
حين تصبح الكاميرا شاهدًا على المأساة
أشكر صديقي علي أوجانة الذي لفت انتباهي إلى الكتاب الصادر حديثًا في الجزائر عن منشورات خيال، والذي اختارت مؤلفته موضوعًا شديد الأهمية لأنه يتعلق بالإعلام والإعلاميين في غزة الذين تعرضوا للقتل والاستهداف بأساليب وطرق لا إنسانية، أقل ما يقال عنها إنها وحشية.
في غزة، لم تكن الكاميرا مجرد أداة لنقل الخبر، بل أصبحت شاهدة على حرب تُرتكب أمام أنظار العالم. من بين الركام والدمار، واصل الصحفيون أداء مهمتهم، يدفعون حياتهم ثمناً لمحاولة نقل الحقيقة. في كتابها "غزة، بطاقة الذاكرة الأخيرة"، توثق الباحثة راضية بوديسة جانبًا من هذه المأساة، "وتستعيد أسماء من رحلوا وهم يحملون الكلمة والصورة في مواجهة الموت".
لقد تعرض الصحفيون للحصار والاستهداف بحرًا وبرًا وجوًا، وطالت الضربات الأبراج الإعلامية والمباني التي يقطنونها أو يلجؤون إليها. ولم تقتصر هذه الممارسات على مخالفة المواثيق الدولية، بل كشفت كذلك عن صمت دولي تجاه ما يتعرض له الإعلاميون من انتهاكات. حيث تتوقف الكاتبة عند لا مبالاة المؤسسات الدولية وانتهاك حقوق الإنسان، وكيف استُهدف إعلاميون وإعلاميات لمجرد قيامهم بعملهم ومحاولتهم توثيق الجرائم.
صحافة تدفع ثمن الحقيقة
يوثق الكتاب استشهاد 317 صحفيًا وصحفية وعاملًا في مجال الإعلام في غزة، خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 إلى 13 أكتوبر 2025، إثر الهجوم الإسرائيلي على الإعلاميين الفلسطينيين. يصف كيف استُهدف الإعلام بشكل ممنهج في واحدة من "أعنف الهجمات التي تعرضت لها الصحافة في العصر الحديث، حيث أصبحت الكاميرا هدفًا، والكلمة جريمة، والإعلاميون شهودًا يُراد إسكاتهم."
يرصد الكتاب تفاصيل استهداف الإعلاميين بحسب الجنس والأعمار والوظائف ووسائل القتل وأماكن وقوعها، ويبرز مساعي إسكات الصوت الفلسطيني وتغييب روايته. كما يسلط الضوء على الحرب الإعلامية المصاحبة للحرب العسكرية، حيث تحاول الدعاية الإسرائيلية التأثير في الرواية المتداولة، بينما دفع الصحفيون حياتهم ثمناً للصدق والشفافية.
لا يكتفي الكتاب بالأرقام، بل يقدم سردًا إنسانيًا مؤثرًا لحياة الضحايا وأحلامهم التي توقفت فجأة، كما يوثق أوضاع الصحفيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، الذين ظلوا خلف القضبان أسرى للكلمة.
وتختتم المؤلفة راضية بوديسة عملها بقائمة تفصيلية لأسماء الشهداء وصورهم، مؤكدة أن استهداف الصحفيين لم يكن حادثًا معزولًا، بل تحول إلى سياسة ممنهجة.
نقرأ خلف سير هؤلاء الصحفيين ملامح سياسة أرادت إسكاتهم حتى وهم شهداء. ويختتم العمل بقائمة توثيقية تضم 317 شهيدًا وشهيدة من العاملين في الصحافة والإعلام، ارتقوا بين 7 أكتوبر 2023، يوم اندلاع الحرب، و13 أكتوبر 2025، اليوم الذي أُعلن فيه رسميًا عن انتهائها. "وأعلم أن هذه ليست نهاية القتل، وأن آخرين قد يسقطون، وأن الرقم سيواصل الارتفاع."
عبق التاريخ على أزقة غزة
تقول الكاتبة: «في أزقة غزة الضيقة التي تتسع للذاكرة، تهمس الحجارة بأصوات من عبروا، من الكنعانيين والفراعنة إلى الرومان والعثمانيين، وتردد أصداء من بنوا الأسواق وتركوا فيها رائحة الخبز بالزعتر وعبق التوابل الممزوجة بنسيم البحر. هناك تتجاور الأصوات والروائح لتصنع سيمفونية يومية تدخل الدفء إلى القلب رغم قسوة الأيام".
ورغم المحن، تظل معالم تاريخ غزة حاضرة، مثل "قلعة غزة المملوكية المشيدة فوق أنقاض رومانية، والكنيسة البيزنطية التي تعود إلى القرن الرابع، والمساجد الأيوبية والمملوكية، إضافة إلى أسواقها القديمة مثل القيسارية والزاوية، التي ما تزال تحتفظ بروحها القديمة. كما كشفت التنقيبات في بيت لاهيا وجبال غزة عن تاريخ عريق".
غزة لم تكن يومًا مجرد مدينة على الهامش، بل سجل حضاري يئن بأصداء آلاف السنين. تعاقبت عليها إمبراطوريات كبرى، وتركت كل حقبة بصمتها على وجه المدينة وروحها. وكما تؤكد الموسوعة الفلسطينية فإنها "رابه مدينة بنيت على وجه الأرض".
شباب غزة: من وعي المعاناة إلى أمل المستقبل
تجدر الإشارة إلى أن أغلب الصحفيين والصحفيات الذين يوثقهم الكتاب ينتمون إلى فئة الشباب، وهم من عزة ورفح، وكثير منهم تخرجوا من جامعات غزة. وقد تحلوا بشجاعة نادرة، وكأنهم وُلدوا ليكونوا شهودًا وشهداء. منذ انخراطهم في مهنة الصحافة، واجهوا آلة الحرب الإسرائيلية المدمرة في ميادين متعددة، وأثبتوا أن الصحافة يمكن أن تكون بطاقة لا تنطفئ.
وكما تقول الكاتبة أنهم: "يبتكرون مساحات جديدة للتعبير، من الفن الرقمي إلى المبادرات الصغيرة والمسابقات الأدبية، ويحولون كل عقبة إلى نافذة تطل على المستقبل".
اليوم، وسط الركام والدخان، لا يُكتب تاريخ غزة بالحجر والحبر فقط، بل بالكلمة والصورة. وتغدو المدينة "شاهدة على فصل جديد من الحكاية: حكاية الحرب والصحافة، قصة الدبابة والعدسة، ورفع الكلمة حين تخفت الأصوات ويبتلع الظالم الحقيقة".
أرقام مأساوية وتعقيدات التوثيق
تجاوزت حصيلة القتلى، وفقًا لما ورد في الكتاب من تقارير، أعداد القتلى المسجلة في "الحرب الأهلية الأميركية، وحربين في فيتنام، بما في ذلك النزاعات المرتبطة بكمبوديا وكوريا، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وحروب يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية، مجتمعة".
إلى ذلك، فإن عملية التوثيق كشفت عن تفاوت ونقص في المعلومات بين المصادر المختلفة؛ إذ لوحظ في بعض الحالات "اختلاف في كتابة الأسماء أو تكرارها بين القوائم والتقارير، أو ورود بعض الأسماء في قوائم محددة وغيابها في أخرى. وهو ما استلزم توحيد الصيغ وتدقيقها لضمان أكبر قدر من الدقة والمصداقية في قاعدة البيانات".
استهداف لا يميّز بين جنس أو خبرة
تظهر البيانات المقدمة في الكتاب والموثقة، وفق منهجيته، أن الاستهداف لم يفرق بين رجل وامرأة، ولا بين الصحفيين المخضرمين والشباب الذين بدأوا خطواتهم الأولى في الميدان. "فقد طال مختلف الفئات العاملة في المجال الإعلامي، من مراسلين ومصورين ومحررين ومذيعين".
"غزة، بطاقة الذاكرة الأخيرة» يوثّق استهداف الصحفيين الفلسطينيين ويحفظ أسماء الذين دفعوا حياتهم ثمناً للصورة والكلمة
وتوزع الشهداء بين 276 صحفيًا و41 صحفية، ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل الرجال والنساء على حد سواء، ومختلف العاملين في المنظومة الإعلامية. جسدت الصحفيات في الميدان وغرف التحرير شجاعة وإبداعًا استثنائيين، مؤكدة أن دور المرأة جزء أصيل من المشهد الإعلامي الفلسطيني.
ويُوضح المخطط الدائري الوارد في الكتاب "توزيع الضحايا بحسب الجنس؛ إذ يشكل الصحفيون الرجال 276 شخصًا، بنسبة 87.06 بالمئة، بينما بلغ عدد الصحفيات 41، بنسبة 12.93 بالمئة".
مأساة عبر الأجيال وتأثيرات نفسية بالغة
يكشف النظر في الفئات العمرية بعدًا إضافيًا من المأساة. فالعدوان لم يفرق بين الأجيال، "بل امتدت ضرباته لتطال الصحفيين والصحفيات الشباب في بداية مسيرتهم المهنية، إلى جانب المخضرمين ذوي الخبرة الطويلة".
كان استهداف الصحفيين في الخطوط الأمامية يرمي، في جانب منه، إلى إسكات الشهود المباشرين، الأمر الذي قلل من "فرص التوثيق الميداني وأضعف وصول المجتمع الدولي إلى شهادات حية حول الانتهاكات". كما أدى ارتفاع عدد الشهداء وكثافة الاستهداف إلى ضغط نفسي كبير على العاملين في المجال الإعلامي، وأثر في أدائهم واستمرارية عملهم، وإن لم يتمكن من إيقافه بالكامل.
آليات العمل والتحديات
تشير الكاتبة إلى أن آلية العمل تكررت في كثير من الأحداث، وتقول: «كلما تصاعدت الانتقادات ضد إسرائيل في وسائل الإعلام الدولية، كانت الخلية تتلقى تكليفًا بالعثور على معطيات استخباراتية قابلة للنشر بعد رفع السرية عنها، تُستخدم لمواجهة الرواية السائدة".
في 10 أغسطس 2025، قصف الاحتلال الإسرائيلي خيمة إعلامية قرب مجمع الشفاء في غزة، ما أدى إلى استشهاد ستة صحفيين، بينهم أنس الشريف، الذي كان قد تعرض قبل اغتياله بأسابيع لحملة تشهير إسرائيلية. وكانت لجنة حماية الصحفيين قد حذرت من أن حياته باتت في خطر نتيجة هذه الحملة. كما شن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، سلسلة من الهجمات الإعلامية ضد الشريف.
تأثير الاستهداف على البنية الإعلامية
لم تقتصر آثار الاستهداف على تدمير البنية التحتية أو تعطيل المعدات، بل امتدت إلى "تفكيك الفضاء الاتصالي الفلسطيني ذاته؛ فتوقفت منصات النشر الإلكتروني، وتعطلت قنوات التواصل بين الصحفيين والمحررين، وانقطع الاتصال بين المواطنين ومصادر المعلومات المحلية".
وعليه، فلم يقتصر الأمر على تقييد حرية الصحافة، بل تعرض العديد من الصحفيين خلال "فترة احتجازهم لانتهاكات جسيمة، وفق شهادات وتقارير منظمات حقوقية،" مما يبرز التناقض بين ما يفترض أن يلتزم به الاحتلال الإسرائيلي بموجب القانون الدولي وما يمارسه فعليًا على الأرض.
تنقل الكاتبة شهادة أحد الناجين من القصف لقناة شهاب: «كنا نعمل على تغطية القصف في دير البلح، وفجأة رأينا الطائرة تحوم فوقنا. الصاروخ سقط بيننا. لم نفهم شيئًا إلا والنار تلتهم المكان. حيدر كان الأقرب إلى الانفجار". ويقول الأب المكلوم: «كانت أطراف فادي ورأسه ذائبة من شدة الحرق، وجسمه تحول إلى كتلة رماد... عرفناه من كعب رجله، ومن كونه الأصغر حجمًا بين زملائه الشهداء». وكتب الصحفي أنس الشريف: «لا أحد يهتم بنا. أصبحت وظيفتنا أن نموت واحدًا تلو الآخر... نغطي الحقيقة، ولكننا نكون أول ضحاياها".
قُتلوا على الهواء مباشرة، أمام أعين اختارت ألا ترى. وصار الحداد متواصلًا لا يعرف النهاية، كأن المدينة تشيع أبناءها على مدار الساعة. "كانوا يملؤون الشاشات نورًا، ويحرسون بالصورة حق الناس في أن يروا، ثم انطفأوا معًا في خان يونس، في مشهد يلخص المأساة كلها."
منذ الأيام الأولى للحرب، مُنع الصحفيون الأجانب من دخول غزة، في قرار لم يكن عابرًا، بل ساهم في إبقاء الحقيقة خلف الأسلاك ونيران القصف. وكان الهدف، كما يظهر من سياق الأحداث، "إبقاء الرواية رهينة آلة الحرب، وترك غزة وحيدة في مواجهة العتمة".
فالكلمة في غزة لم تكن يومًا حبرًا على ورق، بل جذورًا ضاربة في الأرض، وامتدادًا نحو شجرة زيتون صامدة، ونهر ضوء يجري في زمن يفيض ظلامًا.
لا يكتفي كتاب "غزة، بطاقة الذاكرة الأخيرة" بتوثيق أرقام الضحايا، بل يحفظ أسماءهم وحكاياتهم في ذاكرة لا ينبغي أن تُمحى. فقد رحل الصحفيون، لكن صورهم وكلماتهم بقيت شاهدًا على ما جرى، وعلى أن الحقيقة قد تُحاصر وتُستهدف، لكنها لا تموت.
كاتب جزائري








