بينما كنت أدرس رسالة ابن زيدون الهزلية على اللغوي اللوذعي بباه بن اميه رحمه الله، مررت على بيت مضمن فيها، فطرب الشيخ واستوى جالساً، وأعاد قراءة البيت عدة مرات قائلاً:
إن العصا قرعت لذي الحلم
والشيء تحقره وقد ينمي
وأردف قائلاً:
هذا البحر يطلق عليه أهل العروض الكامل أحذ مضمر ، ولكن القاضي أحمد سالم بن سيد محمد كان يسميه "الكَامِلْ لِمَّــتَّدْ"، نظراً لحذف وتد من تفعلته الأخيرة، ولم ينظم فيه شاعر من أهل أعمر إديقب قبله، فقد كتب فيه مرثيته الجميلة والنادرة للشيخ المربي محمدن الملقب أَدِّ بن الشيخ أحمد الفاضل التي يقول فيها:
وكفت بقبر إمامنا الفرد
شيخ الشيوخ المرتضى أّدِّ
شمس المعارف والهدى ديم
تهمي بلا برق ولا رعد
ياليت شعري من يقوم بما
يوليه من كرم ومن فيد
أو من يداوم ما يداوم من
ذكر الإله وفعلة الحمد
أو من أمور الحي إن نزلت
تعنيه من قرب ومن بعد
أو من يقوم كما يقوم على الـــ
علات أو يجدي كما يجدي
أو من يصوم كما يصوم ومن
يهدي كما يهدي إلى القصد
ثم أخذت الشيخ بباه أريحية، فنفث لي نفثة حول ذي الحلم المقصود في البيت فقال، لقد اختلف العرب في أول حكيم من حكمائها قرعت له العصا فقال بعضهم إنه عامر بن الظَّرْب العدواني، وادعت ربيعة أنه قيس بن خالد ذي الجدَّين، أما تميم فقالت إنه ربيعة بن مخاشن ويقول أهل اليمن أنه عمرو بن حممة الدوسي، وأنه المعني بقول المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
وما علم الإنسان إلا ليعلما
أثار كلام الشيخ بباه لدي فضولاً بحثياً، يتعلق أساساً بمقطعات الكامل لمتَّدْ، فبدأت التنقيب عنها في كتاب الشعراء الستة الجاهليين الذي كان لا يفارقني، فوجدت أن الملك الضليل اختار ذلك البحر للاميته الجميلة المرقصة:
حي الحمول بجانب العزل
إذ لا يلائم شكلها شكلي
ماذا يشق عليك من ظعن
إلا صباك وقلة العقل
منيتنا بغدٍ وبعد غد
حتى بخلت كأسوإ البخل
يارب غانية لهوت بها
ومشيت متئداً على رسلي
لا أستقيد لمن دعا لصباً
قسراً ولا أصطاد بالختل
كما نظم فيه زهير بن أبي سلمى مديحيته الرائية لهرم بن سنان المري فقال:
لمن الديار بقنة الحجر
أقوين من حجج ومن دهر
لعب الزمان بها وغيرها
بعدي سوافي المور والقطر
قفراً بمندفع النحائت من
صفوى أولات الضَّال والسدْر
دع ذا وعدِّ القول في هرمٍ
خير البداة وسيد الحضر
تالله قد علمت سراة بني
ذبيان عام الحبس والأصر
أن نعم معترك الجياع إذا
خب السفير وسابي الخمر
ولنعم حشو الدرع أنت إذا
دُعيت نزال ولجَّ في الذعر
وقد استشهد النحاة بالبيت الأخير بأن "نزال" أريد به لفظه فجعل نائب فاعل، وأصله اسم فعل أمر بمعنى انزل، كما أن عطف زهير للقطر على سوافي المور ، حملوه على الجر بالجوار، فالمور التراب، والقطر هو المطر ولا سوافي له وهذا تفعله العرب في المجاورة وهو مثل قولهم جحر ضب حرب.
من ناحية أخرى، فقد اختار طرفة بن العبد، البكري الوائلي الكامل أحذ مضمر لميميته التي يمدح بها قتادة بن مسلمة الحنفي ويعرض فيها بالمسيب بن علس، وقد اقتصرت منها على المدح خوف التطويل :
أبلغ قتادة غير سائله
منه الثواب وعاجل الشكم
إني حمدتك للعشيرة إذ
جاءت إليك مرقة العظم
ألقوا إليك بكل أرملة
شعثاء تحمل منقع البُرم
ففتحت بابك للمكارم حـيــــ
ن تواصت الأبواب بالأزم
وأهنت إذ قدموا التلاد لهم
وكذاك يفعل مبتني النَّعم
فسقى بلادك - غير مفسدها -
صوب الغمام وديمة تهمي
أما الشاعر الفارس عنترة بن شداد العبسي، فقد فضل الكامل لمتَّد لأبياته الفخرية التالية:
وفوارس لي قد علمتهم
صبُرٌ على التكرار والكلم
يمشون والماذيُّ فوقهم
يتوقدون توقد النجم
كم من فتى فيهم أخي ثقة
حر أغرَّ كفِرَّةِ الرئم
ليسوا كأقوام علمتهم
سود الوجوه كمعدن البرْم
كنا إذا نفر المطي بنا
وبدا لنا أحواض ذي الرضم
نعدي فنظعن في أنوفهم
نختار بين القتل والغُنم
ومن أشهر وأحسن مقطعات الكامل لمتَّد أبيات الفارس دريد ين الصمة التي تغزل فيها بالشاعرة تماضر بنت عمرو بن الحارث الشهيرة بالخنساء، وتطلق العرب لفظ تماضر على المرأة البيضاء ،يقول دريد:
حيوا تماضر واربعوا صحبي
وقفوا فإن وقوفكم حسبي
ما إن رأيت ولا سمعت به
كاليوم طالي أينق جرب
متبذلاً تبدو محاسنه
يضع الهناء مواضع النقب
أخناس قد هام الفؤاد بكم
واعتاده داء من الحب
كما استوقفتني أبيات الحماسي الجميلة التي لفق منها ابن زيدون شطرين ضمنهما في رسالته الهزلية:
لا تأمنن قوماً ظلمتهم
وبدأتهم بالشتم والرغم
أن يأبروا نخلاً لغيرهم
والشيء تحقره وقد ينمي
وزعمتم أن لا حلوم لنا
إن العصا قرعت لذي الحلم
ووطئتنا وطأ على حنق
وطء المقيد نابت الهرم
وتركتنا لحماً على وضم
لو كنت تستبقي من اللحم
وقد تتبعت الكامل لمتَّد في شعر أهل انيفرار فوجدته نادراً ومن أحسنه وأقدمه أبيات جميلة للقاضي أحمد سالم بن سيد محمد رحمه الله قالها في فترة شبابه وهي:
مرأى المنازل أصبحت قفرا
من آل مية جنب بوحفرا
أورى بقلبك لوعة وجوى
لايبرحان بقلبك الدهرا
ومنازل بربى الثُّمام عفت
ومنازل من دونها أخرى
ومنه مرثية صاحبكم للشيخ الصالح ذي الكرامات الباهرة الشيخ بن احمادَ رحمه الله وجزاه عنا أحسن الجزاء:
لَعْبُونَ و انْيِفْرَارُ في غَمَّ
مُذْ بانَ نَجْلُ - فَوَا أسىَ- عَمِّ
وَبِلادُنا تَبْكِي عَليه دمًا
مِنْ حَوْضِهَا لِلْبِيرِ فَاليَمِّ
ورجالها طاشت قلوبهمُ
ونساؤها يَنْدُبْنَ باللَّطْمِ
والعَوْدُ جَذْلانٌ لإثْرَتِهِ
بالشيخ والأصْنَاءِ والأُمِّ
شَيْخٌ نَمَاهُ مِحِمَّذِنْ صُعُدًا
وَمحَنضُ أَحْمَدَ مِدْرَهُ الخَصْمِ
وَسَلِيلُ زَيَّادٍ نمَاهُ فَحَا
زَ العِزَّ بِالعَلاَّمَةِ القَرْمِ
وَسَرَى إلَيْهِ مِنَ الخُؤُولَةِ سِرْ
رٌّضَاقَ عَنْ تَفْرِيعِهِ نَظْمِي
صَمَّاءُ لم تترك لذي جَلَدٍ
عزماً فصَارَ بِدُونِ مَا عَزْمِ
وكأنما صَابٌ يُعَلُّ بِهِ
جَفْنِي فبتُّ مُسَامِرَ النَّجْمِ
فَلَئِنْ صَبَرت لأَصْبِرَنْ جَلَلاً
وَلَئِنْ عَجَزْتُ وَقَعْتُ في الإثْمِ
ونختم هذا المقتطف، بمرثية المهندس الأديب محمد صالح بن امد لفقيد الخمس ورمز كيان بني ديمان السيد امربيه بن أبي مدين رحمه الله، التي يقول فيها:
خبر أتاك فلم تطق صبرا
حزنا وضقت بوقعه صدرا
فقد الفتى امْربيه وا أسفي
أبقى أسًى بنفوسنا طرَّا
حزن على إكيدي خيّم لم
يختصّ ربع بُدَفْيَ والبترا
لله بيت من يحُل به
يلقى به الترحاب والبشرا
وبه يلاقي المعتفي عرضا
رُدّحّ الشوا والرسلَ والتمرا
تسعى الوفود إليه أعوزهم
رأي حصيف يحسم الأمرا
عمر لكسب المكرمات مضت
أوقاته أكرم به عمرا
نفس على جلب المصالح قد
جبلت ودرإِ مفاسدٍ تدرا
ورزانة ومروءة وتقى
ومناقبٍ معلومةٍ أخرى
شيم لها ذُمَّ السلاف وريّــ
اها يفوق الرند والعطرا
مجد فريد الشكل موجبة
كلية كبراه والصغرى
هذي الدفاتر سودت شعراَ
منهُ وتلك مليئة نثرا
للشيخ سيد محمدٍ يُنمى
أعني زعيم تشمشةَ الكبرى
وملاذها إن تعرُ نائبة
وعمادَها وجوادها البحرا
ورثت بنوه المجد منه وقد
صانوا البِناءَ وجَددوا ذكرا
أبقاهم الرحمن ذخر بني
ديمان تاج رؤوسها فَخرا
طاب يومكم.









