أجيال القصيدة الموريتانية.. صدى الشعر

سبت, 08/26/2017 - 20:06

المصدر : مجلة اتحاد كتاب الإنترنيت المغاربة

محمد عبد الله بن الشيباني

 

نواكشوط - "السدنة":

في العام 2009 ازدانت صفوف المكتبة العربية بكتاب "أجيال القصيدة الموريتانية" للشاعر الكبير الرمز محمد كابر هاشم، الرئيس السابق لاتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، وصدر الكتاب ليكون إضاءة معرفية حول أجيال القصيدة الموريتانية وأغراضها، وقد نال الكتاب اهتماما إعلاميا كبيرا، كما تناوله العديد من الكتاب بالدراسة والنقد وإبداء الملاحظات. ومن بين المقالات التي تناولت الكتاب مقال للكاتب محمد عبد الله بن الشيباني، وهو المقال المعنون ب"أجيال القصيدة الموريتانية.. صدى الشعر" والمنشور في "مجلة اتحاد كتاب الإنترنيت المغاربة"، وتعيد "السدنة" نشره هنا تعميما للفائدة:

1-وجه الكتاب

 

وجه الكتاب الشعري وجه جذاب، تلمس فيه من كل الأغراض الشعرية القديمة والأنماط الحديثة، نِسبتُه الثقافة البيظانية ثم هو أدب مؤدب لا يعدم الناظر إليه العين الجاهلية والجنوح للإفهام، من خلال التصوير الجزئي، فيه توثيق بيِّن وشيء من أثر العصر ورمز والتزام فكري وخلقي مع بعض القفزات الشائنة. .

ترقُّ لغتُه حتى تشِفَّ عن حسّ مرهف ودفق شعور وتجزُل أحيانا وتقوى حتى لكأنك بين يدي جلف من رُجَّاز الأعراب وتجدك في غمرة تلك الجزالة بين دفتي قاموس، قد لا ينجدك حين تلوذ به في أشعار المتأخرين الذين اختاروا بلاغة الغموض. ولم يخْلُ من لوثةٍ عامية ورطانة إفرنجية.

 2– الأغراض الشعرية
في هذه المجموعة الشعرية مديح وغزل وهم وطن وبكاء أمة وحكمة وبعض رثاء وفخر.
فالمديح في الكتاب..بين فضيلتين (حب الرسول والعلم بأمره) صلى الله عليه وسلم … بداية مشتاق لا تلبث أن يخبوّ لهيبها في عرض أحداث السيرة وتعداد المعجزات، وسرد الصفات وكأن بن أحمد دام تفطن فنوَّع تنويعا مليحا اتكأ على التمني في عرض السيرة حادثة بعد حادثة (بل ليس يشفيك إلا أن ترى رجعت- أيام نشأته أزمان أزمانا)، كما ألمحت قصيدة ” أشرق النور بعد طول الظلام ” في استثارة فكرية إلى نبذة صالحة من مبادئ الإسلام:( الشورى التوحيد،الإخاء، حال الناس بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم و قبلها) وكان الاستثناء هو قصيدة غالي فقد كانت تصوير حاضر وهمَّ مشارك وأسلوب عربي قح والحق أن عرف المحبة بقي فائحا بل استطاعت نصوص مديحية أن تحتفظ بلهيب المحبة حتى النهاية وظل صوتها يصدح مع ولد بلبلاه (فإني في سوى طه عيي – و في أمداحه ذربٌ سليق.، طليق في محبته لساني وفكري في شمائله غريق)
المدح تعداد لا تصوير يعتمد قيما عربية فاضلة “السيادة، الغياث قضاء الحوائج، والحلم ثقابة الذهن.)
أما بكائيات الديوان فقد كانت عرضا موثقا، تلمس في البكائيات السياسية الوطنية إصرار التنظيمي وصبر الإيديولوجي وقسوة السجون وغربة الشاعر وتمزق الوجدان… بينما تجد في بكائيات الأمة شكوى تغيير السَّنَن دينا وعادة، مع صراخ أيتام العالم وبشاعة المحتل لتحُدَّك بفضاء عربي إسلامي عنوان مآسيه العراقُ وفلسطين مع غياب للبوسنة وكشمير والأندلس ثم تُظلك بغرب حاقد وحاكم متمالئ في تسجيل دقيق للواقع، فتجد عرضا صادقا حساسا منفعلا رامزا، يريك حصن خيبر يُفتح كعبة مقدسة، و أبرهة العائدَ، والتتار الراجع وشيبان الغارق في حرب مضر، كل ذلك بلهجة تنضح بالأسى والحزن مع ضراعة وشوب قنوط يكاد يقطع عنك نور الأمل، فتقرأ البكائيات الصامدة رغم الكبَد والبائسة لحد الاستسلام، والباسمة ثقة بالواقع المنشود و التي لا تلبث بك حتى يتراءى لك يوم النصر الأغر في عرض صفحات المقروء فتستسلم لمسلماته المُمرَّرة بصخب ودهاء (نهاية النضال النصر والعميل المشانق والصابر التمكين.)
وتأخذ بك بكائيات السياسة الوطنية من عاتبٍ على العرب إلى نابز شعر الرؤساء الموسمي، إلى راحل مغاضب (هيا بنا لم يبق في- بلادنا ما يعشق) أو شاعر مادت أرضه فرحا بوفد مصري زائر، ومحتف بالفضاء المغاربي (وادي الأحبة) وسارح في ذكرى عرار نجد ليرسم أصالة شنقيط وتأخذك البكائيات من أحلام فسيحة المطلب إلى تعال شارد، (علمتنا الأيام أن نبتليها – كلما جد جدها نستزيد) إلى زيارة صهيوني حاقد وسجن علماء ونفس من صمود.(سنظلُّ نهتف للرسول ودينه- وصحابه والتابعي المحسنا).
أما الرثاء في المجموع فهو اعتبار بالدنيا والموت ثم رضى يردف بتعداد محامد وقليل من دعاء، وقد خالف البيضاوي (شكلا) فجاءه النعي في جريدة أو عبر إذاعة، وحاولت بنت عبد الحي خديجة أن تتجاوز لرسم عالم حزن خاص حاول بعثَ الفقيدة، تأتي قصيدة “كثير غرامي ” بحزن اختلجت فيه آلام الشاعر وهموم الأمة، قبل أن يخلص إلى رثاء متكبر، ولكن الحق يقال ثمة في المجموع نفَسُ حزن عميق بقي نابضا وإن تراكمت عليه زخرفة لفظ وهموم أمة ونبز خصوم وغزل شاعر واستدعاء لكل ملهم في التاريخ (هو الموت لولد رازكة، كثير غرامي لولد المحبوبي، قد جاءه نبأ) و القصيدة الاستثناء هي قصيدة “المختار لد أبنوا” برثائها المتدثر بلبوس الحنين إلى تيشيت.
الغزل في المجموع شيمُ بروق، و ذكرة محبوب راحل، يأتي من شاعر سادر في غيه كلما تخافتت بروق أو تبدت رسوم بالأخاديد أوعرت من أعرابها دور.. حيَّاها من أَجل من يحب ومن أجله كذلك سامر النجم وساءل الرعاة، باك مع الحمام داع على نفسه عاص للعواذل، ربما أطاع، مُفَتَّن بجمال يعرض من خلال بيئة بدوية تشع فيها جلود المها ولمعان الدراري تجاوز قيم الجمال الجاهلي إلى محلِّ تطَلُّبِه.
وبعيدا عن لغط التجديد والتقليد حين تتقارب التجارِب هناك لوحات شعرية نجحت في عرض تجربة صدق واستمالة سامع (فيمن أهيم بها لاموا، أقول لراعي الذود، رقاب العقل …) كما لم يخل الغزل من نفس إحساس وحلو تصوير.يسيل رقة، اقرأ لهؤلاء البداة الأعراب (رب حوراء صورت من منى النفس على قالب العروب الكعاب، تاه شيبي على شبابي لأني- لم أكن نلتها زمان الشباب). فإذا جاوزت الصدمة فاقرأ لهم (لا يظنُّ الظنون أن مقامي – بالينيبيع لاطلاب العلوم. بل لغربية تهب عشيا- بشذاها فأشتفي بالشميم- فيردُّ النسيم ماء حياتي- إن ماء الحياة شم النسيم) ثم اقرأ (كذاك الحب يسهل في ابتداء- ويلفى بعده شجنا شنيعا- ويدخُل كيِّسا فإذا ترقى- تعنَّف لا شقيق ولا شفيعا) وقد يتسع الغزل إلى وصف حي المحبوبة فيريك تحت خيامهم (يزاوج بين قسورة وريم).
ولا أثر في هذا الشعر للرشاقة والخفة والتقدم في المحافل، ولا فوح العطر الباريسي، ولا الأصباغ والطلاء، والجدَّ في الدرس، والالتزام في الساحة، ولا الأسماء النسائية المتسرقَّة (هناء، هيام، رجاء، دعاء) مما لا أحمله – ضربة َ لازب- على صمت احتجاج ولا سيطرة قيم، ولا كره تمويه ركز في طبع الرجال..
ولم يخلُ شعر المجموع من نفس فلسفي يلعب بالمتنافضات، يعرض نظرة للسعادة شتى الوجوه، ويبحث عن الذات في شظايا الواقع المنهار، مع حمل للهم الإنساني في جزء يسير منه (قصيدة الأم) و (المحرومة) ونظرة قاصرة للسعادة (فإن السعادة ليست سوى- لقاء الحبيب وشجو الذكر).
ولم يكثر الشعر التساؤل عن مجاهل المصير ونشأة الكون في مجتمع تروي فيه غلة الظمأ و تطفي حرقة التساؤل بلاغة القرءان وبساطته، ولكنك تلمس حيرة أخرى يمُدُّها بحرٌ قلَّبٌ هو المسافة بين الواقع والمثال ينشؤ فلسفة واقعية تبحث عن موطن الخلل لتبصر موطئ القدم..(ههنا الشرخ بين نفسي وبيني- بين من كان! من يكون! اغترابي) أعمر بن عبدي).
و للشعر في المسألة الوطنية سبحٌ طويل وإن بدا بعضه مَوْطنيا أكثر التصاقا بمرجع السواني وصبرا على تبرض عيش، فيه ( اعتذار لميمونة السعدى، وحنين لألاك، ونكر لآوكام، وانتشاء بربى العقل وإبحار في لبْحير واغتيال بشوق ذات الغيل) و يسبح جزؤه الأكبر في فضاء الوطن معتزا بأرضه راض باسم شنقيط، ترى فيه اعتزازا بماض وإلماحا لحاضر(فيه جموح) وغياب لاستشراف مستقبل. باستثناء نص جمال ولد الحسن الذي طالب (بالأخذ من أمس منير في بناء غد منير) وإلماح في ختام أخرى:
حاضري ربما ولكنما التــــــاريخ لي كله وللأبناء.
وآخر يلمح بالمقارنة عند سلامي ولد أحمدو:
كم تنقلت في ربوعك حرا وتمتعت فيك بالأصدقاء
الوصف في المجموع وإن كان واسع الحضور فهو قاصر في مجمله جزئي في تناوله يعتمد مجرد نقل الواقع اقرأ مثلا (رحلة البيضاوي) و قد يعتمد نقل الإحساس عن طريق سيل من الألفاظ الحالمة المُطربة المُتسارعة التي تخْلق عالما لفظيا يصور إحساسا عذبا لا يدرك ومعنى ليس أجلى اقرأ لأبي شجة (دم الياقوت) و لولد أحمدو (من الأنبار) و لولد أحمذي (أينساك) و لدختي الشيخ سك (الكوكبة) ولولد بُلمساك (السر). وقد يأتي تصويرا عاما يضيف الأجواء المحيطة في تلاحق وانفعال فاقرأ- و أحب أن تقرأ- لفاضل أمين مقطع (إني سأذكرها ) ولولد عمر (بينما نحن نشاوى نعمة..) ولولد هنون- أوليد الناس- (والصمت يكتب..) و لليلى بنت شغالي في مقطع أغويتني لوحة تصوير جريئ عميق (لولا كثرة الفراغات) كما يعتمد الوصف في بعض الأحيان نقل صورة عبر تشبيهات شائعة مبتذلة قد يكون فيها جدة اقرأ في جدتها لولد الطالب: (يا جنة الدفء في أعصاب نافذة، قد تسكن الخمر مصدوع القوارير) (تهالك الجزع الطميل) و(ودماك التي تسيل كثيرا – أنا فيها كالماء في الصنبور) لولد النحوي و (كأن عراض البيد يقذفن شخصه – سماء تصد الجن وهو شهاب) لولد المعلى ولوالده(كأن حرابيها عصابة فجرة- بها عالت الأجذاع يوما ذنوبها)ولغالي(وأسلس آبي الكفر طوع قيادها- رماقا هدتها للضروس الأباخس). وهي تشبيهات فيها أناقة بيد أن أحسن تشيبه في نظري قول محمد ولد الطلبة (يحوزها في كل فج كأنها- وسيقة ناج من عِدا نال مغنما) ومن أكثرها إغراقا قوله (فشجَّ بها الحزان شجا كأنما تشب على الحزان غابا مضرما) ولو شبهت بهذا البيت إحدى المدن الليبية غبَّ كتائب القذافي هذه الأيام لكان مُبالغة فكيف بشرارة شاردة يطيرها خفُّ ناقة في صحراء واسعة .
الأنماط الشعرية
يمكن ملاحظة خمسة أنماط في النصوص الشعرية (الشعر المشكل و الشعر الحواري و المصغر و المرسل والمزاوج بين القوافي)
أما نمط الشعر الحواري .. فكان في حوارياته العبثي ُّ الكاشف و السياسي المتسائل والاجتماعي الصاخب والفلسفي الهائم خذها على التوالي (أتيت الخود مستترا عشاء. للعم ولد أحمدو فال، قالت أمن إخواننا المسلمين (ابن محمدا)، قال لي المحقق (التقي ولد الشيخ)، بين ذكر مضى وذكر المئال).
و الشعر المشكل يعتمد المثل الحساني والمُقَطَّعات، وقد يأتي التشكيل في مفردة واحدة في البيت الواحد (الهدام )، وكلمتين (طلعت السلك) وربما بمثل حساني كامل (أبقى من عصاه اللويدمي) (و خوف الحشيشة أن تنتفا).ولد أحمد يوره.
أما المصغر مع قلته في الأدب العربي قبل “المصغرات ” لإمامي زمنهما محمد ولد أبنو والمصباح ولد الشيخ حبيب الله فقد غلب على مقاطعة المذرذة .
أما النمط الرابع والمسمى الشعر الحر أو المرسل أو عندما يتحدث الزيتون … في اتساع أسماء تقصر عن حصرها هذه الورقة فكيف بسبر أغواره وإذا كان لا بد من كلمة حوله فلتكن انطباعا
” كل ما يطربني في الشعر الحر لا يعجبني وكل ما يعجبني منه لا يطربني ” وإذا كان في هذه العبارة شوب غموض فمرده إلى أحد أمرين: أن يكون تعليقا غامضا على أدب ارتمى في أحضان الغموض أو هو خطأ مطبعي وهي شبهة ترمق كثيرا من نصوص هذا النمط المرقومة ( جزيرة يعرب (يع)..مدورة أذرع الشمعدان – كأي حمار أنا – مخدة تهذي – …)
أما النمط الخامس الشعر المراوح فاقتصر على نصين من جيل واحد راوحت بين القوافي غير آبهة بعدد الأبيات تتجاور فيه العشرون مع الاثنين والثلاثة .
النسبة
يعبق هذا الشعر بأريج محظري عرْفُه المميز ألفاظ أشعارُ الشعراء الستة الجاهلين وكثيرٌ من قيمهم ثم لغة القرءان ومصطلحات المنطق (إذا جمع الله النقيضين، جنس الليث ) قليل من مصطلحات الفقه والنحو(فثق بوجوب الرفع إنك نائبه) (وللدهر طبعا في بنيه عوامل- فمن عامل رفعا ومن عامل خفضا) وشيء من لغة الصحافة . وليست تلك المعرفة المستفيضية بالسيرة و التعلق بالتاريخ العربي الذي يطبع جل هذه الأشعار إلا سمة شنقيطية لم يخف أجلاء المشرق مضايقتها لهم ولا المحاظر الموريتانية وأنسابُهم شدةَ التمسك بها.
ويختلف لمس خصائص حياة البيظان في المجموع فعلى حين يلفك (ولد دياه) بجو محظري ذي برنامج متكامل (اضرب قبابك في رحاب المحظرة) يعرض المدحُ و الغزلُ قيمهم ومناط إعجابهم ونظرتهم للجمال ويجلي الفخر بعضا من فلسفتهم الأخلاقية، يمدك (ولد بلعمش) بمفهوم الفتوة عند شباب “الفركان” ( فتحنُّ للموسيقى والأدب والشعر حين تتراءى لك الخيام والقباب وشاي منعنع وشراب) و يُلمح نصٌّ آخر إلى خفي زوراتهم في الأعاريب على خطى المتنبي ويغرب آخر على خطى ابن أبي ربيعة، بل على طريق العرجي (وأتتني تجرر الذيل ليلا – فتلقيتها أجرر ذيلي) وأثناء ذلك لا تعدم حرزا يسحر، وحديث جدة يهدهد، في ورع طاف وشيئا من تهتك (يواصلننا همسا ويبخلن باللمس) (أتيت الخود مستترا عشاء.).
مناجاة الشعر
لفت انتباهي في المجموع مناجاة الشعراء للشعر وهم في تلك المناجاة بين مستنجد به لرسم مشاعر(ربة الشعر .. حدثيني عن النضال وضني بمفاتيح حسنك المكنون ) ونصير له بين قوم (يريدون للشعر الركوع أمامهم* ورغم الذي يلقاه ليس براكع) ومتبرم به (لم يعد هذا الشعر يحمل همي ) وضايق به ذرعا (معذبتي ما عاد للشعر طعمه* فلا هو مسموع ولا ثم سامع) أو واصف له (شعره مطرب محياه يسري- في عظام الجليس مثل الشمول) في سيل من (قصائد عزَّ اللسن صوغ بديعها ) لأن (الشعر كالسحر يسري في النفوس ) ولعل كثرة مناجاة الشعر أمر جلل عندما نسمعه يصدح (أتيت يا صاحبي من كوكب خلقا*يقدس الشعر و الإلهام و الألقا).
ويمكن الخروج من هذه السياحة العجلى بالملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى :أدب مؤدب: لا يخفى أن شعر هذا المجموع هو شعر مؤدب الألفاظ رزين المعاني و مع ذالك فهناك ألفاظ وتعابير وإطلاقات منها الجارح والخارج والمهول والمؤسف ( اقرأ من جارحها (ما الشعر إن غدت الأسواق مسكنه إلا بغي تبيع الجنس والشبقا) (ضاجعت عقل ) (وصوت المؤذن والكبرياء إلى مشبقة) و من آلمه ما ورد في قصيدة مدح نبوي رصين (عند غالي ولد المختار فال) فما هو إلا أن تواتر طعنها- و ناكت بإنعاظ النصول القراطس – تقاذف من لظ الخميس حميسها- عثانين سيل ضاق عنها محابس) كمثال من عدة استعاراته مهيله سأضرب عنها الذكر صفحا- من إمامها الحائض وشعرائها المخنثين وشعرها العنين… ومن خارجها (قصيدة السر ) في نسختها الأولى. التي غيرها الشاعر تغييرا يستحق الإشادة. وسترى (سجود وركوع العشاق في الحب الأنثوي) ومن مؤسفه التعبير عن احتساء كأس الحب بـ (ففي موائده قد غصت في نهم – وكم به يومها أشبعت إملاقي ) ومن التعابير المستغربه: (تشقى وتجهل أنها تشقى) أليس يكفى هذا من السعادة ؟!، (بجهاز سوني ) أيُّ أجهزته؟! الوجد الدقيق !! وخلَّ النوم ينعم بالجفون!!
الملاحظة الثانية : العين الجاهلية … أنى اتجهت في الديوان تبصر العين الجاهلية خذ قيم الجمال، فلسفة الأخلاق، ومفهوم الفضل : (قرى، إكرام الجار، التسامح، ) لا (الإتقان في الصنعة، والجد في العمل والالتزام بالوعد إمساك اليد عن المال العام (فضائل المدينة) بل تظهر في بعض التعابير فتجد الشتاء عاصفا، والربيع زاهيا، والعذارى مختالة والنداء بالعم والخال لا الأب والأم (و دعتني بنت المويلد منها – بعميم طورا وطورا خويلي) ولد حامدن
الملاحظة الثالثة: الإفهام… يقصد هذا الشعر إلى الإفهام قصدا فلا يعدل عنه إلا لـــتلاعب لفظي أو جنوح للعبارات القاسية أو اتكاء على مصطلحات خاصة. مما نشأ عنه ضعفٌ في كثافة الأحاسيس داخل النص وانعدام النص الشهقة.
الملاحظة الرابعة :التصوير الجزئي… لطبيعة الشعر الإفهامية، يفهم خلوص جزء كبير منه من التصوير، وانصرافه إلى مجرد الإسناد للعِلْم ،فكان فيه فقه وتاريخ وجغرافيا وعسكرية، ومع ذلك لم تخل صفحات كثيرة من لمسة شعورية يحتضنها تصوير آسر، يعتمد على التلاحق اللفظي ثم التلاحق المعنوي.
تقرأ تصويرا لَبِقا لما جدَّ من تحويل للداخل في سياق ظروف العمل فتجد مشاعر الموظف متخالجة، حنين لبلد المنشأ والتعلق الحق أو الكاذب – بأرض التوظيف عرضت تلك الظاهرة عرضا شبه شامل قصيدة أحمد يوره كده (أحن لألاك) لولا ضعف في السبك بينما جاءت قصيدة (فاتنة في الحرم) لولد معاوية تصويرا متلاحقا لمشهد حرج تقارب الباطل ولا تلمسه وتتدثر بالنسك وهي تكاد تخلع ثوبه ثم تأتي تلك القطعة الهادئة العميقة (حنين) لولد بديوه تصويرا رائعا لمشهد سهاد أنار لمعة ذهنية أوقدت عزيمة هُمام (رغم قدم التعابير) وتأتي قصيدة ولد مكاهي تقسمك الهوى العذري ) آية تصويرٍ لنفسِ سالكٍ محب تقف بين قواطع الطريق ودواعي السمو فهو يصور لها الدنيا أبشع تصوير والآخرة نضرة زاهية. لولا طول المقاطع و اختلاج الدعوات. ثم قصيدة “المحرومة” لولد ملعينين تصوير جهيد لبحر حرمان مظلم مضطرب تضيئ دهمته ومضة غرام باسمة فلا يهش له القارئ حتى يرد إلى دكس الحرمان، بذكرى دهر ساحق.
وأختها (أخي البطرون ) لولد المعلى تصوير مفتوح لغول ثراء يمتطي صهوة إغراء ليغتال برءاة بهاء و قيم جدود . تصوير عذب لو لم يكن مزعجا في نهايته المفتوحة المومئة.
الملاحظة الخامسة: التوثيق: يكاد يوثق الكتاب أشعاره بتناول قضايا الساعة فيجد المارُّ أثرا من ( وي و نون، مؤتمر العيون- صراع الفرنسة-، حرب الصحراء، العلاقات العربية، العلاقات الموريتانية الصهيونية، ظاهرة المستشارين، البطرنة، الكزرة)
الملاحظة السادسة: أثر العصر المحدود : يظهر أثر العصر في ألفاظ الشعر تارة وفي تركيبه وتعابيره تارات أخر، مدرسيا وصحفيا، “وراء الصفر”، (فكي حصار الهم ) أقود انقلابا ،- رسِّمْها- و في تعابير (العناق مع الصلاة، تمضمضت من رقاد السنين) ( مدفع الحقيقة، لغز القنابل، ) (كنا قذائف موجة من يعرب قذفت بنا بعد العصور عصور). أفعوعل.
الملاحظة السابعة: الرمز: وهو في مجمله إسلامي عربي تجد رمزا وطنيا (المنارة، الرباط، عقبة، ابن عامر، ديلول، نفمبر ) ورمز أمة (طارق، الأندلس، السيف الصقيل ) و رموز نضال (بدر، حطين، القدس، اليرموك ،كربلاء، القسام ) و العرب العرباء (الشيح، حمير، جواد عربي، السيف) و قد يستخدم على استحياء من حضارات أخرى (نيرفانا) .
الملاحظة الثامنة: التنويع: لهذه الخصائص السابقة ظلت تتجاور في الكتاب القصيدة اللوحة والقصيدة اللقطة والقصيدة الصرخة فتأتي اللوحة بناء فنيا يكاد أن يكتمل (القدس ) (ألا هيما). وتأتي القصيدة اللقطة أكثر قربا وشعبية وتعبيرا يمكن تسميتها بالقصيدة الطلعة (أخذت ثلث الهوى ) محمد الأمين ولد ختار، (لا تمدحوه) ولد عبد اللطيف، (نام من حولي ولم أنم) أما القصائد الصرخة فهي أشبه ما تكون بوصف إحساس بعد انكسار سورته (هزَّ المشاعر) بون عمر لي (غزة) أبوبكر ولد بوري، (إني تفجرت) لولد بلمساك (لا مرحبا) لولد الشيباني. (إلى أم جريح) لمنت الليلي واستطاع بعضها أن تحتفظ بحرارة الإحساس بقوة الألفاظ.
أبيات يمكن أن تسير:
(من لم ير الخط ممطورا وساكنه- فإنه ما رأي الدنيا ولا الناسا) ولد أحمد يوره (ما أجمل النيران لاح بريقها- في مقلة الساري وعين الطالب) أبو بكر ولد بوري (إن الوجود بغير عيني شاعر- جدب كئيب باهت الألوان) ولد آدبه (يحب الفتى إدراك ما هو راغب- ويدركه لا بد ما هو راهبه) (قالوا أتسلو عن الأحباب قلت نعم- أسلو إذا جمع الله النقيضين) مولود بن أحمد الجواد (وما اللؤم إلا أن يرى المرء غابطا- لئيما لمال في يديه أن أعدما وليس الغنا إلا اعتزاز قناعة- تُجلُّ أخاها أن يذل ويشتما) ولد الطلبة. (تالله لو حلف العشاق أنهم – موتى من الوجد يوم البين ما حنثوا) ولد ختار (كلما جزنا ثنايا أرب- بحثيث السير تقنا لأرب) ولد عدود (أفٍّ على الشعر والدنيا بأجمعها- ما لم تقرب إلى الإخوان إخوانا) أحمدو ولد عبد القادر (لأنهم يرون العيب ألا- يكون لهم حضور في الحياة) دختي. وهل ينفع الغصن الذليل ابتسامه- إذا كان في الريح السموم عويل (نبهاني(ومن يفترش بسط المنى متعللا بما مدَّ فيها من موائده العذر- خليق بان ترعى السراب همومه- فيلهو به في تيه صحرائه العمر)ى (بديوه) لا تدين العقول إلا لشيء – فاق في كنهه رؤى الناخبينا (ولد محمد المصطفى) من جاء باريز واستجلى روائعها ولم يغض من الطرفين ويلته (البيضاوي) فمن يغني وشخص الموت منتصب- إلا الذي صدره ملء العلا رحبا (محمد الحافظ) ما أهون الذنب لو تدري وأحقره – إذا لقيت من الرحمن إقبالا (محمذن السالم) وما شغلي بغير الله عنه علا إلا الضلالة و السفاء (ولد مكاهي).
وختاما أكرر
“الشعر في كتاب أجيال القصيدة الموريتانية تناول أغلب أغراض الشعر العربي واستعمل أساليبهم مكررا أو منشأ!! وتوزع عرضه للواقع بين موغل في البدو وآلياته ومحايد إلى متناول من مستجدات العصر وثالث قفز إلى ركب الحداثة على استحياء.. فظهرت في أشعار المجموع استعارات غريبة ورمز مطلسم !! وشطحات مهولة خارجة !! وتهويمات بديعة.. لقد كان شعرا في جزء منه وإبداعا في أجزاء ونظمية – على حد تعبير رجاز شاطئ الراحة- وينحدر بعضه حتى لا يصدق عليه إلا “القول” مفردا في اصطلاح النحاة.”