
د. محمد أحظانا
كاتب ومفكر موريتاني
رئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط
ابتداء لدي ملاحظة لا تخلو من غرابة وهي: ما دمنا معا إلى حد الآن، فما سأكتبه هنا ليس نصا، بل هو "لانص". وسيتضح ما أعنيه باللانص، إن صادفني التعبير المفهوم لديكم عنه.
وما دمنا معا كذلك، فإني سأسعى إلى موازاة قصيدة "السُّباء" لشاعرها المختار السالم أحمد سالم باعتبارها حالة إحساس غامرة؛ لا كما كنت أتوقع، عندما بدأت قراءتها بحثا عن المعنى، كعادة من يكتب النص النقدي المتداول.
لقد تخليت عن ذلك العناء مبكرا، وعن القراءة السطرية لها. لأن هذه القصيدة بدت لي حالة لا نصا.
مداخل من بعيد إلى أحُبولة المعنى على درب "ميتا" التعبير
عندما تنشأ لغة ما من اللغات الطبيعية تعلن عن ميلادها من خلال نص أو مجموعة نصوص متزامنة أو متتالية، بعد فطامها من رضاعة التداول الجمعي.
وأهم تفجير إخاله لنبع اللغة الناشئة قبيل أن تصبح نهرا جاريا، أن ينقل مبدعوها كوامن المعنى فيما ورائيات النص بدفق ناطق، له أسماء متعددة بتعدد زاوية النظر، بما يحوّل ضمنيات هذه اللغة إلى صرائح تنضح جب "المعنى المفهوم" أفقيا ورأسيا، فيحدد انبناءها المجددون ويقطفون حمولتها الدلالية التراكمية جَنِيّةً في مواسم فصول التطور، لرسم حدود المعنى فيها حينيا ولاحقا، بين المتداول والمكنون.
هذه النقلة/النوع في نشوء اللغات من خلال النص المؤسس لهويتها التاريخية، لحظة فارقة لتحويل خَبْئها إلى متداول مألوف عبر وسائط الرمز. الرمز المتحرر من غياهب حلم الملَكة الأولى للإنسان اللاغي، بوسائط لا تقل إبداعا عن مبتكرات الوعي الفطري عند تهدج أصوات اللغة المنطوقة في الحناجر أصلا، بإبداع ثان ضمن إبداع سابق يمنح البصر حقا في الحضور جنبا مع أخيه السماع.
من هيولا هذا الخبْء/ السديم تتمدد ظلال المعنى في جميع الاتجاهات؛ بل خارج حدود الاتجاه نفسه: إلى جهة تجسيد الأصوات اللغوية وتنويعها التركيبي، وتشكيلها البصري: توليدا للأساليب، وإشاعة للرخاء التعبيري، وتعويضا للسماع غِب تخفّيه؛ لا جرم أن يولد ترف الإشباع الرمزي من رحم اللحظة الشاخصة.
لحظة إشباع الحاجة الذهنية المتلهفة للتعبير عن كل مطلوب متصور لدى عقول اللاغين. من ذلك الفج العميق تتنزل بنات الأفكار البكر مفزّعة من مخادعها الوثيرة في الأعالي لتلف ذوائبها بحنُو حول عوالم الإنسان، جوانيا، وتواصلا مع أنهار الحياة السحاحة، فيه، ومن حوله.
في منتصف الطريق/ الجسد، يتكثف الوعي بالنص الخلاق. ومن النص الخلاق تنبجس كل النصوص الممكنة على نحو ما، في تلك اللغة، لترث منه - شاءت ذلك أم أبت- خطة التعبير الكافي أو الفائض، عن وعيها بذاتها المبدعة والمتصوِّرة، مفارِقة لغيرها، أو ممازجة لذلك السِّوى المواكب. متحكمة في الهويات المتعللة برباط التداول البيني: تبنيا أو إنكارا؛ اعترافا أو تجاهلا؛ تبرؤا أو مسايرة.
من هذا التجاذب/التنافس الخلاق يتفتق شلال الوعي الجارف بالذات والآخر معا، فيبرعم بهويتَيْ الناظر والنظير. ومن هوية النظير يتجسد وعي المخالفة، الذي يُنبِت زهرتَيْ الذات، والسِّوى، على شاطئَيْ الوعي المركب من أمشاجهما. ومن افتتان الذات المبدعة بزهرتيها الفواحتين، اللتين يحدد لون كل واحدة منهما لون الأخرى، ينشأ الوعي المركب بالذات، ونظيرها على نحو قاطع، وبالواسطة التي تخلقها حاجة التواصل المبدع بين طرفين واعيين بذواتيْهما وبآخَرِيتهما معا. ثم من العناق على ضفتي التقابل أولد أنا/الأنت، وتولد أنت/الأنا، توأمان؛ يتخلّق النص ذو المبنى والمعنى. لحظةُ تشبه - إن أشبهت - انفجارا كونيا داخل الذوات البشرية الواعية بذاتها ونظائرها، لتنشأ مجرات الظمأ الأبدي إلى إنشاد المعنى من وراء المبنى.
تبدأ السُدُم تمددها وتمايزها داخل أفق الإدراك لإنسان عاقل، ناطق بلغة ذات حدود مفتوحة، تتصورها خاصة بها، في حيزها الدائر على نفسه، مثل مجرة متحورة، واعدة بميلاد آلاف النجوم والأخاديد والسباسب الجُدد.
داخل جاذبية هذه المجرة/اللغة يولد ما لانهاية له من الخيارات الإبداعية للناطقين باللغة ذاتها جريا في شأو التفرد. ومن كل نص مبتدَع في أجواز ذات المجرة ينضاف تكوين ما في كل لحظة، على مقاسات تحددها خمس إمكانات غالبة:
-قدرة مبدع اللغة: الإنسان، على تنسيقها ضمن نظام مجرته اللغوية بانضباط ناعم؛
-حسن التحيز التعبيري الرمزي المتصبب من جبين روح الوعي بالذات والنظير، ومن نسغ قدسية التواصل بينهما؛
-دقة الاستجابة الذهنية لضوابط الوعي العقلي المشترك في متلَقَّياته الزمنية؛
-الإحساس الصادق لتجنيح الأحلام الفائقة، بالممكنات الفاتنة، بطوعيتها للترميز؛
-وأهلية الخروج على المألوف بممارسة حرية الانطلاق غير المتحيز، بعيدا عن فضاء التوقع.
فإن ولد النص من هذه الأرحام الخمسة كان نصا خلاقا لمعناه، وإضافة لجرم جديد في مجرته/اللغة.
لكن عندما يتخلّق المعنى والمبنى في منعرَج النص/الإضافة، فإنه يبني حماه وقدسيته في الأثناء داخل شرنقة التداول، وحجية المألوف، وسلطة المقبول، لتصبح جاذبيته مكافئة لطارديته لغيره من الخيارات التعبيرية الفضولية الممكنة. فتنشئ دائرة فراغ قاتلة لغيرها من إمكانات إبداعية كان النص المرجعي أحد خياراتها قبل أن يصبح الخيار الوحيد أمام نفسه.
يتكرس "المعنى الثابت" المُثَبّت – هنا - بحجيته المكينة، فتجف المنابع. منابع تخلُّق النصوص الجديدة من سديم المجرة الخصيبة، وينطفئ ألق الإبداع الفطري، ويخبو تحفزُه لشغل الفجاج في ركام أخاديد النص المرجعي. تتوطد سلطة المتاحات المباحة وخياراتها الحابسة في استحكامات النص المتمكن، وتتلاشى بشائر الممكنات، مع سحابات صيف العقم، فتجفّ ثمار كل الفصول اللاحقة قبل استوائها، ليجنيها المتعجلون بسْرة، متعللين لأنفسهم بنضجها.
في هذه المرحلة يتكرس "النموذج النهائي الكامل"، فتنضب خصوبة المعنى النابض بالحياة، لينبعث التبرم استبدادا مبكرا بوعي أبناء اللغة/المجرة. سيخامرهم لاحقا إحساس فطري مشاغب بانطمار ذاكرة التمدد الناشئ أصلا من متجددات سابقة تسكن قُدْمتها المتجانسة. يثور على المعنى والمبنى السائدين، ليخلقوا مدى أبعد من جدار المنع الذي شيده النص المرجعي السابق، حماية لسلطته على الوعي المغمور بالمقبولات الحاجبة، توسيعا لدوائر المنع لدى الأحفاد حرمانا لهم من حق نال به ذلك النص/الأصل المهيمن كل سلطانه.
من الثورة الكتيمة في نفوس الحالمين الثائرين على سلطة المعنى المعني بحثا عن المخارج نحو فضاءات اللامعنى الخصيب، ورحابه الفسيحة. إرهاصات من الشعور الخنيق بحيزه الحرج. لتولد نصوص التمرد على المعنى السائد، تخلصا من حماه، بألسنة أبناء اللغة/المجرة، لإعادتها حية قابلة لدفقات الإبداع المتجدد، المجدد لوجودها.
مجرة اللغة العربية
للغة العربية مجرتها الفسيحة مثل غيرها من اللغات أو مثل بعضها. لقد ولدت فيها نصوص خلاقة، بتشكلات مختلفة، أرسخها الشعر العربي ضمن تاريخها البشري، فكان منه النص المرجعي ذو السلطان، وكان فيه النص المتجدد.
وقد حملت العربية بذلك متاعها المرموز، برؤية للوجود، وأساليب للتعبير عنه، فكان من نصوصها القامع، والواصف، والملهم. ومن كل ذلك ولّد المعنى -متجددا فيها متوطنا- مرجعية بديلة لاحقا. مرجعية موازية دؤوبة، وظل الشعر -في كل الأحوال - جالسا على عرش تعبير العربية لتنافسه أساليب لاحقة دون أن تزيحه عن عرشه بنيةً، ومعنى، وإحالة.
تتفجر اللغة
اللغة العربية كغيرها من اللغات نهَرا - والعربية لغةٌ/مجرةٌ - عندما ينقل مبدعوها كوامن المعنى عبر دفق ناطق، يحوِّل ضمنيات هذه اللغة إلى صرائح، ومضموناتها إلى دلالات يلقيها موج التيار الجارف (سُبَاء) على ضفاف مجرى عادة التلقي. مجرى عادة الوعي بالمعنى المألوف، ليرسم انبناؤها وحمولتها الدلالية حدود المفهومات التواضعية والمبتدعة فيها، أسبقية ولحوقا.
ميلاد سديم اللغات ونشوء سلطانها ينشأ على مسافة كافية للتحيز في المُسَمى، وفي التعبير عن الممكن الملتبس، على ضفاف المستحيل. تلك ساعة انفجار خلاق للحظة تحويل الخبْء الرامز إلى تحفز التبيُّن، بيانا لمتداول العابرين على جسر التواصل، الوليد من وسائط الرمز، المتحرر من غياهب حلم الملَكة الفاطرة للإنسان اللاغي كما مر بنا.
إنه العبور المبارك المسمى إبداع الفطرة في بعض النصوص الواصفة، الناشئة على ضفافه.
من ظل هذا الخبء الحالم بتحرره من تحيزه الحرج في ظلماته الثلاث: ظلمة الكمون، وظلمة الانبثاق، وظلمة التحيز، نشأ التمدد المريح في ظلال التفصيل المترامي على جنبات تدفق الاتجاه، فالجهات: إلى جهة الأصوات اللغوية، وتنويعها التركيبي المولد لأساليب العناق الحميم بين الشعور والرمز؛ ثم إلى الحاجة الذهنية للتعبير عن المطلوبات النافرة من التحيز لتولد بنات الأفكار حول كل ما يتعلق بعالم الإنسان جوانيا وتواصلا مع نهر الحياة الجاري.
في منتصف الطريق/الجسد/ الرامز يتكثف الوعي بالنص الخلاق. ومن النص الخلاق نشأت كل النصوص التالية في اللغة العربية.. فورثنا منها خطة التعبير عن وعينا بذاتنا المبدعة المفارقة لغيرها، أو الممازجة للسّوى بكل تجلياته. متحكمة في هويات ما: تبنيا أو إنكارا، اعترافا أو تجاهلا، تبرؤا أو مسايرة. ومن هذا التجاذب نبع نهر الوعي الجارف بالذات والآخر في لغتنا، فأنشأ هوية النظير. ومن هويته تجسد وعي المخالفة، الذي أنبت زهرتي نفس الذات ونفس السوى على شاطئيها. ثم من افتتان الذات المبدعة بهاتين الزهرتين اللتين يحدد لون كل واحدة منهما لون الأخرى نشأ الوعي المركب بتكافؤ ذات نظيرة، وسوى ذات. وصلة واسطة خلقتها حاجة التلقي المتبادل بين الطرفين.
هنا التأم العناق على ضفتي التقابل: أولد أنا/الأنت، وتولد أنت/الأنا، ويتخلّق النص ذو المبنى والمعنى من ظلال كل واحد منا على الآخر.
لحظة تشبه انفجارا كونيا سحيقا داخل الذوات البشرية الواعية بذواتها ونظائرها معا، لتنشأ مجرات المعنى في دوائر متسعة خارج المعنى المتداول في حيز المألوف، وتنهج سنن التمدد داخل أفق الوعي المديد لإنسان عاقل ناطق باللغة العربية، في دوائر مسكونة بحدود تُخصصها في الحيز، مثل مجرة واعدة بميلاد آلاف النجوم والأخاديد والسباسب داخل جاذبيتها.
من هذه المجرة/اللغة، التي نتحدث عنها، تنشّأ سديم من الخيارات الإبداعية للناطقين باللغة العربية ذاتها، وكان تجسيدها في مالانهاية له من نصوص مرجعية وأخرى مضافة، إذ من كل نص مبتدع في أجواز هذه المجرة يُشتق تكوين ما أو أكثر، على مقاسات تحددها خمس إمكانات:
- قدرة مبدعها على تنسيقها ضمن نظام مجرته بانضباط ناعم؛
- حسن التحيز التعبيري الرمزي، المصفوف نسقيا، من روح الوعي بالذات والنظير، وقدسية التواصل بينهما؛
-دقة الاستجابة الذهنية لضوابط الوعي العقلي المشترك؛
-الإحساس الصادق بتجنيح الأحلام الفائقة بالممكنات الفاتنة؛
-وأهلية الخروج على المألوف بممارسة حرية الانطلاق غير المحدود، بعيدا عن فضاء التوقع.
فإن ولد النص من هذه الأرحام الخمسة كان نصا خلاقا لمعناه، وإضافة في مجرته/اللغة. لكن عندما تخلّق المعنى والمبنى في النص/الإضافة أو الأصل فإنه خلق حماه وقدسيته بالتداول، بدما شق مجرى عادته بليل ما، فأصبحت جاذبيته طاردة لغيره من الخيارات التعبيرية، فنشأت دائرة فراغ قاتلة لما سواها من إمكانات إبداعية.
إلى هذا الحد تجلد المعنى الثابت فجفت منابع تخلق النصوص الجديدة من سديم المجرة الخصيبة. توطدت سلطة المتاح، وخبت بشائر التجدد وإرهاصات الفضول، وجفت ثمار الفصول اللاحقة قبل نضجها دون أن تجد جانيا لجناها. في هذه المنحصر تكرس النموذج الأثل والبديل، ونضبت خصوبة النوابض الإبداعية، وبدأ التبرم يستبد بوعي أبناء اللغة/المجرة (العربية)، لإحساسهم الفطري بذاكرة المعنى الناشئ أصلا من التجدد؛ فانحنى منهم من انحنى وثار من ثار على المعنى والمبنى السائدين، ليخلقوا مدى أبعد من جدار المنع الذي شيدته النصوص المرجعية السوابق، مددت به سلطتها على الوعي عموما والمبدع خصوصا، بغير حق معلوم.
من هذه الثورة العميمة على المعنى بحثا عن غيره عبر الإبداع تولد نصوص التمرد على المعنى السائد تخلصا من حماه الرحيم، على ألسنة أبناء اللغة التي كانت يوما حاضنة لدفقات الإبداع المتمرد تفكيكا لكينونات سابقة له في وجودها وتمكنها.
مجرة اللغة العربية و"سباء" قصيدة تائهة في حيرتها
للغة العربية مجرتها الفسيحة، التي خلّقت نصوصا مؤسسة، بتشكُّلات تقدس الاختلاف، وتتهجد في محراب التنوع الناعم. تولد القصيدة إرهاصات متنكرة يوجهها خبال اللحظة، وإدهاش الإحساس بالانفصال عن رحم الكمون، مجللة برؤية وجود كانت فيه، ووجود أصبح فيها، وحلم ميقات لشهود صارت إليه.. ولن تراه حتى ولو استقر جبل التوقع مكانه، لتتملى أساليب تعبير، شكلتها مهارة الحنين إلى قول كل شيء دفعة واحدة ولن يكون.
في ثنايا الإحساس العارم لذات الشاعر المرتعشة بوحشة التفرد عجزا عن تبوؤ مقام الشهود، في حمأة التلهف؛ يقف الشاعر على مفترق الإحساس بضآلة اللحظة وعظمة الإمكان؛ بين تجنيح الحبور وتردي الفزع من شكه، ليطلق أنشودة مشهد يرى كل شيء ولا يرى شيئا. وقوفا على قدميه واقفا ليجالد سطوة النص المرجعي الذي يملأ عليه أفق اختيار بدائله المبذولة بسخاء يزاحم حلمه في إنشاء ملحمة انبثاقه. توفر له المألوفات بدأب ما يضيق به ذرعا من مغريات الانصراف عن تحديث رموزه وجلائها عن كثب. تستجديه همته بأعينها الدامعة على أعتاب وجودها المندهش بالممكنات المحرَّمة.
أمام الشاعر وهو ينسج سباءه ركام قامع من النصوص المرجعية، والمزاحمة الواصفة، والملهمة الحاثة فلا تمسك أخيلته إلا أعذاق أسئلته. في ذلك الدرب الصارف عما سواه لن يتخلى المبدع الحالم عن حلمه كما لا تتخلى العين عن نجمها الهادي في معارج الصعود: معنى بنية، ومعنى إحالة دالة على كل شيء، دون أن تدل على ذاتها، أو تدعي ما ليس لديها.
إنها همة لا تبحث عن المعنى الثابت بل بالتحديد عما وراء المعنى. تلك هي القصيدة التي خرجت من ذاتها، لتدهش نفسها، وتنسى نشوتها في ثوب وجود لا يعرف نفسه، ولا يبالي لعدم معرفته به.
هكذا خرج علينا الشاعر المختار السالم من رباطه المسكون بهواجس رحلة تخلُّص من سلطان المعنى المتداول، صعودا على سلم الدلالة، وسياق الانبناء، وتحقق لحظة اختراق سجف المعنى.
لذا رأيت في قصيدته: السباء سمات كتيمٍ، يحاول بإصرار مقارفة شعرية شاردة، في يوم غائم الملامح، ليعلن في ثنايا رحلته المحفوفة عن أزمة التعبير بالكلمة السائدة والسياق المنتهج في القصيدة العربية الدارجة، بعدما خاض ملحمته الغامرة مع سلطة المعنى، المهيمن داخله هو قبل أن يسكن قصيدته. جزعا من سلطة الكفاية التعبيرية القاهرة للنص المرجعي الطارد الحاجب.
-هل نجح الشاعر المختار السالم في التملص من هذه السلطات الداجية في ملحمة السباء أم تقاذفه الموج خشبة؟
يكون أي جواب على هذا السؤال غير دقيق مهما حاول أي نص نقدي مواز لنصه الإبداعي: السباء، أن يحكم ضوابط إجاباته ومحدداتها. لماذا؟ لأن قصيدة السباء في حد ذاتها تتمنع من خطة التعبير المتداولة لكفرها بالمعنى الثابت القابل للتمكن الذهني في حالة واحدة، طيعة للوصف، كما هو متداول في القصيدة العربية المرجعية السائدة.
قصيدة النص المؤسس
إنها: من عنوانها، إلى بدايتها، إلى نهايتها - إن كانت لها بداية أو نهاية - محطات ملحمة تنافح أي تشكيل قابل للتحديد. إنها سباحة ضد تيار انبناء المعنى المتحيز، طموحا منها للوصول إلى المنابع والسواقي والروافد ب "ميتا المعنى"؛ لا المعنى بذاته.
لذا حلّقت قصيدة السباء عاليا فوق موج التيار القاهر حتى لا يجرفها إلى مرج انبعاثها من مصبات التعبير المتداول: - كلمات تحسس الماحول باحثة عن علاقات بديلة لما ألفته، وتراكيب تسعى لتغيير الاتجاهات والمسارات التي كانت سالكة، ووحدة تهيم بالانفكاك من ترابطها الكائن، بوعي وقصد كاملين.
لذا تراني لم أستطع أن أكتب نقدا عن قصيدة تعيش قلقها كاملا، وتعديك بقلقها المستحكم. قلقها من تمكنها القسري في شعرية تتمنع على أي تحيز منضبط لمعايير نقد القصيدة (المعهودة) وبأي منهج. اللهم إلا بهذا التهويم اللانصي.
إن قصيدة السباء حالة تمرد على النصية في حد ذاتها. إنها تبرُّمُ من مألوف المبنى، وتمرد على دارج المعنى، وحلم للانعتاق من سلطة النص المرجعي القاهر.
ولعل معاناة الشاعر: المختار السالم، خلال مخاض إبداعه لقصيدة السباء. ومأساته المتسترة خلف تنويع التعبير فيها عن حالة التفلت من سلطة النص المرجعي؛ أنه لم يجد ما يبني به قصيدته/الحالة الفارقة، غير عناصر وتشكلات النص المرجعي لما لم يجد في المتاح بديلا عن مصطلح هذا النص وترابطاته المتاحة؛ فلجأ إلى إعادة تشكيله حتى يخترق تمنعه من المس بتوليد ألوان طيفية تعني شيئا ما في تجرده.
-هل نجحت ملحمة السباء في التحرر من جاذبية الأجرام الشعرية السائدة، والتداخل مع مداراتها الثابتة؟
أرى أن قصيدة السباء لشاعرها المختار السالم نجحت في إعادة بناء أحلامها على أنقاض ملحمتها الجريئة ضد مألوف التلقي السائد.
هل ذلك هو الإبداع؟
أنا أعرِّف الإبداع من زاوية نظر يخصني بأنه: اختراق المألوف على نحو مدهش، ليس بالنسبة للمتلقي النظير وحده؛ وإنما للمبدع نفسه، باعتباره أول المتلقين وأول المندهشين، وصاحب السكرة الأولى من مُخلّقه.
نعم ذلك هو الإبداع عندي، حتى ولو لم تكن السباحة الواعية للشاعر ضد مألوف المعنى، سوى إبداع حلم بميتا الشعر؛ سواء تم اعتراف سلطة النص المرجعي بذلك أم لا.
وأرى كذلك أن الشاعر المختار السالم أثار - عن وعي كامل وإحساس صادق - احتجاجا كبيرا على سلطة المعنى المتداول ودارج الأحكام النقدية السائرة، وركون ذائقة المتلقين إلى مألوفها الذي لا تريد عنه بديلا.
هذه الخاصة هي التي جعلتني أوازي قصيدة السباء (اللانصية) بمحاذاة (لانصية) من جنسه.. دون البحث عن إجهاد إعادة الكشف عن المعنى الاستغراقي الذي كان تبديد سلطانه شغلا شاغلا للشاعر المختار. ولا أراني منتهيا قبل لفت الانتباه ثانية إلى ورطة الشاعر من رغبته الجارفة في التحرر من هيمنة النص القصيدي النموذجي في العربية، السائد يوما وحالا؛ لأتنسم مع نصه حلم التحرر من الثقالة التعبيرية النقدية السائدة، كما تنسم نصه الإبداعي حلم التحرر من قصدية المعنى القار الثابت.. فُهِم ذلك في سياقه أم لم يفهم عني.
إنني إذن، لم أنشد تقريب قصيدة السباء للمتلقين كما هو جلي، كعادة النقاد المهنيين، حتى لا أقتل فيها نشوتها بنفسها؛ وحتى لا أنغص على شاعرها سكرته بدهشته منها. تلك الدهشة التي سميت يوما: ربيبة الإبداع المدللة.
لقد قيلت قصيدة السباء لترفع بيارق الاحتجاج العميق على المعنى والمبنى في القصيدة العربية الجديدة، دون أن تتخلص من مرارة استعمال نفس الموسيقى الشعرية ونفس الألفاظ، مع إعادة ترتيب خلَق حدودا غير متداولة لدوائر القصدية في شعرية الشكل والدلالة توسعا وتخصيصا. لقد وفق الشاعر المختار السالم في إقناعي أنا -على الأقل- باعتباري أحد القراء، أنه سلك درب التمرد على شعرية النص المرجعي للقصيدة العربية. وبذلك وفق في التعبير عن حالة جوانية من الخروج على مألوفه.
وأخيرا فلعلكم لاحظتم أنني لم أسابقكم إلى تبعيض القصيدة وتشتيتها، فأنا لا أومن بوساطة مأمونة بين الناقد والمتلقين.. فأحول بينهم وبين النص/الحالة، لمبدعه المختار السالم.









