إعلان

امتدّي أيتها النيلة على الأجيال كما امتدَّ الأفقُ على الرمال

سبت, 08/08/2026 - 23:30

حمود جيلاني

 

قبل أن يُخترَعَ الحبرُ، كانت الصحراءُ تكتب سيرتها بالرمل، وحين اختارت المرأةُ البيظانية الأزرقَ دون سائر الألوان، لم تكن تختار قماشًا، بل توقّع عهدًا مع السماء أن تبقى الصحراءُ، رغم قحطها، موصولةً بشيءٍ من زُرقةِ العالم. لم تكن النيلةُ يومًا زينةً عابرة، بل احتجاجًا صامتًا على رتابة اللون، وتمردًا أنثويًّا رقيقًا يصبغ الأنسجةَ ليصبغَ الذاكرةَ الجمعية؛ فكل امرأةٍ لبستها ورثت عن أمها، ليس الثوبَ وحده، بل طريقةَ الوقوف، ونبرةَ الصمت، وهيبةَ الحضور.

وحين تلتفّ المرأةُ بالنيلة، يختفي الجسدُ ليظهرَ الكيان، فما عادت العينُ تُلاحق التفاصيل، بل تقف مشدوهةً أمام طيفٍ أزرقَ يتحرك بسكينةٍ ملكية؛ إنها الأنوثةُ حين تُقرِّرُ ألا تُشرَح بل تُعاش، حاضرةً حضورَ القمر: يُرى ولا يُمَسّ. وثمة تناظرٌ عجيبٌ بين المرأة والصحراء: كلتاهما تُخفي وراء صمتها عوالمَ من الثراء، وكلتاهما تبدو من بعيدٍ قاسيةً فإذا اقتربتَ اكتشفتَ رقةً لا حدود لها؛ والنيلةُ هي نقطةُ التقائهما، أزرقٌ يُذكِّر بندرة الماء في أرضٍ عطشى، فيغدو ارتداؤه احتفاءً بكل ما هو نادرٌ وثمين، كأن المرأةَ تقول للصحراء: "سأكون أنا الواحةَ التي لا تجفّ."

وفي عصرٍ تتساقط فيه الهوياتُ كأوراق الخريف أمام ريح العولمة، تقف النيلةُ شامخةً كنخلةٍ رفضت أن تنحني؛ فمن تلبسها اليوم تُعلن أن الأصالة ليست عبئًا يُثقِل الخطى، بل جناحٌ يرفع صاحبته فوق ضجيج التشابه، وأن المقاومةَ قد تكون بلونٍ لا بصراخ، وأن الانتماءَ عطرٌ يفوح دون أن يُعلَن.

فامتدّي أيتها النيلة على الأجيال كما امتدَّ الأفقُ على الرمال، وابقَي وشمًا أزرقَ لا تمحوه الرياح؛ فمن حَفِظَ لونَه حَفِظَ جذرَه، ومن لبس تاريخَه لن يُهزَم أمام النسيان.