية بين المنفى والعودة، وبين الدفء الإنساني والاغتراب.
كنا قريبين جدا، وكأننا إخوة. نشأ أبناؤنا معا، وكان الكثير من الأصدقاء يظنون أننا عائلة واحدة.
كنت أقرأ كل ما يكتبه، وكنت أول قارئ لديوانه “قصائد زنبقية” الصادر في باريس سنة 1977، وكذلك ديوانه الثاني “متى الوداع ماريان؟”. يحمل هذا العنوان الأخير دلالة رمزية عميقة، إذ تشير “ماريان” إلى فرنسا باعتبارها رمز الجمهورية والحرية والعقل في المخيال السياسي الفرنسي. أما صيغة السؤال، فتعكس حالة نفسية قلقة، ورفضا لأي مساس بالكرامة، إضافة إلى حساسية عالية تجاه العنصرية التي كان يراها تتنامى في الحياة اليومية.
السياسة وخيبة الأحلام
◄ تجربة إنسانية وفكرية كاملة جمعت بين الشعر والمنفى والعودة، بين الحلم والواقع، وبين تونس وباريس
كثيرًا ما راهنا معًا على التغيير السياسي في بلداننا، لكن تلك الرهانات، في أغلب الأحيان، كانت أقرب إلى الطوباوية منها إلى الواقع. انخرط محمد في بعض الأحزاب اليسارية، وشارك في تنظيمات عربية متعددة، لكنه لم يكن يستمر فيها طويلًا، لأنه كان يرفض الخطابات الشعاراتية واللغة الغوغائية، ويبتعد عن كل أشكال الأدلجة التي تلغي الفرد وتقتل التفكير الحر.
ومن أجمل ما أذكره أننا كنا نقضي عطلات نهاية الأسبوع معا، وأحيانا عند أخينا الأكبر معاوية، الذي كان يمثل لنا مرجعا للحياة والخبرة. كنا نستمع في الطريق إلى الموسيقى العربية: الشعبي، والحوزي، والأندلسي، والتونسي. وكانت تلك الرحلات تشكل مساحة للذاكرة والحديث والتأمل.
وفي إحدى المرات سمعنا أغنية لنورة، أيقونة الغناء الشعبي الجزائري، تقول فيها:
“يا ربي سيدي… واش عملت أنا لوليدي
ربيّتو بيدي… وداتو بنت الرومية”
كانت أغنية مؤثرة تحمل شحنة إنسانية واجتماعية قوية، وقد لامست محمد بعمق، حتى إنه أعاد الاستماع إليها مرارا، وأصبحت من أغانيه المفضلة، لأنها لامست شيئا داخليا يتعلق بالأمومة والفقد والحنين.
وفي سنة 1988 ذهبنا مع عائلاتنا إلى تونس، وأقمنا في حمّام الأنف. تزامنت الزيارة مع شهر رمضان، فكانت التجربة غنية بكل تفاصيلها: الروائح، والألوان، والأجواء الروحية. كانت الشوارع تعبق برائحة التوابل والمأكولات الرمضانية، وكانت بعض البيوت تفتح أبوابها للناس بأسعار رمزية، في مشهد يعكس روح التضامن الاجتماعي. كما كانت رائحة النرجس والخبز التقليدي تملأ المكان، لتشكل لوحة حسية لا تُنسى.
بعد ذلك توجهنا إلى جبنيانة، حيث كانت والدة محمد في انتظارنا بعد وفاة والده رحمه الله. استقبلتنا بحفاوة كبيرة، وعشنا معها أيامًا لا تُنسى. كانت امرأة طيبة وسخية، وأحاطتنا العائلة برعاية دافئة. وكان بيتها ملتقى يوميًا لأفراد العائلة من كل مكان. كما كانت خالتي مباركة، رحمها الله، مشهورة بإعداد الشاي على الطريقة التونسية التقليدية. وكانت المدينة نفسها غنية بالمكتبات والمقاهي والمعالم التاريخية التي تعكس عمقها الحضاري، إضافة إلى طبيعتها الجميلة.
المثقف والإنسان
عاش محمد الرديفي مكافحا، صاحب كرامة عالية، ومثقفا صاحب موقف. كان صلبًا في آرائه، لكنه حساس في داخله. وكان مشروعه حول أبي القاسم الشابي من أهم أعماله الفكرية، وأتمنى أن يُنشر ويُحقق علميا بما يليق بقيمته. وقد اشتغل أستاذًا للغة العربية في معهد “أندريه دوشيه”، كما عمل مترجمًا خبيرًا بمحكمة فرساي، وترك ديوانين شعريين مهمين: “قصائد زنبقية” و”متى الوداع ماريان؟”.
وتحصل على الدكتوراه سنة 1987 من جامعة السوربون، بأطروحة بعنوان “تعدد الثقافات عند الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي”، وهي من أوائل الدراسات الأكاديمية حول الشابي باللغة الفرنسية.
رحل صديقي وأخي محمد الرديفي، لكن حضوره بقي حيًا في الذاكرة. كان أكثر من صديق؛ كان تجربة إنسانية وفكرية كاملة، جمعت بين الشعر والمنفى والعودة، بين الحلم والواقع، وبين تونس وباريس. وفي سنواته الأخيرة مرّ بظروف صحية صعبة. وعندما زرته آخر مرة قبل نحو ثلاث سنوات، كان يمشي بعكاز، وقد بدا عليه أثر الزمن والمرض. وبعد أشهر قليلة، غيّبه الموت، رحمه الله رحمة واسعة، لكن صوته، وكتاباته، وذاكرتنا المشتركة، ما زالت حاضرة، وكأنها تقول إن الصداقة الحقيقية لا تموت، بل تتحول إلى ذاكرة حيّة ترافقنا إلى آخر الطريق.
كاتب جزائري








