جمع الشيخ يحظيه بن محمد بن يَامُ الأبهمي بين العلم والورع ودماثة الخلق، وكان لين العريكة كريم المعشر، لا يعرف عنه تكلف ولا جفاء.
وقد بلغت منزلته في نفوس خاصته مبلغاً عجيباً، حتى إن أخته عيشة بنت الشيخ أحمد بن الفاضل ، مع أن لها ثمانية إخوة من الأب، كلهم من أهل العلم والفضل والمكانة، كانت إذا أرادت أن تغلظ يمينها لم تحلف إلا بصرته.
وتحكي السردية المحلية أن رفقة خرجت من انيفرار متجهة إلى ادويرة أبودور للميرة، وكان السفر فرصة لامتحان الصبر والقدرة على التحمل، ومجالا تنكشف فيه طبائع الرجال، ولذلك قالوا في المثل السائر هل سافرت معه؟
ضمت تلك الرفكة الشيخ يحظيه بن محمد بن يامُ، والشيخ محمد سالم بن الشيخ أحمد الفاضل، وقد كان عالماً وشاعراً وصالحاً مكاشفاً وكان فتى دهره مروءة وكرما. أخذ عن والده، ومر بمحظرتي الكحلاء والصفراء، وأثرى مكتبة الحي بالكثير من الكتب النفيسة كالمدونة الكبرى وغيرها، ثم اتصل بالشيخ المربي الخديم أحمدو بمنب، فنهل من مورده وصار من خاصة الوافدين عليه.
وكان الشيخ أحمدو بمنب معجبا به يرى فيه العلم والعمل والاستقامة وصدق التوجه. وكان الشيخ محمد سالم هجيراه دعاء "اللهم استرنا بسترك الجميل"، فكان الشيخ الخديم يلقبه بالمستور بالستر الجميل.
كان الطريق طويلا، والرفقة تمضي على مهل بين هابي الرمل ومسالك النجد، يتناوب أفرادها الرأي والمشورة.
خلال ذلك السفر ظهرت من الشيخ يحظيه خصلة لطيفة ظلت عالقة في ذاكرة الرفقة، فقد كان كلما أشار أحدهم برأي أو اقترح وجها من وجوه السير، بادر يحظيه إلى قول "تترزكئذ". وهي كلمة صنهاجية تجري على معنى الموافقة والاستحسان، حتى صارت تلك الكلمة جزءا من ذاكرة تلك الرحلة.
أدلجت الرفقة وأسحرت مواصلة سيرها حتى بلغت موضعا يعرف بأكنتايت عافية يقع في أرض السنغال الشرقي.
كان المكان في ظاهر الأمر مرحلة من مراحل طريق القوافل الذاهبة للامتيار، تقف عنده لتستريح من وعثاء السفر، ثم تواصل سفرها بعد ذلك.
نزل القوم هناك، وحطوا متاعهم وأراحوا رواحلهم، وأخذوا قسطا من الراحة. غير أن ذلك الموضع، الذي بدا للرفقة منزلا عابرا، كان يخفي في باطنه سرا لا يعلمه إلا من أطلعه الله عليه.
فخلال جلسة الاستراحة كوشف الشيخ محمد سالم بن الشيخ أحمد الفاضل بأن أكنتايت عافية ستكون مدفن الشيخ يحظيه بن محمد بن يام، فسأل رفقاءه قائلا : أيكم يرضى أن يكون مدفنه في هذا الموضع؟
كان السؤال في ظاهره مزاحاً عابراً، غير أن الشيخ يحظيه أدرك أن وراءه معنى آخر، وكأن قلبه التقط الإشارة قبل أن تتم العبارة، فلم يضطرب ولم يسأل الشيخ محمد سالم عن سبب طرحه للسؤال، ولم يتعلق بالمكان ولم يتأثر بحرقة الفقد وبعد الأهل، بل أجاب جواب من أسلم أمره لله، وخرج من ضيق الاختيار إلى سعة الرضا. وقال ما معناه: إن كان الله راضيا عني، فلا أبالي أين يكون مدفني.
ثم طويت الجلسة كما تطوى لحظات كثيرة لا يعرف الناس قيمتها إلا بعد وقوع ما يفسرها، وواصلت الرفكة طريقها نحو ادويرة أبودور، فقضت ما خرجت من أجله من أمر الامتيار والاتجار، وفي طريق العودة عرضت للشيخ يحظيه وعكة صحية خفيفة وهم على مشارف أكنتايت عافية، ففاضت روحه الطاهرة ودفن في ذلك المحل حلت بقبره شآبيب الرحمة.
وإلى هذه القصة يشير الشيخ العالم بباه بن اميه في نظمه لمدافن أهل انيفرار بقوله:
يحظيه نجل يامُ عالي الشان
بموضع من أرض إيسنغانِ
وسمه أكنتايت عافيهْ
رب اقره هناك رحمى ضافيهْ
قصة كونه هنا قد ذكرت
وذاك أن رفقة قد نزلت
بذلك الموضع ثم حصلا
لأحد الرفقة كشف قد جلا
بأن يحظيه محل تربته
بذلك الموضع عند أوبته
فسأل النفر في شبه مجون
عن أيهم يرضى هناك أن يكون
مدفنه، فقال هو إن أنل
رضى الإله لا أبالي بالمحل
كأنه عما يريد كشفا
له فكان ذا على ما وصفا
وقد جرت أحداث هذه القصة سنة 1328 هجرية الموافق نحو 1910.
وقد عاش الشيخ محمد سالم بن الشيخ أحمد الفاضل 14 سنة بعدها وتوفي رحمه الله سنة 1343 هجرية الموافق نحو 1924 ودفن في انجاريم رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته ونفعنا ببركاته.
يعقوب بن اليدالي







