مدخل إلى الرواية الموريتانية / ‏محمد الأمين أحظانا‏

ثلاثاء, 10/17/2017 - 01:11

(هذه المحاضرة قدمتها في الندوة الدولية الأولى حول الرواية العربية ،بمدينة الجديدة بالمغرب وهي الندوة التي امتازت بحضور عربي ومغاربي متميز، تمت يومي:1- 2 دجمبر2016م)

_______

 

((الرواية الموريتانية الجديدة: عبر عنها كتاب من أمثال المختار السالم أحمد سالم في روايته "موسم الذاكرة" وهي رواية مثلت انتقالا نوعيا في شكل ومضامين الخطاب السردي)).

على هذا الأديم الواسع، المترامي الأطراف، المفتوح على فضاءات غير محدودة،على هذا الأديم الذهبي ،الساطع المشرق ، ومن رحم الصحراء الودود الولود، الجحود، كان الإنسانُ.. قد من الصخر صلابة، ومن برد الحصى نعومة، ومن ديمة الضحى أريحية، ومن السموم لفحا وشكيمة، رضع الحرية من لبانها، وتنفس أكسجين الانطلاق نحو الأفق، وامتطى صهوة الدهر الجموح، قاوم الفناء والامحاء فكان مولود انتقاء طبيعي.. قدم نفسه قربانا لمثله، وأعطى ما في يديه تأسيسا للفضيلة. أحب الخير بإخلاص، وامتلأت حواسه ومشاعره بحب الجمال، فتغنى به دون مواربة أو تكلف..
هذا الإنسان الذي علم دون حواجز من غيب أومن مشاهدة، أن الحياة لا تعبأ بالضعيف، ولا تلوى رقبتها على المتهاون، امتشق إكسير الحياة، وكلف بها، وتغنى بكل تفاصيل لوحتها التي تخبئ في كل زاوية من زواياها رموزا وألوانا يستحيل فهمها، أو قراءة مدلولاتها .. أحب لوحة الحياة حبا عذريا، وأضاف لألوانها من ذوب روحه، وألق وجدانه، وإشراقة توقه، وحبر شوقه، فزهت به وانتشى بها.إنها موريتانيا التحدى،موريتانيا أرض الرجال:.
الدلالة الاجتماعية وبنية الزمن في الرواية الموريتاني
الإعلان عن استقلال موريتانيا ووجود الدولة الوطنية الحديثة في ستينات القرن العشرين، ولد احتكاكا بالمشرق العربي بعد توجيه بعثات من الشباب الموريتاني إلى بلاد المشرق خاصة مصر والشام وجمهورية تونس، و السعودية وبلاد الرافدين، مما أحدث نقلة نوعية في الوعي الثقافي عموما والأدبي خصوصا لدى تلك البعثات التي جاءت تحمل معها فكرا جديدا، ومكتبات تتضمن الرواية والمسرح، فانتشر الوعي الجديد، وعززته المراكز الثقافية العربية كالمركز الثقافي العربي المصري، وفيما بعد المركز الثقافي السعودي والليبي والسوري، لقد أقبل الشباب الموريتاني بنهم على هذه المكتبات المليئة بالكتب الجديدة فتمثلها، ومع الوقت بدأت أشكال سردية جديدة تظهر، ومحاولات للكتابة القصصية مع بواكير السبعينات من القرن الماضي، تزامن ذلك مع تحولات عميقة عرفها المجتمع الموريتاني مع بداية عقد السبعينات تجلى في موجة من الجفاف المريع دفعت بمجموعات كبيرة من سكان البدو الذين شكلوا حتى مطلع هذا العقد أكثر من ثمانين في المائة من سكان البلد، دفعت بهم هذه الموجة إلى المدن الكبرى وخاصة العاصمة نواكشوط..
صدمات التصحر والجفاف التي أفضت إلى الانتقال من فضاء بدوي خالص يتعاطى جمالية الشعر في أرقى مظاهرها، إلى وسط شبه مديني؛ خلق وعيا بأهمية التواصل الأفقي، وهو تواصل أربك جماليات الخطاب السائدة، وفتح بابا من القول يستجيب للبنية الاجتماعية الأكثر تعقيدا، وهي بنية تكونت فيها مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن العشرين، ما يمكن أن يصنف على أنه طبقة وسطى تتعاطى السرد بمختلف أشكاله، (القصة القصيرة، الرواية، المسرحية) إلى جانب الشعر الذي عرف به الفضاء الشنقيطي، وواكب الوعي الجديد.
وتهدف هذه المداخلة إلى إنارة المتلقي حول منحى أدبي يتعلق بالحكي والقص في الأفق جنوب الصحراء الكبرى، والنموذج الموريتاني الحديث يمثل عينة حية باعتباره شكل منذ بداية الثمانينات تعبيرا صادقا عن التشكل "التكويني" لمفاهيم وأشكال أدبية جديدة تماما على هذا الأفق وهي الرواية، والأشكال السردية عموما.
ننطلق من سؤال محدد وهو متى ظهرت الرواية الموريتانية؟

ظهرت الرواية الموريتانية في بداية الثمانينات، مع أول نص روائي يمكن أن نسميه دون تحفظ بأنه يمتلك المواصفات الفنية للرواية، هو نص :" الأسماء المتغيرة"(1981م) للكاتب والشاعر أحمدو ولد عبد القادر، لقد كانت هذه الرواية أقرب إلى الدراما التاريخية؛ إن جاز هذا التعبير، وبالتالي فإن التصنيف الذي يمكن أن تخضع له هو أنها رواية تقليدية "ملتزمة" بالمفهوم الأكاديمي المدرسي، إنها محاولة لإضاءة فترة هامة وتحولية من تاريخ المجتمع الموريتاني، فترة دخول الاستعمار الفرنسي، وملحمة المقاومة الوطنية، بالإضافة إلى أنها تحكي عن "جذور" العبودية في الأفق الصحراوي، وتاريخ الحركات السياسية، ونشوء الدولة الوطنية.. بالإضافة إلى رواية "أحمد الوادي" للكاتب الشيخ ماء العينين اشبيه، الذي سعى فيها إلى تشخيص حالة المدنية المأزومة، وبالتالي الرجوع إلى الواحة وبناء مجتمع مثالي من خلال بطل الرواية أحمد الوادي، الذي طاف على مجمل مدن العالم، وتعرف عن كثب على مختلف الحضارات، لكنه اقتنع بإفلاس المدنية الحديثة، لينشئ عالمه في الوادي، بعيدا عن كل مظاهر المدنية، لكن مشروعه يفشل في النهاية، لأن المدنية غزت الوادي، وتحطم حلم أحمد، لينتهي نهاية ادراماتيكية,
بعد ذلك تتالى ظهور الرواية فظهرت رواية "القبر المجهول"ـ لكاتب الأسماء المتغيرة، ورغم أن هذه الرواية تحركت في فضاء بدوي خالص، فإنها كشفت بأسلوب رمزي عن العلاقة الوطيدة بين مجتمع "الزمر"، في المجتمع القديم؛ والبنية النفسية والاجتماعية للمجتمع المديني بالعاصمة نواكشوط نهاية الثمانينات من القرن العشرين... ثم ظهرت روايات الكاتب موسى ولد أبنو: الحب المستحيل، ومدينة الرياح، موضوع الملاحظة في هذه السطور ، منتصف التسعينات، بعدها "العيون الشاخصة " للكاتب أحمد ولد عبد القادر، وروايتي "أولاد أم هانئ" و" من كرامات الشيخ" للكاتب محمد تتا، وقد اعتمد كاتب هاتين الروايتين على الأسلوب التراثي في النثر الفني، على شاكلة كتاب القرن الثالث والرابع الهجري، من أمثال الجاحظ وابن قتيبة، ومن سار على نهجهم كأبي حيان التوحيدي في مقابساته، كما تطرح إشكال المجتمع المديني الهامشي، والطبقات الهشة، بأسلوب ساخر وأخاذ.
وفي العقد الأول من القرن العشرين ظهرت أولى روايات ثلاثية "الصحراء –السهل _الجبل"، لكاتبها محمد الأمين أحظانا،. وهي ثلاثية تعني بالكشف عن الثلاثيات التي تحكم المجتمع العربي ببلاد شنقيط والتي صنفت بثلاثية حسان وهم أهل الشوكة والسلاح، والزوايا وهم حاملوا لواء العلم والمعرفة، ومثلوا السلطة التشريعية والقضائية في مجتمع المجدبة الكبرى، والحراطين وقد شكل هؤلاء القوى المنتجة، في المجتمع العشائري شبه الإقطاعي.
الشيخ ولد أحمدو، في روايتيه "عودة الزراف" و" للحديث بقية" يكشف عن منحى من حياة المزارعين الذين دمرت سنوات المحاق والجفاف لا القاعدة الاقتصادية التي كانوا يعتمدون عليها فحسب، وإنما أسس وعيهم بالأشياء، ونمط تفكيرهم، وأساليب عيشهم، لينفضوا إلى مدينة خديجة، ولدت من دون رحم، واكتمل نموها قبل أن تصل مرحلة الحبو، أو تمر بالسنن الطبيعي لنمو الكائنات. وقد ظهرت في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة مجموعات روائية وقصصية كثيرة شكلت نقلة كبرى في تحول الذائقة الأدبية التي لم تكن تعترف بغير الشعر أدبا. من أهمها رواية "هجرة الظلال" للأديب والكاتب محمدو أحظانا، التي فازت بجائزة شنقيط للآداب والفنون وهي أكبر جائزة تقديرية للدولة الموريتانية, وهي رواية مدهشة لأنها تقوم على فرضية أنتربولوجية مؤداها أن أهل قرية استفزوا الآلهة بجمودهم، وظلمهم لتراتبية الأشياء، وتطلعهم لسرقة الأسرار المقدسة؛ فابتلتهم بأن تحولت عنهم ظلالهم ، وهاجروا في تيه أبدي بحثا عن هذه الظلال، ليتشكل بناء على هذه الهجرة الحائرة، والتيه الأعمى سؤال مبهم عن كنه مصير الإنسان المسكون بالفضول والتطلع إلى وهم سراب سيقوده في النهاية إلى طرح سؤال لن يجد له جوابا وهو إلى أين يتجه وكيف يحرر طاقاته؟
الرواية الجديدة: عبر عنها كتاب من أمثال المختار السالم أحمد سالم في روايته "موسم الذاكرة" وهي رواية مثلت انتقالا نوعيا في شكل ومضامين الخطاب السردي، بالتحرر من كافة قيود المسكوت عنه في مجتمع يرتهنه التزمت الأعمى، لكنه يجد نفسه وقد تقوضت لديه القيم، فيتحول الإنسان فيه عبدا ذليلا خانعا لتكنلوجيا الاتصال، يدمج شهوته ومثله في قالب من الفوضى المرعبة، والممتعة في نفس الوقت.. بانتفاء الحدود القيمية بين الحضارات والشعوب، ولعل الإباحية المفرطة التي طبعت هذه الرواية هي صرخة تنفيس عن كرب اجتماعي ظل يكبل المجتمعات الشرقية وجنوب الصحراء، وما زال يكبلها..
السرد يشمل كذالك المجموعات القصصية الكثيرة التي كتبها كتاب جدد من أمثال الكاتبة القصصية أم كلثوم بنت أحمد، محمد فال ولد عبد الرحمن، والكتاب الشباب الجدد، حيث وصلت العناوين التي يمكن وضعها في لائحة الأعمال المقبولة فنيا أكثر من عشرين عنوانا حسب تصنيفات ومنشورات اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين,
في مقاربتنا لثيمة "الدلالة الاجتماعية وصلتها بالزمن الروائي" تعبيرا عن البطانة الوجدانية للوعي الجمعي نجد أن العينات التي اخترناها نموذجا وهي روايتا "الحب المستحيل"، و"مدينة الرياح"، ينبث فيهما الزمن بشكل تختلط فيه أبعاد الزمن فيتكثف تارة، ويتمدد تارة، ويتضبب أخرى، هذا الزمن الذي استطعنا أن نستخرج من طِياته وأبعاده ثيمات ومؤطرات متعددة يركنها في عدة زوايا بعضها يخضع لمفاهيم الزمن المعروفة، المضي، التضارع، وبعضها الآخر يترامى في أفق غابر، يخضع للتوقع، والاسترجاع، واللحظة ,, زمن ينام وسط كهوف ما قبل المضي السحيق، ويستيقظ في هالة من سجف المستقبل القيامي المحيق, 
نعود إلى هذه المؤطرات علها تضيء فهمنا للصيغة التي فكر بها كتاب الرواية بالمجدبة الكبرى في الزمن ومؤطراته:
أولا: مؤطر أو ثيمة التاريخ ، فمن الواضح أن صناعة التاريخ كإنجاز إنساني ليست موضوعا مجردا يمكن التعاطي معه على أساس من الحيادية المريحة، فصناعة التاريخ كما وقع في حيز زمني محصور بين دفتي زمن تعاقبي محدد، ومن المفروض أن يكون من صفحات الماضي، يصعب أن نجد لها علاقة قربى مع ما يمكن أن نسميه النسيج المفهومي للوعي الاجتماعي بالزمن، أحرى الزمن المعرفي، والزمن الفلسفي الميتافيزيقي، والأزمنة الأخرى المنجرة عنهما.. التاريخ كما يترآى في النموذجين يُؤسَّس بالفعل الإنجازي المغلوط ، لكن الوعي به أمر يختلف، فالوعي الجمعي ينطلق في تعاطيه مع الحدث كما وقع في الماضي انطلاقا من رؤية ذاتية لا غبار عليها، فالحادثة تصبغ عادة وتلون حسب مايمليه الوعي بها، أو تخضع لعملية إعادة التأسيس، فالتاريخ لا يؤسس فقط، وإنما يعاد تأسيسه.. ومن هنا فإن المقولة التي ترى أن "الإنسان لا ينطبق أبدا مع نفسه"(1) كما يقول باختين في "شعرية ديوستفيسكي".. هي مقولة تتواءم بشكل جلي مع فكرة الزمن التاريخي الذي يدخل في صميم زمننا الروائي، باعتباره المطية الذلول التي استعملها الكاتب لترويض الأزمنة الافتراضية، ولخديعة المتلقي كي يعيد تشكيل وعيه بالتاريخ.. لقد رتب الروائي بنشاط أحداث الزمن التاريخي في قالب من الفوضى الخلاقة ليحطم المسلمات، أو يرتبها انطلاقا من رؤية ما؛ قد لا تكون هي نفسها منسجمة مع الوقائع ..
ثانيا: ثيمة الزمن الاجتماعي ، أوعلي الأصح الوعي بالزمن انطلاقا من المقولات الجمعية، وهي مقولات تترسخ بالتكرار القسري لهذه المقولات،(مجمل التعاليم الدينية والاجتماعية والتربوية هي مرسخة بالتكرار القسري) وأهمية هذا الوعي أنه يربط الإنسان بما سنسميه هنا تجاوزا "الأيديولوجيا الاختيارية"، فلك أن تتعامل مع الوعي بالتاريخ كيانا منفصلا عنك، أو تتعامل معه موضوعا مرتبطا بوعيك فاعلا في ذاتك، المهم أن تتفاعل مع حتمية الارتباط بين هذا الكيان الحيوي وكيانك الذي يُرَوَّض بطريقة التعاليم المزجية على وهم الاختيار والجبر بين هذين الموضوعين المختلفين، مع أن اختيار أحدهما على الآخر يفضي إلى نفس النتيجة.. الزمن الاجتماعي مجرد من التقسيمات المعهودة؛ فهو لا يميز بين المضي والمضارعة بمفهومهما المطلق، فحين نسمع مثلا من عجوز بدوية، وهي تحدث أحفادها عن ليلة المولد النبوي الشريف، فهي تحكي حادثة المولد (المحكي الشعبي) وكأنها تصوغ فعلا وتوقعا، وحتى الأطفال الذين يستمعون إليها ينظرون في السماء لعل إحدى معجزات المولد تبرز من بين النجوم الساهرات، إنها تستخدم أداة المضارعة، سيقع كذا، وسيتم كذا ، ومازلنا ننتظر كذا.. 
هنا يتنزل الزمن بمفهوم اجتماعي يخلط بين ما وقع بالفعل، وما تمت صياغته على أنه وقع وإن لم يقع بالضرورة، يمتزج الفعل بالانفعال، الحدث بالأحلام. . يكون عندها الزمن الاجتماعي قد ترسخ في مفهوم صورة الزمن المطلق (غدو.. رواح.. إصباح).. 
ثالثا: ثيمة الزمن الكهفي العجائبي.. وقد نجحت رواية مدينة الرياح في التنقيب عن هذا الزمن، وأبرزت ثراء التخيل الذي ينجبه، لأنه مرتبط بأفق من التداول أفلته الإنسان منذ العهود السحيقة من ربقة العقل، وسجن التعاليم، سواء كانت تعاليم دينية أو هي مما تواضعه الناس، ولم يستطع لحد الآن إعادته إلى حظيرة ذلك العقل، وتلك التعاليم.. الزمـــــن الكهفي أو الميتلوجي هو زمن عابر لكل الحدود ولمنطق الأشياء، واعتماده على خلق علاقة مضطربة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، و بين الإنسان بشكل أخص والزمن الفلكي التعاقبي، وهو زمن يخافه الإنسان أكثر من أي شيء آخر لعلاقته الوطيدة بالنهاية التي يرهبها، هذا الاعتماد إذن هو الذي حبب إلى البشر الحكي المرتبط بهذا الزمن، وأغرى به الفلاسفة وكتـاب الملاحم، أومنشئيها على الأصح، والقصاصين، فجعلوه مطية لأفكارهم وتعاليمهم.. وكأنهم يدركون أن الإنسان يتطلع من خلاله إلى ثغرة في جدار الدهر السميك لينسرب منها، أو على الأقل يتوهم لنفسه منزلة ما في عالم المطلق.

 

رابعا: ثيمة الزمن النفسي المنولوجي، ولعل لب الاهتمام الروائي في نماذجنا منصب على هذا الزمن، لارتباطه الوثيق بالبطل الروائي، فالأصوات التي تعبر عن نفسها داخل النسيج اللغوي، سواء كانت تعبيرا مسموعا، أو يمكن أن تستبان في الظلال الدلالية للغة، هذه الأصوات هي في مستويات مختلفة ضرب من الاندماج النفسي بين الإنسان العينة، وذاته الضائعة التي يبحث عنها(آدم بطل الحب المستحيل، قارا مول بطل مدينة الرياح) وما الذات الضائعة إلا تلك المخلدة.. ومن هنا تتجلى أهمية الضجيج الداخلي الذي تنخلق منه مختلف الرؤى والتصورات من النظرة المريضة إلى المجتمع، إلى السخط الواضح على التعاليم الاجتماعية، وحتى الدينية أحيانا كثيرة ، في منولوجيا تصنعتها البنية الروائية لبلوغ المرام الذي قصدت إليه، وهو أن الزمن وما ينجر عنه من مقولات، إنما هو عبارة عن فهمنا لذاتنا الإنسانية لا بالصوت والصورة، وإنما بالتوهم والوسوسة أيضا... وأي عمل روائي- وهذا ربما هو السر الذي يعرفه كل أحد- تغطي معظمَه الأصواتُ الخفية، صوت "الفكرة" التي تتحول من همس داخلي إلى رؤية وتصور للعالم، وأكثر من ذلك إلى وعي ممكن بالأشياء..(هذان المفهومان بلورهما الناقد لوسيان كولدمان في تحديده لنظرية البنوية التكوينية)
خامسا: ثيمة الزمن الفلسفي الوجودي، ونتحفظ هنا على المفهوم الوجودي لدى فلاسفة الوجودية، إنما نعني بالزمن الفلسفي الوجودي التصور الذي استخلقه الكاتب الروائي من خلال الشخوص والأصوات في إطار زمني انتقاه بعناية للتعبير عن فكرة لها علاقة بالتساؤل الكبير عن حقيقة الوجود، تم تغليف تلك الفكرة ببهارات حوارية، لنسج خيوط بين عصور مختلفة،(القرن الخامس الهجري، والقرن العشرين، وقرون أخرى مبهمة، لكنها مطمورة في زمن مستقبل غابر) لكنها تتمدد وتخلق أوجها من الائتلاف والتضاد بين هذه العصور وتلك الأفكار لتكوين رؤية منسجمة أو متناقضة حسب ما هدف إليه الكاتب، الذي سعى إلى تذويب تصوراته عن الوجود في قالب لا نعتقد أنه طابق المقاس الذي يريده، ولكنه مع ذلك نـجح مرات وأخفق أخرى حسب قدرته على خلق الانطباع بأنه هو من صنع ذلك القالب،.. الزمن الفلسفي- الوجودي زمن مطلق، مجرد، يضبب الحدود الفاصلة بين الوعي بالأشياء، والأشياء ذاتها، إنه تهديم للأبعاد المعهودة لدى الإنسان..هو الدهر بأبعاده السحيقة الموغلة في "الأبدية"، ولا فرق بين أبدية نتصور أنها في طي المضي، وأخرى في طي المضارعة، أو ثالثة في طي النسيان..
سادسا: ثيمة الزمن الجغرافي الأركيولوجي، وهنا لا ننكر أننا تعسفنا هذا المفهوم، لأنه غير معروف- حسب إحاطتنا المتواضعة-، لكن الروايات موضوع النظر خلقت لدينا انطباعا بأن هناك فعلا زمنا جغرافيا- أركيلوجيا، وقد يكون في هذا بعض الغرابة ، لأن العلاقة بين الجغرافيا موضوعا، والأركيولوجيا علما، علاقة غير مفهومة في الظاهر على الأقل.. لكن هذا الزمن يرتبط في المدونة موضوع النظر بدورة التغيرات التي عرفتها وتعرفها الصحراء الكبرى، وهي تغيرات تتحول فيها الجغرافيا من ظاهرة طبيعية، إلى موضوع أركيولوجي، موضوع للبحث الأثري.. من هنا فإن الجغرافية البشرية للعالم "المثلي" في الحب المستحيل، تكشف عن حثالة بشرية أفقدتها التقانة صفاتها الإنسانية، بفعل التغيرات المناخية الرهيبة التي أحدثتها الحروب النووية، فتحول الإنسان نفسه إلى عينة للبحث، لا باعتباره فأر مخابر فحسب، بل موضوعا أثريا. وينطبق الأمر على إنسان "مدينة الرياح" الذي يتحول إلى مخزِّن للأشعة الضارة والنفايات السامة، لكن في نفس الوقت موضوعا لحفريا هامة يترتب عنها مصير البشرية كلها، وهو المصير الذي ينحصر ؛ في لحظة من لحظات المنولوج الداخلي( للبطل قارا) ؛ في معرفة أطلال مدينة الرياح الحقيقية ، مدينة أوداغوست..، إذ بمعرفة مكانها وحقيقة اختفائها سنكشف عن مصير عينة بشرية كاملة ابتلعها هذا الأفق الرهيب، هي الزوج: البافور- زناته.. 
سابعا: ثيمة الزمن التعاقبي الفلكي، وقد رتبناه في المؤخرة رغم أهميته البالغة في تأطير الحدث، وإعطائه بعدا "مفهوما"، بالمعنى المنطقي للكلمة، لا المعنى اللغوي، (ما هو مفهوم منطقيا، ليس بالضرورة مفهوما لغويا، فنفي الفاعلية مثلا هي فاعلية في اللغة، لكنه في المنطق استحالتها).. الترتيب نابع من أن الزمن التعاقبي الفلكي لم يكن زمنا روائيا في نماذجنا، وإنما هو أداة منهجية لجأ إليها الكاتب ليعطي الانطباع بان الأحداث التي يصورها هي أحداث وقعت بالفعل، ومن الصعب أن نتصور الحدث خارجا عن إطار الزمن التعاقبي، وكثيرا ما طرح الكاتب إشكالية تتعلق بهذا الزمن، وهي إن كان موضوعيا خارجا عن وعينا وإدراكنا ، أم هو جزء من ذاتنا الوعيية..
أشرنا سابقا إلى مسوغات اختيارنا لنموذجين روائيين سنعود إليهما:
فمع منتصف التسعينات ظهرت روايات الكاتب موسى ولد أبنو ، بالفرنسية "برزخ"Barzakh، و"لامور إنبوسيبل"L’amoure Impossible، اللتين ترجمهما الكاتب إلى العربية، أو أعاد كتابتهما كما صرح بذلك في مقالات نشرها عن روايتيه.. وهاتان الروايتان (الحب المستحيل، ومدينة الرياح)، شكلتا ضربا من تجاوز الرواية الموريتانية لحدود المجابات الكبرى، لتجعل من هذه المجابات مطية لتحليل إشكالية الإنسان الوجودية، والتعبير عن تفريط الإنسان في أمانته التي واثقه الله عليها، الأمانة التي عرضت على الإنسان فحملها "إنا عرضنا الأمانة...الاية
وما أغرانا بالكشف عن أوجه الطرافة في هذين النموذجين هو أنهما اتسما ببعض السمات: 
أولها: أن الكاتب موسى طعم رواياته ببعد فلسفي وجودي، وفتح للرواية الموريتانية بوابة نحو الكونية، حيث لم تطرح رواياته التي عالج فيها إشكالات العصر التقاني الحديث، من عبادة الإنسان للآلة، وخضوعه لعقل جموح مدمر،وكفره بالنواميس الاجتماعية، وبالفطرة التي فطر الناس عليها.. لم تطرح هذه الإشكالات فحسب، بل فتحت نوافذ وأبعادا لا حصر لها على الزمن بمختلف أبعاده التاريخية والفلسفية الميتافيزيقية، والنفسية المونولوجية، وكذلك على الزمن الفيزيائي الموغل في الأبدية الغابرة، والمستقبل القيامي المترامى فيما وراء أفق الزمن المتخيل في المستقبل السحيق..
ثانيها:أن هذه الروايات شكلت ادراما اجتماعية أبانت عن عمق الترابط بين حلقات التاريخ الإنساني، وخطورة التعاليم المكررة، والتداخل المذهل بين هذه التعاليم، فالفلسفة الإغريقية والأسطورة المصرية والبابلية والسامية،وحتى الإفريقية، هذه التعاليم الأولية هي أصل لكل الحياة الفكرية والعلمية البشرية،وهذا واضح؛ ولكنها تتداخل مع التفاصيل اليومية لحياة الإنسان المتخيلة بعد آلاف السنين، من تاريخ القص والحكي، في مجتمع "الحب المستحيل"..كما أن لهذه التعاليم صلة مباشرة وتأثيرا كبيرا على الديانات التوحيدية الكبرى، وعلى المناهج الإصلاحية الروحانية كما نرى في مدينة الرياح..(التشابه الكبير بين أسطورة نشأة الكون والإنسان في كل هذه الأساطير)
ثالثها:ميل اللغة والمتخيل السردي في هذه الروايات (خاصة مدينة الرياح) إلى الاستخدام المكثف للتراث الإنساني عموما، وتراث المجابات الكبرى الثقافي والأركيولوجي، وحتى الجغرافي: الموسيقى، العادات الاجتماعية ذات العلاقة بالزينة، الحفريات عن المدن القديمة، النباتات، والحيوانات، الرقص، ألعاب الأطفال، التضاريس الجبلية، وغيرها ..
رابعها: الظلال الدينية الواضحة، في تأثير القرآن والفلسفة اليونانية، بحضور معاني آية الأمانة، وحضور سورة الكهف بأبعادها الثلاث، نومة أهل الكهف وهروبهم إلى الكهف، حال بطل مدينة الرياح، الذي هرب إلى الجبل ونام تسعة قرون ليشهد على عصور مختلفة، وقصة موسى والخضر ، وكونها ترمز لقصور الفهم الإنساني، وكذلك صورة سد ذي القرنين، وقضية التمكين في الأرض، التي حولها الإنسان إلى كارثة بيئية ونهاية وجودية مروعة.. أما حضور الفلسفة اليونانية فإنها تسلك هذين العملين لظهور أبي الهامة (سقراط) وهو يحرض هذه القرى الظالم أهلها على التمرد والكفر بالنواميس التي وضعها الإنسان ليقيد بها نفسه، ولتقوده في النهاية إلى تدمير محيطه الطبيعي لتنتفي الحياة على ظهر المعمورة.
فما هي الأحداث الكبرى المرتبطة بالزمن الروائي في هاتين الروايتين؟
تبدأ رواية الحب المستحيل بإطار مكاني هو قاعة انتظار هائلة مليئة بالمقاعد والطاولات.. مكان يوحي – بالأدوات التي استخدمت لوصفه- بأنه بارد ومعبأ بأدوات التقانة الخالية من أي رَوْح إنساني، فكل شيء في هذا الإطار معد سلفا بطريقة مبرمجة لقهر الإنسان وسلبه إرادة الحياة الطبيعية، فالشاشات العملاقة تبث برامج تعلِّم الرجال كيف يقوم الآباء بقطع سرة الطفل ويُحكمون حفاظات الأطفال، وكيف يرضعونهم، كما تبث شاشات أخَرُ دعايات صاخبة لشركات بيع أفضل بويضات يمكن تخصيبها للرجال الذين يبحثون عن إنجاب أطفال اصطناعيين، وهي الطريقة الوحيدة المسموح بها للإنجاب في مجتمع"الحب المستحيل"، مجتمع الفصل الكامل بين الرجال والنساء...
الإطار الزماني غير محدد تماما إلا أننا نصادف في المبتدأ ((..لحظة تكاد تكون مستحيلة الإدراك في أبدية الزمن السحيق..))،(2) وما الزمن السحيق هذا، إلا الفترة التي كان الإنسان يولد فيها من رحم أمه.. وهي الطريقة التي تصفها الرواية في فقرة لها دلالتها على الزمن المرصود، فقد: ((..تغيرت طقوس الولادة وظروفها، تذكر( الضمير عائد إلى الرجل الذي ينتظر وليده) بدقة ظروف ولادة طفل في الزمن الغابر، كما تحكيها أسطورة قديمة...)) (3) .. الأسطورة تروي كيف أن أما في هذا الزمن السحيق راودها الطلق فأعيتها الولادة، لكن إحدى النسوة أكدت أنها اشتهت مشاهدة غروب الشمس على جبل سيناء، فتم اللجوء لاستئجار طائرة من الخطوط الجوية آل مصرية، لكن حين حلقت الطائرة في الجو للوصول قبل الغروب إلى جبل سيناء برز من مؤخرتها رجل دميم الخلقة قصير القامة له هامة عظيمة ولحية كبيرة، فأعلن اختطاف الطائرة بمسدسه المخفي في كتاب لديه، كان مطلبه هو أن يتولى مهمة القابلة التي ستستقبل الوليد الجديد، وإلا فسيفجر الطائرة.. فتم له ما أراد بعد أن شاهد الولد وهو مازال متشبثا برحم أمه غروب الشمس على جبل سيناء...
أما "اليوم" الروائي الجديد فإن الأطفال لم يعودوا: "..يحتاجون لأم ولا أب كي يولدوا، فتكاثر الجنس البشري أصبح موكولا للتقنيات الجديدة، تغيرت وسائل التناسل البشري تغيرا جذريا بموجب التحولات المذهلة التي قلبت رأسا على عقب طرق التكاثر البشري ووسائله(...) أصبح بإمكان كل شخص أن ينتقي جنس مولوده.. التحليل الصبغي هو الطريقة المثلى لتحديد هوية الجنين"(4)
بعد صراع مرير بين الرجال والنساء وضعت أسس للتكاثر، حيث ينتج المجتمع عددا من الحضانات بالتساوي بين الجنسين ، وأوكلت للنساء مهمة إنتاج البنات، وللرجال مهمة إنتاج الذكور، ويتم ذلك بواسطة التخصيب الصناعي ،إذ يشترى الرجل بويضة من أحد مراكز تسويق البويضات بعد أن يطلع بدقة على المواصفات البيولوجية والنفسية للأم التي باعتها للمركز، ثم يتم التلقيح الاصطناعي بعد انتزاع مني الرجل منه بواسطة آلات خاصة، وتوضع البويضة الملقحة في الأنبوب ((..تسعة أشهر، تنتقل خلالها هذه الخلية البسيطة إلى جسم معقد، مكونة أعضاء وأنسجة ليبرز كائن بشري..))(5)..، وبالنسبة للمرأة تلجأ لشراء حيوان منوي، لتلقح بويضتها، وتنجب بنتا بنفس الطريقة,..
بعد انتظار وتلهف يستقبل الرجل ابنه الجديد، يقطع سرته، ويضعه في الحضانة بمساعدة الشخص المشرف على التكاثر، ويكون اختيار الإسم بإعطاء الحاسوب اسم الأب وتاريخ ميلاد الإبن والعدد سبعة، الذي اختاره الأب، توضع هذه المعلومات على الحاسوب فيطلع اسم المولود الجديد إنه" آدم".. 
مجتمع الحب المستحيل مجتمع يفصل بشكل كامل بين الجنسين، وهو فصل تقاني صارم الحدود، حيث يمنع أي اتصال بين الجنسين إلا من خلال ما يعرف بالخدمة المختلطة التي ترمي إلى تفريغ العملية الجنسية من أي بطانة عاطفية، ويتم مراقبة من يمارسون الخدمة المختلطة بواسطة مراقيب عظيمة الدقة تتجسس على العواطف البشرية لتعرف إن كان الأشخاص مارسوا دون أي عاطفة أو سعي إلى الإنجاب ، الذي أصبح محرما إلا بواسطة التخصيب الاصطناعي، وبعد اجتياز الزوج المستهدف للاختبارات المختلفة ينصرف كل منهما إلى عالمه المثلي؛ الرجل للرجال والمرأة للنساء، الرجال يسيطرون في هذا المجتمع على المنشئات النووية، والنساء يسيطرن على منشئات الحواسيب والمعلوماتية.. لذلك أدرك الطرفان بعد حروب مدمرة أهمية وضع أسس للاتفاق والتعايش، وهو ما تم في هذا المجتمع الروائي الرهيب.. آدم* المنطلَق يلتقى في الخدمة المختلطة بالفتاة مانينكي*، يعيشان تجربة التفرد لكنهما يحبان بعضهما، وتبدأ رحلة المعاناة حيث يفشلان في كل اختبارات الخدمة المختلطة،وتبرز الآثار الحقيقية للحب الصادق بينهما، وهو ما استدعى فصلهما، ثم المعاناة الحقيقية بعد فصلهما أثناء الخدمة المختلطة، حيث يعيشان حبا يقود آدم إلى الثورة على النواميس، فيُودع مركز إعادة التأهيل الرهيب الذي لا يدخله إلا المتهمون بارتكاب جريمة الخلط بين الجنس والعواطف، يُكسف آدم في النهاية بالفشل الذريع لثورته بعد اكتشاف الخلية التي كانت تخطط للثورة على الواقع المقيت، بإعادة الاعتبار للحب.. فلا يجد طريقا 
ـــــــــــــــــــ
• آدم هنا يرمز للإنسان الكامل، الرجل الأول الذي خرجت من ضلعه المرأة ودفعته للخطيئة فطرد من الجنة.
• ما ننكي (maniké)كلمة باليونانية تعني "فن التنبئ بالمستقبل" وترمز هذه البطلة إلى المرأة التي تتحكم في مصير الرجل..
للوصول إلى حبيبته "مانينكي" سوى تحويل جنسه، فيتم تحويله إلى امرأة بواسطة عملية جراحية مكلفة، ليلتقي حبيبته بعد أن استحال اللقاء عليهما، للفصل الصارم بين كل شخصين فشلا في إدارة عواطفهما إزاء الخدمة المختلطة.. في النهاية يتحول آدم إلى "حواء" ويدخل عالم الجنس الآخر ليلتقي "مانينكى".. يقول لها بعض التعارف: 
- نعم تنازلت عن كياني من أجلك قررت الاتحاد مع جسدك.. تذويب كياني في كيانك حتى لو تطلب ذلك مني أن أواكب تحول جسمي أن أكون امرأة..أن اثبت أنوثة شخصيتي أذعنت لقدر حبنا..
)
هذه هي نهاية تلك الرواية المثيرة، الخارقة لكل التوقعات.. لكن مايهمنا هنا ليس العالم الذي تكشَّف عن مخزون الغرابة في كل تفاصيله، بل ملامح الزمن وطبيعته من خلال المؤطرات التي أشرنا إليها عرضا في البداية..
أما رواية مدينة الرياج فسنلخص محطاتها الرئيسية:
بعثة أثرية تستخرج جثة نخرة العظام، تستخدم طريقة مبتكرة بوضع بلورات لصقت بعظام رأس هذه الجثة، توضع البلورات وسط الحاسوب فيبدأ شريط حياة كائن منبعث من العدم...
بطل الرواية هو (قارا *): شاب قنقاري (من قومية السوننكي المتواجدة في الجنوب الشرقي من موريتانيا، والجنوب الغربي لجمهورية مالي ، والشمال الشرقي للسينغال) باعه أبوه بقطعة ملح لقافلة من الزناتيين سكان مدينة أوداغوست أواسط القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري)، سار في رحلة طويلة وفي رقبته حبل، يسحبه جمل عقد الحبل في ذنبه، في هذه الرحلة صاحب القافلة (نصراني) يبحث عن الجواري الحسان ، وكان يدّعى الإسلام، وهو فريد وغريب.. بعد وصول القافلة لأوداغوست يشتري أحد أئمة مساجدها العامرة الشاب (قارا مول)، ويتعلم أمور الدين، ويصبح قادرا على المناظرة .
(* قارا مول اسم منحوت من أصل كنكاري- صنهاجي- عربي- فالقارة تعني الجبيل الصغير، كما أنها اسم كنكاري، مول: أصلها صنهاجي، فالإسم الحقيقي لعبد الله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين ، هو ((عبد الله مولْ قارا) تمكن العودة إلى المقال المنشور في موقع "صحراء ميديا" للكاتب موسى ولد ابنو معلقا على روايتيه، تحت عنوان "التراث والخيال العلمي، قراءة للمؤلف في نصي الحب المستحيل ومدينة الرياح"..)
فجأة تقع أزمة بيئية خطيرة في هذه المدينة ، حيث يغور مياه معظم الآبار التي تسقي المدينة ويقع الهرج والمرج فيها.. في تلك الأثناء يلتقى (قارا) أمَة بربرية تدعى (فاله) يتبادلان حبا يفضى إلى أن تحمل منه ولدا، ثم تحرضه هذه الفتاة المتمردة على الثورة، والخروج على السادة، يلتقي ببعض العبيد ويبدأون التحضير للثورة، لكن بعضهم يخونهم، ويشى بهم.. يلقى القبض عليه ويبيعه سيده لقافلة متجهة إلى سجلماسه، وتبدأ رحلة جديدة من المعاناة.. تستمر الرحلة حتى تصل القافلة (بئر الغلاوية) في غرة المجدبة الكبرى.. هناك يقرر "قارا" الهرب والصعود إلى الجبل والعزلة عن البشر الذين رأى فيهم أكثر الكائنات شرا، وأبعدهم عن الخير، وكما التقى وهو معروض للبيع باوداغوست أبا الهامة، وحرضه على التمرد، واعتزال البشر الذين "هم شر العالمين"، يصبر أربعين يوما من الصوم والعبادة ينتظر أمر ربه، وفي لحظة من اللحظات، وهو بين نهش النسور وتيبس الجسم تنزل سحابة مثقلة بالماء، فيبدأ الجسم باستعادة الحياة، كان في وسط غريب تحيط به هالة خضراء عجيبة، كان هناك كائن ضبابي يتراآى من خلف الهالة الخضراء.. حدثه:
((- اسمي (الخضير) أنا ملك الزمان، وآية الله التي كنتَ تنتظر..أنت ثائر على سنة البشر .. لكنك لن تستطيع أن تتخلص من بشريتك..
-أريد أن أرجع القهقرى في الزمان إلى نقطة ما قبل وجودي، إلى العدم الأول، عسى أن أكفر بذلك عن ذنبي الأعظم؛ ذنب وجودي..أنا في الحقيقة شيء غريب على الأرض.. 
- أنا نفسي مسافر في الماضي، لكي أؤثر في أحداث معينة، أتفادى بعض الكوارث، أو أؤجل وقوعها.. هنا مثلا سأشارك (ابن ياسين) في هجومه على أوداغوست لكي نحطم مصانع المدينة، ونحول بينها وبين الكارثة البيئية المشرفة عليها قبل وقتها، لكن سفرا كهذا مستحيل على البشر،(...) لكن وبما أن الله ألهمني أن أساعدك بإمكاني إعطاءك فرصة السفر في المستقبل ستكون لديك إمكانية التوقف عند المحطة الأولى..).
ينتقل (گارا) فجأة بعد هذه المحاورة ذات الدلالة العميقة ، تسعة قرون، ويقع بين يدي قافلة جديدة، لكنها هذه المرة قافلة متجهة من الشمال للجنوب، وبدل الزناتي(اشبارو) الذي يقود قافلة الملح المتجهة من الجنوب للشمال، نجد أن القافلة الجديدة بقيادة (نصراني) ، وباحث أثري يبحث عن مدينة أو داغوست، يدعى (قُوسْتْبَاسْتِرْ)*، وقد دخل بلاد المجابات الكبرى بعد أن احتل النصارى تلك المجابات.. يقع (قارا) بين يدي النصراني، وكأنه هبة سماوية.... الباحث الأثري يسمع منه بعض الهذيان وهو نائم يتحدث بالتفصيل عن مدينة أو داغوست، فيهتم به اهتماما استثنائيا، ويحاول أكثر من مرة تنويمه مغناطيسيا، فيفشل، لكن فاله عشيقة النصراني الحسانية في النهاية تنومه، ويبدأ الباحث يدون الحقائق التفصيلية والدقيقة عن المدينة التي قطع المجدبة الكبرى بحثا عنها.. في صباح ذلك اليوم يسمع معط الله (گارا) حديثا فهم منه أن النصراني قرر تعديل الرحلة بناء على معلومات أعطاها له كائن منبعث من العدم هو (گارا)، ثم تصل القافلة إلى تجگجه فيجدونها تحت وطأة اغتيال (كبلاني)، الجيش الفرنسي يفتك بالسكان، ويحرق الواحات، ويهدم المنازل على أهلها.. يصاب الباحث الأثري بخيبة أمل عظيمة بسبب مقتل صديقه وزميله (كبولاني)، الذي كان يعول عليه في دعم بعثته، لكنه بعد هدأة الأحوال يقرر السفر شمالا إلى مدينة "أو داغوست"، في الطريق تقع القافلة في كمين محكم للمقاومة الوطنية، فينتهز البطل فرصة الفوضى فيهرب إلى الكدية ويعود لنفس التفرد، على مرتفع "الظهر" ويقسم أن لا يعود إلى البشر، فهذه المحطة أسوأ بكثير من سابقتها.. الناس تحت وطأة محتل غاشم يسومهم سوء العذاب.. لابد من السفر في المستقبل مرة أخرى.. وبنفس السيناريو يصل "الخضير" ويمنح قارا فرصة السفر في الزمن، وتكون المحطة هذه المرة في منتصف القرن الواحد والعشرين.. لكن الخضير الكائن الضبابي يحذره هذه المرة قائلا:
"-نعم..! نعم امض بعيدا إلى الأمام.. تتبع أوهامك.. بدل أمتك مرة أخيرة.. لن يكون بوسعك أن تغادر المحطة المقبلة.. ستفني فيها..(24)
يفتح " قارا" عينيه ويسير في صحراء قاحلة، مجدبة إلى أن يوصله تطوافه إلى حائط ضخم، يحرسه بعض القناصة الشرسين، ثم يعاجله أحدهم بضربة تفقده وعيه، يحضروه إلى أكبر مركز لتخزين النفايات السامة قرب الظهر في الوسط الموريتاني، وهو مركز رهيب يقيم عليه هذه المرة (نصراني) يتبعه آلاف من الجنود.. العمال في المركز يتبعون نظام "السخرة" والإكراه على العمل، معدل أعمار العاملين هنا لا يتجاوز السنتين، (گارا) الذي لا يعرف عن نفسه شيئا خضع هو الآخر لنظام السخرة في العمل، وفي إحدى الأندية رأى أبا الهامة وهو يحرض العمال على الثورة، كان يبشر بمهدي جديد ينقذ الأرض مما هي فيه، فيقمع هذه المرة بقسوة.. النصراني ينادى عليهم: 
"-فكروا ما شئتم قولوا ما يحلوا لكم.. اكذبوا..اسرقوا..غشوا.. لكن حذار ما يمس الأمن العمومي..(25).."
في إحدى الليالي الصاخبة، ووسط فوضى عارمة من العبث والموسيقى التي تصم الآذان وتدمي الفؤاد، انسرب كائن فضائي وسط هذا الحشد من المخدرين والبشر التعسين، المخلفين في الأرض لعجزهم عن الفرار عن هذا التنور الشيطاني (الأرض) التي حولها الإنسان إلى مستودع للأشعة والنفايات السامة، وهاجر معظم من امتلك القوة إلى.مجرات أخرى ليعيش بعيدا عن هذا الجحيم.. في إحدى هذه الليالي الجهنمية، اتصلت فتــاة هي ( سوليما) بگارا وسط النادي.. فأحضرت له كأسا، حدثته طويلا عن رحلة قامت بها بين المجرات بحثا عن الأرواح الخيرة، وأن بوصلتها أهدتها إليه.. وهي تقتات على الكلام من الخيرين.. وبعد ليلة من ارتشاف روحه، غادرته لكنها أهدته بزة تخفي صاحبها عن الأعين مما مكنه من الفرار من هذا المركز الرهيب، بعد أن أخذ من زميل له يدعى (النمادي)، نفي إلى المركز بعد اتهامه بالانتماء لجبهة إنقاذ المجابات الكبرى، التي تقاتل ضد تخزين النفايات فيها؛ أخذ منه عنوان فتاة تدعى (فاله) في مركز الطويل، وهي فتاة من هذه الجبهة وتناضل من أجل البيئة، ولها ولد يحتجزه رئيس جمهورية المنكب البرزخي الديمقراطية (تنگل ولد معط اللاَّ)، الذي جعل من هذه الجمهورية أكبر مركز لتخزين النفايات السامة مقابل العملات الأجنبية.. يصل (گارا) إلى مركز اطويل متخفيا في إحدى الشاحنات التي تحمل الحاويات، دون أن يثير الانتباه بفضل بزته الخارقة، ثم يجد (فاله)، التي أصبحت هذه المرة مزيجا من كل العناصر: الصنهاجية -الحسانية- الزنجية، يتعارفان ويستأنفان النضال ضد تلويث الأرض، وضد رئيس جمهورية المنكب البرزخي ، يقومان بعملية ضد إحدى الشاحنات المحملة بالنفايات السامة، فيلقى القبض عليهما، تتصالح فاله (تنگل)، وتتزوجه من أجل إنقاذ ابنها الرهينة في مدينة الرياح على شاطئ المحيط الأطلسي، وسط الشريط الضيق الباقي بعد التلوث، ويحكم على گارا بالموت عطشا فوق كدية الغلاوية شمال جمهورية المنكب البرزخي...
تنتهى الأحداث الكبرى للرواية، و: "يودع الشريط في خانة الحفظ بالمكتبة العمومية بمعهد أركلوجيا الفكر البشري تحت عنوان" سكرة رجل من البرزخ 1034-2055م".
كيف تتراءى ملامح الزمن في روايتينا التين استرجعنا بعجالة محطاتها الكبرى؟
الملمح الأول: "اللحظة" وهي ملمح مشحون بالبؤر التي تشع في كافة اتجاهات أبعاد الزمن.. 
لا نعني هنا المثلث: الماضي – الحاضر-المستقبل، فحسب، بل هناك محطات أخرى هامة جدا لعلاقتها الوطيدة بتعامل الإنسان مع ما عجز عن فهمه، أو عجز عن قهره..
المحطة الأولى: هي محطة ما قبل الماضي الذي ندركه افتراضا، وتعبر هذه المحطة عن زمن تخييلي تطمره ظلمات ما وراء أفق الأبدية .. هذا الزمن الغائم والذي نشعر أننا لانعرف عنه شيئا ولا سبيل إلى معرفة شيء عنه، إلا بوسائط خارقة: (أساطير،نواميس، كتب مقدسة) هو البؤرة الأولى.. إنه النشأة الأولى.. هو في جوهره تعبير عن عجزنا عن إدراك حقيقة تلك النشأة، وعدم رغبتنا في النهاية في التعرف علي تفاصيلها.. ويتنزل هذا الزمن الغائم كما رأينا في أتون الزمن الاستذكاري النفسي المنولوجي.. ونستطيع المجازفة قولا إنه "زمن أيديولوجي" لعلاقته بالأساطير الكبرى المؤسسة للمعارف الإنسانية، ( المصرية القديمة، الصينية، الهندية، الآشورية، الهيلينية، والفارسية.. ).. وكذلك لعلاقة هذا الزمن بالقصص الديني، ( اليهودي - المسيحي، ودين الإسلام)، وبالمذاهب الإصلاحية الروحانية الكبرى ( البوذية، المجوسية الزاراديتشية..الغنوصية,, الهندوسية-لبراهما..) 
هذا الضرب من الزمن لم يكن زمنا روائيا بالمعنى الدقيق، ولكنه من أهم الروافد لأدبيات الحكي الذي هو مصدر ثر للمخيلة الروائية..
المحطة الثانية..هي القنطرة التي تجمع وتفصل في الآن نفسه بين الماضي والحاضر، وحين نشير إلى هذين الملمحين، ونحن نفكر بمنطق وبطانة اللغة العربية ،فإن هذه القنطرة سينحد أفقها، لشيوع مفهوم المضارعة في هذا المنطق، ومفهوم المضارعة حسب ما استنتجته من متابعة لجملة لا يستهان بها من الأمثلة والبني اللغوية في العربية، يحيل إلى وعي اجتماعي بالزمن باعتباره كيانا متداخل الأبعاد والزوايا؛ فعملية الجلوس مثلا في صيغتها الماضية، والحاضرة ليست مفصولة عن بعضها بحيث يشعر المتلقى أن هناك فرقا كبيرا بين " جلس" و" يجلس"، خلافا للحال بالنسبة لأغلب اللغات الحية الأخرى..أما الزمن المستقبل فلا يوجد في هذه اللغة، إلا في صورة احتمال الإنجاز قد يجلس أجلس لا تعني أن هذا الفعل تحقق.. 
فالتوقع الذي تحدثه أدوات المضارعة لا تعني تغيرا جوهريا في السياق المفـــهومي،
( الفاصلة الصوتية قصيرة النفس قد تكون عاملا في تكثف هذه اللحظة: أَ ..نَ..يَ..تَ...)، وربما يكون لهذا أثره الكبير في نسق التفكير وليد هذه اللغة، حيث تلجأ إلى أدوات خارجة عن بنية الفعل لخلق فاصل زمني بين المضي والمضارعة، وخلق التوقع بإمكانية حدوث الفعل أوعدم حدوثه،(سوف.. قد..) أزعم هنا أن هذه الأدوات هي التي تلقى بظلالها على الزمن الإنجازي في التفكير العربي ، إذ يلتبس على هذا التفكير ما أنجز وما سينجز، يلتبس الفعل بالانفعال، أو على الأقل يتداخلان .. وبالتالي المستقبل الذي يجزم بتحققه في هذا الفعل مغيب لأسباب يصعب تفسيرها,
المحطة الثالثة: هي صورة الزمن المنعكسة من الحاضر على مرآة المستقبل. وقد أشرنا إلى أنها مرآة معتمة. ومع ذلك فهذه الصورة هي الميدان الرحيب لزمننا الروائي لأن كل إنجاز ينطلق منها ويعود إليها، فكل الأدوات المستخدمة من سرد وبناء روائي تصب في هذه اللحظة، إنها لحظة الانبناء الكبير لكل تمظهرات الماضي ودروسه التي يغلب عليها –عادة- توقعٌ لاسترجاع الفعل المنُجز، فكل فعل إنساني هو بوجه من الوجوه مرتب للحظة الحاضر على ضوء عملية استنساخ لما أنجز بالفعل.. وبمعنى أوضح فإن المشاريع المبتكرة كفعل إنساني؛ في أي من المجالات؛ هي صورة مصغرة أو مكبرة لتجربة سابقة عليها، .. وتوضيحا لأهمية هذه اللحظة المطبوعة بأنها مهد الإنجاز الإنساني؛ نعود قليلا للروايتين النموذج "الحب المستحيل". ومدينة الرياح فالإحساس العميق بالخطر لدى الكاتب في المستقبل المنظور من سيطرة الآلة على التفكير الإنساني ، وعلى الفعل التاريخي، خاصة شبح الكوارث النووية، والاحتباس الحراري ، وتدمير المحيط الطبيعي، والأخطر من ذلك انفلات الإنجاز العلمي من دائرة الرقابة الأخلاقية والدينية، وعدم خضوعه للتوازنات التي تحفظ الحياة على ظهر الكوكب الأخضر، كل هذه المخاطر الآنية والمنظورة، هي التي جعلت الكاتب يصور لنا مستقبلا رهيبا للإنسانية، مترتبا على هذه اللحظة الآنية، مطبوعا بتقدم علمي مذهل، وانحطاط إنساني مروع، حيث تنتفى كل النواميس، ويتحول المجتمع البشري إلى مجتمع مقرف، مثلي ، محطم، مقهور، يمارس الانتحار الجماعي بتحطيمه للبيئة الطبيعية، وحتى النفسية، إنه زمن الاحتضار، وكأن المصير الذي ينتظره هو نفسه المصير الذي حل بالقرية الظالم أهلها، القرية التي "أمطرت مطر السوء" لتفريطها في نواميس الحياة، وممارسة أفعال منافية للفطرة، وإضاعتها للأمانة التي حملها الإنسان "الظلوم الجهول"...
كما نلاحظ أن الرسالة التي تحملها النماذج المقدمة هي أن العصور والأزمنة مهما تباعدت فهي تركب بعضها، وتعيد إنتاج ذاتها.. التاريخ بهذا المعنى تاريخ رجعي بالمعنى الفقهي، لا المعنى السياسي، والزمن هو المطية..