الراوي الشعبي في الواقع الافتراضي/ سعيد يقطين

ثلاثاء, 08/04/2026 - 22:06

عرفت تهيئة المدن المغربية تحولات متتابعة ومتواصلة خلال العقدين الأخيرين. لقد بدأت تتقلص الأحياء الشعبية وساحاتها العمومية، نتيجة القضاء على مدن الصفيح في المدن، والسكن العشوائي في القرى، وحتى الأسواق الشعبية الأسبوعية التي تغطي ربوع البلاد لم يعد فيها سوى مجال ضيق لحضور الحلاقي بمختلف أصنافها، خاصة حلقة راوي الحكايات والقصص والنوادر. أما حلقات رواة السير الشعبية التي كان لها تاريخ في الساحة العمومية في المدن العتيقة، مثل باب عجيسة في فاس، وجامع الفنا في مراكش، أو في بعض الأحياء الشعبية مثل اشطيبة في الدار البيضاء وغيرها، فقد آلت إلى زوال.
لكن غياب الفضاء أو تقلص مساحاته التي كان الراوي الشعبي يحتلها بامتياز، أدى به إلى الانتقال إلى الفضاء الشبكي، إما عبر تصوير بعض فعالياته في بعض الأسواق الشعبية، أو بعض المناسبات الدينية، أو العائلية في السرادقات والوثاقات، ونقلها إلى مرئيات اليوتيوب، من جهة أولى، أو تكليف من يقوم بتصويره لأداء الدور التقليدي الذي كان يضطلع به، ليحول إلى بعض وسائط التواصل الاجتماعي، من جهة ثانية. فصار للكثير منهم موقع خاص، وعنوان دائم، وحلقات تبرز بين الفينة والأخرى، وفيها يجدد الراوي الشعبي العوالم التي يبدعها من مخيلته، أو يستعيد فيها التراث المخزن لديه. وكان للوظائف التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية أثرها في إبداع الصور المصاحبة، وتجديد أثاث فضاء خلفية الراوي، وهو في كل حلقة يتخذ له زيا معينا يثبت به تميزه وخصوصيته، وقد باتت له علامة خاصة تجعله مختلفا عن غيره.

كتبت مرة عن «الحلاقي الافتراضية»، وكنت أقصد بالحلاقي المعنى السلبي والقدحي في الدارجة المغربية، حين كان النظر إليها يقتصر على أنها فضاءات لتزجية الوقت، وتضييعه في ما لا يفيد، من منظور بعض الجادين «فوق القياس»، أو بعض الفقهاء، حتى إن كان بعضهم يجمع الناس في حلقة لمواجهة ما يسود من انحرافات وسلوكات ضارة بالمجتمع. فهي فضاءات للضحك والترفيه، وإن كانت في تنوعها تضم حلاقي متعددة للفائدة والمتعة معا. قصدت بالحلاقي الافتراضية تلك المرئيات التي استغلها أشباه المثقفين للترويج لدعاوى زائفة وغير دقيقة عن التاريخ الإسلامي والمغربي، وعن القرآن الكريم والحديث النبوي، ودعوة إلى التمييز بين الأعراق، والانتصار لعرقية معينة، وادعاء صفائها الأزلي، وما شاكل هذا من الترهات التي بدأت تبدو على حقيقتها. لكن الحلقة بالمعنى الشعبي الحقيقي فكانت دائما فضاء للراوي، الذي يتمكن من جمع أعداد هائلة من الناس من مختلف الأعمار، وينقلهم إلى عوالمه التي ينتجها بلغة جميلة وحس إبداعي طريف. لذلك كانت الحلاقي الشعبية مساحات للترويح عن النفس، واللقاء، وممارسة الضحك الجماعي في غياب أشكال أخرى للفرجة الجماعية.

يتعدد الرواة الشعبيون الذين فرض عليهم العصر الرقمي استثماره على النحو الذي كانوا يمارسون به حرفتهم التقليدية. لقد استعانوا بالخبرة الرقمية، فصاروا يقدمون أجواء من الفرجة التي تجد من يقبل عليها، ويتابعها باستمرار. لم يبقوا على عاداتهم التي كانت تفرض عليهم التوقف بين الفينة والأخرى لجمع ما يجود به عليهم جمهورهم الثابت والمتحول. صارت مرئياتهم متواصلة من دون توقف، حتى إن كان بعضها يستغرق دقائق كثيرة، وإن كان بعضها الآخر لا يتجاوز بضع ثوان تتيح له إمكانية تقديم أكبر عدد من المواد، سواء كانت نكتا أو نوادر، أو قصصا شعبيا. لقد باتت مراكمة الإعجاب والاشتراك في القناة بديلا عن اللقاء المباشر، الذي كانت توضع فيه يد فوق أخرى. وقد أدى تزايد الإعجابات والاشتراكات إلى تكوين جمهور خاص من المتابعين يشجعه على المواصلة والإبداع الدائم، وإثبات الحضور بين الفينة والأخرى.
بدأ تنويع المرئيات حسب الحاجة، فإذا كانت اليوتيوب تقدم فيها حلقات كاملة، صار يُقطّع ما فيها من مثير ليعرض في مرئيات قصيرة جديدة (reels) ومتعددة. وكل من يفتح هذه المرئيات ويتابعها تصبح دائمة الظهور لديه كلما اتصل بالفضاء الشبكي. فما هي خصائص الراوي الشعبي في الواقع الافتراضي؟ وما هي العوالم التي يقدمها؟ وأشكالها؟ يفرض عليّ ولعي الطفولي بالضحك الشعبي متابعة الكثير مما يقدمه هذا الراوي الفنان، بين الفينة والأخرى، محاولا من جهة تنويع أنشطتي عن طريق الإحماض، ومن جهة أخرى معاينة نوع المرويات المقدمة، متسائلا عن أهميتها وقيمتها في التعبير عن متخيل جماعي يستمد حيويته من ذاكرة شعبية، أو موقف مما يطرأ في الحياة اليومية، وآثار ذلك على ما يثير اهتمام الراوي وفضوله لتقديمه إلى جمهوره، محاولا بذلك ليس فقط تحريك الابتسامة أو الضحك، ولكن أيضا تقديم رسالة تعبر عن رؤية للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وانتقاد لبعض الظواهر والمظاهر التي تستفزه، والتي يقدمها في قالب فكاهي يمزج بين السخرية والرفض في آن واحد.

تتنوع تجارب هؤلاء الرواة، حسب البيئة التي يعيش فيها كل واحد منهم، وتبعا للهجته في الدارجة المغربية، ولنوع ثقافته، وحسه الفني ووعيه النقدي، وطريقة أدائه. وفي هذا التنوع نجد من جهة تنوع وتعدد روافد الثقافة الوطنية، وأشكال التعبير عنها، من خلال رواة يسعى كل منهم ليجسدها وفق رؤيته للأشياء، وتبعا لما يزخر به الفضاء الذي يعيش فيه. إن قراءة تجربة الراوي الشعبي في الفضاء الافتراضي قراءة تحليلية، تكشف لنا عما يعتمل في الواقع من منظور مختلف عما تقدمه لنا الكتابات الأدبية المنتمية إلى الثقافة العالمة. ومن دون الاعتراف بهذا الصوت السردي، ومعاينته والاستماع إليه، سيظل جزء من إبداعنا غائبا ومغيبا، ولا أريد أن أقول مهمشا، لأني رأيت أن الكثير ممن يتحدثون عن «الهامش»، كمقابل لـ»المركز»، هم أولى بالتصدي له بالفعل بدل البقاء في دائرة اتهام الآخر به، وتبرئة الذات منه.

المصدر: القدس العربي