"السُّبَاء"… حين يحمل السيلُ القصيدةَ وتحمل القصيدةُ أُمّةً

سبت, 08/29/2026 - 15:46

كبرياء رجل‏ :

 

«السُّبَاء»… حين يحمل السيلُ القصيدةَ وتحمل القصيدةُ أُمّةً

إلى الشاعر والروائي الكبير المختار السالم

تأخرتُ كثيرًا عن الموعد الذي كان ينبغي أن أكون فيه أول المهنئين بصدور ديوانك الجديد «السُّبَاء»، لكنني حين قرأتُ خبر صدوره، ووقفتُ عند عنوانه، ثم قرأتُ ما كُتب في تقديمه، أدركتُ أن بعض الكتب لا تصلح لها تهنئةٌ عابرة؛ لأنها لا تأتي إلى الحياة ككتابٍ جديد فحسب، وإنما تأتي كعلامةٍ في مسيرة صاحبها، وكنافذةٍ جديدة يطل منها الشعر على زمنه.

فاسمح لي، أيها المختار، أن أضع اعتذاري عن التأخر بين يديك أولًا، قبل أن أضع تهنئتي؛ فالاعتذار عن تأخر الكلمة أهون من أن تأتي الكلمة في غير مقامها.

أما «السُّبَاء»… فما أعمق أن يختار الشاعر لقصيدته اسمًا هو في اللغة العود الذي يحمله السيل من مكان إلى مكان.

يا لها من صورة تختصر زمنًا بأكمله!

عودٌ لا يختار مجراه،

وسيلٌ لا يستأذنه في الرحيل،

ومكانٌ يُقتلع منه،

ومكانٌ آخر يُدفع إليه.

ثم يأتي الشاعر ليضع هذه المفردة في قلب المأساة العربية، فتتحول من معنى لغوي إلى مرآةٍ لأمةٍ تجرفها تيارات القوة والتاريخ، من ضفةٍ إلى ضفة، ومن نكبةٍ إلى نكبة، بينما تبحث عن جذورها التي لا تكف الرياح عن اقتلاعها.

وهنا يصبح عنوان الديوان وحده قصيدة.

«السُّبَاء» ليس عودًا يحمله السيل فحسب؛ إنه الإنسان حين يُقتلع من مكانه، والوطن حين يصبح محمولًا على أمواج الآخرين، والذاكرة حين تمضي بها العواصف بعيدًا عن أصلها.

ولعل أجمل ما في هذا العمل أنه، كما جاء في التقديم، ليس قصيدةً تتكئ على الجرح لتبكيه، ولا قصيدةً تأتي لتضع ضمادًا على نزفه؛ بل قصيدة تريد أن تصنع من الجرح أفقًا ملحميًا.

وهنا تكمن قيمة الشعر الحقيقي.

فالشاعر لا يهرب من الخراب إلى القصيدة؛

بل يدخل بالقصيدة إلى قلب الخراب،

ويحاول أن ينتزع من بين أنيابه جمرةً من الجمال، وومضةً من الأمل، وإرادةً للحياة.

وحين يكون الديوان قصيدةً واحدة ممتدة على 254 صفحة، فإننا لا نكون أمام قصيدة طويلة وحسب، بل أمام نفسٍ شعري اختار أن يمضي بالقارئ في مجرى واحد؛ كالسيل الذي لا يلتفت وراءه، وكالرحلة التي كلما ظن القارئ أنها بلغت نهايتها، فتحت له اللغة بابًا آخر نحو المجهول.

ولستُ أستغرب أن يكون «السُّبَاء» هو الإصدار الخامس والعشرين في مسيرتك؛ فالربع قرن الشعري لا يُقاس بعدد الكتب فقط، وإنما بما تتركه الكلمات من ندوبٍ مضيئة في ذاكرة القارئ.

أما غلاف الديوان، فقد شدني فيه ذلك التوتر بين الكلمة والفضاء؛ فالعنوان يبدو كأنه ليس مجرد اسمٍ للعمل، وإنما صرخةٌ بصرية تخرج من قلب الصفحة، بينما تحته ذلك الامتداد الداكن الذي يمكن أن يُقرأ كأرضٍ، أو مجرى، أو أثرٍ تركه سيلٌ عابر.

وكأن الغلاف يقول لنا قبل أن نفتح الكتاب:

هنا شيءٌ اقتُلع…

وهنا شيءٌ ما زال يقاوم.

وأما تقديم الشاعر والمثقف الكبير د. بدي أبنو المرابطي، فهو في ذاته شهادةٌ نقدية ذات دلالة؛ خصوصًا حين يقرأ القصيدة بوصفها مغامرةً لغوية، ويشير إلى قدرتها على الإفلات من المألوف، وعلى جعل القارئ شريكًا في فعل الخلق، لا مجرد متلقٍ لما كُتب.

وهذه، في ظني، إحدى أجمل وظائف الشعر:

أن لا يمنحك القصيدة مكتملةً،

بل يمنحك مفاتيحها،

ثم يترك لك أن تفتح أبوابها بنفسك.

أيها المختار…

أجمل ما قرأته في النص المرافق للديوان تلك الفكرة التي تختصر روح التجربة كلها: أن إرادة الإبداع مرادفة لإرادة الحياة.

وهذا ما يجعل «السُّبَاء» أبعد من قصيدة عن الألم؛ إنه، كما أفهمه، محاولة شعرية لمقاومة أن يتحول الألم إلى قدرٍ نهائي.

فحتى العود الذي يحمله السيل لا يفقد وجوده لأنه غادر مكانه؛

إنه يستمر في العبور.

وحتى القصيدة التي تولد من الرماد لا تكون قصيدة موت؛

إنها، في جوهرها، إعلانٌ بأن شيئًا ما لا يزال قادرًا على الاشتعال.

مبارك لك، أيها الشاعر والروائي الكبير، هذا الميلاد الخامس والعشرون في مسيرتك الإبداعية.

ومبارك للشعر الموريتاني والعربي هذا العمل الذي يبدو أنه اختار أن يحمل أسئلته الثقيلة على كتفيه، وأن يمضي بها إلى أقصى ما تستطيع اللغة أن تبلغ.

وأكرر اعتذاري عن تأخري، وأرجو أن تقبل تهنئتي المتأخرة كما تقبل القصيدة قارئها المتأخر: لا تسأله لماذا تأخر، بل انظر هل جاء وفي عينيه شيءٌ من الدهشة.

لقد جئتُ متأخرًا، نعم…

لكنني جئتُ وأنا أنظر إلى «السُّبَاء» لا كديوانٍ جديد فحسب، وإنما كعودٍ حمله سيلُ الزمن، فاختار الشاعر أن يمنحه صوتًا، وأن يجعله يتكلم.

فطوبى لعودٍ صار قصيدة،

وطوبى لسيلٍ أنجب شعرًا،

وطوبى لشاعرٍ كلما اشتد عليه خراب العالم،

أشعل في اللغة نافذةً أخرى للحياة.

دمتَ، أيها المختار،

تكتب كي لا يكون الألم آخر الحكاية،

وكي تظل القصيدة — مهما اشتد السيل —

قادرةً على أن تتشبث بجذرها، ثم تنهض من جديد.