الخطوط الأيديولوجية الجديدة / د. السيد ولد أباه

اثنين, 01/28/2019 - 00:29

 

في كتابه الأخير «الشعب ضد الديمقراطية»، يلاحظ الكاتب الأميركي «يوشع مونك» أن الظواهر الشعبوية الجديدة التي تجتاح العالم تبين حالة الانفصام المتزايدة بين الليبرالية والديمقراطية في المجتمعات الحديثة، بحيث يمكن القول إنه فيما أصبحت الليبرالية غير ديمقراطية فقدت الديمقراطيات طابعها الليبرالي. 
لقد أفضت حركية العولمة الاقتصادية المستندة للثورة التقنية الجديدة إلى إفراغ المؤسسات الديمقراطية من أدوارها الفاعلة وحولت السياسة إلى مجرد تسيير إجرائي لقرار تقني محدود، في الوقت الذي أوصلت الانتخابات الديمقراطية التعددية للسلطة زعاماتٍ وقوى سياسية رافضة للقيم الليبرالية التي هي الخلفية النظرية والأيديولوجية للفكرة الديمقراطية الحديثة.
ما تدل عليه ملاحظة «مونك» هو بروز تغير جوهري في خارطة الفكر السياسي الغربي الذي تمحور طيلة القرنين الماضيين حول ثنائية اليمين واليسار، والتي تعكس الصراع الاقتصادي الاجتماعي الناتج عن قسمة العمل في المجتمعات الرأسمالية الحديثة.
لم تعد الإشكالات الاقتصادية حاسمة اليوم في التوجهات السياسية بعد بروز إجماع واسع على آليات ومعايير التسيير الاقتصادي وما يرتبط به من نظم حكامة سياسية، كما أن مفاهيم الصراع الطبقي انسحبت من الخارطة الأيديولوجية بتغير نمط العمل في الحضارة الصناعية الجديدة، وانحسار الطبقة العاملة التي راهنت التيارات الاشتراكية على دورها الثوري التغييري.
ورغم ذلك كله لم تختف الموضوعات الأيديولوجية السياسية من الساحة الغربية، وإنما أصبحت تتمحور حول إشكالية التقليد والاندماج التي كانت المنظومة الليبرالية التقليدية تعتقد أنها حسمتها نهائياً. 
ما نعني بالتقليد هو الجانب المتعلق بالمرجعيات الثابتة والهوية الصلبة، الجانب الذي اعتبرت الأيديولوجيات التاريخانية القائمة على فكرة القطيعة والانفصال أنها ألغته كلياً من خلال تأكيدها على مقولة الحرية الذاتية المفتوحة. ووفق هذا التصور، ليست الهوية الجماعية سوى رابطة عرضية اصطناعية وتوافقية، رغم أن الرابطة العضوية الصلبة أخذت شكل الدولة القومية المعبرة عن الأمة كوحدة شعورية قوية تؤدي دور الحاضن الإدماجي للفرد في سياق الحركية التاريخية الممتدة.
بيد أن حدثين مترابطين فرضا إعادة طرح إشكالية التقليد والاندماج؛ هما الخروج من أفق التاريخانية إثر الانفصام المتزايد بين ديناميكية التحول وغائيات التقدم الإنساني، وانحسار نموذج الدولة القومية.
وهكذا أصبح النقاش الأيديولوجي اليوم متمحوراً حول قطب فكري سياسي واسع، بيمينه ويساره، يتشبث بفكرة التقليد والهوية الصلبة والدولة القومية بمقوماتها الثقافية المميزة، وقطب آخر يدافع عن أولوية الحرية الذاتية على الهويات الثابتة ومنطق الشبكة المعولمة على منطق الإدماج العضوي.
لا يختلف القطبان حول تركة الحقوق الفردية التي كرستها المنظومة الليبرالية، ولا حول آلية التنافس الديمقراطي وما يتصل بها من شرعية قانونية إجرائية، وإنما يتركز الخلاف حول السجل الثقافي العميق المتصل بمقتضيات ومرتكزات الهوية الجماعية بما يفسر صعود النزعات القومية بلونيها اليميني واليساري في الديمقراطيات العريقة. وإذا كانت الدراسات الاجتماعية الأخيرة أظهرت بأن الاستقطاب السياسي الأخير يتحدد وفق خط التمايز بين المدن الصناعية الصغيرة المتضررة من حركية العولمة (القاعدة الانتخابية للحركات الشعبوية الجديدة) والمدن والأحياء والنخب المندمجة في حركة العولمة (قاعدة الحركات الليبرالية التقليدية)، فإن هذا الاستقطاب لا يمكن اختزاله في خارطة طبقية محددة، بل له جذوره الفكرية والأيديولوجية المتعلقة بإعادة فتح تركة التنوير الليبرالي التي بدأت في الأدبيات اليسارية ما بعد الحداثية قبل أن تأخذ حالياً شكل إعادة إنتاج الهويات الدينية والقومية التي كان يعتقد أنها متجاوزة. 
لقد اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الصدام الذي تعرفه حالياً الديمقراطياتُ الغربيةُ هو صدام بين تيار تقدمي لا زال يؤمن بالحركة الإيجابية للتاريخ، وتيار محافظ متشبث بالأشكال التقليدية للاجتماع السياسي. إلا أن هذا التصنيف يغفل السؤال الأساسي الذي بلوره أستاذ ماكرون، الفيلسوف الفرنسي الشهير «بول ريكور» في ملاحظته الهامة حول عجز المجتمعات الليبرالية الحديثة عن التفكير في موضوع الموروث؛ أي التركة المنقولة التي لا يمكن النظر إليها كماض منفصل عن الحاضر ما دامت تشكل أفقاً مفتوحاً للدلالة ورهاناً دلالياً لا انفكاك منه. إن هذا الإشكال يطفو في لحظات الأزمات والمنعرجات الحاسمة عندما يفقد الحاضر جاذبيته وتضيع بوصلة المستقبل، وهو الوضع الراهن للمجتمعات الليبرالية الحديثة.
عندما يدعي الرئيس البرازيلي الجديد بولسونارو أنه يحكم بالرجوع للكتاب المقدس، ويرفع الرئيس الروسي بوتين شعار الهوية الحضارية الروسية المحافظة.. فالأمر لا يتعلق بالنكوص إلى الهويات ما قبل الحداثية، وإنما الغرض هو استعادة العلاقة بالتقليد كحصن للهوية وكنقطة ارتكاز ثابتة تحمي النسيج الوطني المهدد بالتفكك والتآكل. 
كان الأديب الفرنسي الشهير «البير كامو» يقول إن المعنى الحقيقي للتقدم ليس إنشاء عالم جديد، وإنما الحفاظ على عدم ضياع العالم القائم الذي هو مقوم وجودنا المشترك.