"قامتها كرمح رديني": ماذا يعني هذا؟ نقاش لمحبي أسرار اللغة العربية

خميس, 05/09/2019 - 02:35
لوحة "صورة لامرأة" للرسام ديغا (يسار) غطت العمل الفني الآخر (يمين).

يقول صاحب مقاييس اللغة، ابن فارس: "الراء والدال والنون، هذا بابٌ متفاوتُ الكَلِم لا تكاد تلتقي منه كلمتانِ في قياسٍ واحد، فكتبناه على ما به، ولم نَعْرِضْ لاشتقاق أصلِه ولا قياسِه" ومن هذا التقديم سننطلق في بحثنا عن معنى الرمح الرُّديني،

باب "رَدَنَ" المتفاوت

الرمح الرُّديني هو رمحٌ مشهورٌ في جاهليّة العرب، نُسب إلى امرأة في (خطّ هَجَرَ – مرفأ في البحرين) كانت تقوّمُ الرِّماح، وكلمة الرُّديني نجدها في باب الجذر (رَدَنَ)، وعلى ما يبدو أن مدينة ( خطّ هَجَرَ) كانت تشتهر بصناعة الرِّماح ومنها الرمح الرّديني بالإضافة إلى الرمح السَّمْهَريّ، وفي المعجم نجد معنى سَمْهَرَ: "السَّمْهَرِيَّةُ القناة الصلبة، وقيل هي منسوبة إلى سَمْهَر، اسم رجل كان يقوِّم الرِّماح، فيقال رمح سَمْهَرِيٌّ ورماح سَمْهَرِيَّةٌ" ويذكر عن سَمْهَر هذا، أنّه زوج رُدينة التي تُنسب إليها الرماح الرّدينيّة، فهل نحن أمام زوج وزوجته قد عملا في صناعة وتقويم الرِّماح، ونالا من الشهرة نصيباً حتى ذاع صيت رماحهما؟

وقبل البدء في الكشف عن معنى الرمح الرّديني لابدّ من ذكر التنبيه الذي أورده ابن فارس في مفتتح باب جذر (رَدَنَ)، آخذين في جدلنا الملاحظة التي أوردها الأصمعي: "إن أنابيب الرِّماح لا تنبت في الخطّ بل تُرفأ إليه سفنها وتقوّم فيها".

لم يقدّم لنا البحث الأحفوري شيئاَ عن الرمح الرّديني حتى نقارن بينه وبين المرويّات التراثيّة، وهكذا لم يبق لنا إلا أن نستنطق الكلمات، عبر منهج جدلي، للبحث عن ظلال معانٍ تاهت عن المعاجم والمرويّات التراثيّة، فنستمع إلى همسها لعلّها تنبث ببنت شفة واضحة عما غَمُضَ.

يقول صاحب مقاييس اللغة، ابن فارس: "الراء والدال والنون، هذا بابٌ متفاوتُ الكَلِم لا تكاد تلتقي منه كلمتانِ في قياسٍ واحد، فكتبناه على ما به، ولم نَعْرِضْ لاشتقاق أصلِه ولا قياسِه" ومن هذا التقديم نقدم بحثا عن معنى الرمح الرُّديني.

يقول قيس بن الخطيم "عَمْرَةُ من سَرَواتِ النِّسا/ءِ تَنْفَحُ بالمسكِ أَرْدانُها": "سروات النساء" أي النساء الطويلات، ولأنهنّ كذلك، فلا بدّ أن يؤدي طولهنّ إلى اهتزاز ثيابهنّ، فيفوح العطر منها

هل كان الاهتزاز والليونة، بارتباطهما بطول القامة، من معايير الجمال عند العرب؟ هنا ما نستشفه من أشعار شبّهت النساء بـ"الرمح الرديني".

الرّديني في الشعر

يقول النابغة:

يكشّفن الألاءَ مُزيّنات... بغابِ ردينة السحمِ الطوالِ.

عنترة:

 

عَواليَ زُرْقا من رماحِ ردينيّةٍ ... هريرَ الكلابِ يتَّقينَ الأفاعيا.

المعري:

دعِ اليَراع لقومٍ يفخرون بهِ ... وبالطِّوال الرُّدينيَّات فافتخرِ.

المتنبي:

طِوالُ الرُّدَيْنِيّاتِ يَقْصِفُها دَمي ... وبِيضُ السُّرَيجيّاتِ يَقطَعُها لحمي.

في الأبيات الشعريّة السابقة نجد أن صفات الرمح الرُّديني:(الطول)، فهو رمح طويل ممتدّ، وهكذا نكون قد حدّدنا إحدى صفات الرمح الأساسيّة التي ستقودنا إلى ميزته الثانية.

يقول قيس بن الخطيم:

وعَمْرَةُ من سَرَواتِ النِّسا...ءِ تَنْفَحُ بالمسكِ أَرْدانُها.

وعدي بن زيد:

ولقد أَلْهُو ببِكْرٍ شادِنٍ ... مَسُّها أَلْيَنُ من مسِّ الرَّدَنْ.

في بيت الخطيم نجد "سروات النساء" أي النساء الطويلات، ولأنهنّ كذلك، فلا بدّ أن يؤدي طولهنّ إلى اهتزاز ثيابهنّ، فيفوح العطر منها، وبما أن اليد هي أكثر الأعضاء حركةً واضطراباً، فالرُّدْن كما يقول ابن سيده: الرُّدْن مقدّم كمّ القميص، وقيل: هو أَسفله، وقيل: هو الكمّ كله، فنستطيع أن نلحظ أن الرَّدْن من طبيعته الاهتزاز، بسبب العضو الذي يغطيه، أما في بيت عدي بن زيد، فقد نسب للأنثى التي يلاعبها ليناً يفوق ليونة الرَّدن، وخاصّة أن الرَّدَن بالتحريك نوع من الحرير أو الخزّ الأحمر، فالميزة الثانية إن جاز لنا القول: هي الاهتزاز والليونة، وكلاهما يعود إلى الطول، فالرمح الطويل لابدّ أن تهتزّ مقدمته وخاصّة سنانه، لكن ألا يعارض الاهتزاز واللين طبيعة هذا الرمح؟

لننظر إلى قول الشاعر المساور بن هند: "ولَنَا قناةٌ من رُدَيْنَةَ صَدْقَةٌ / زَوْراءُ حاملُها كذلك أزْوَرُ" فصَدْقَة تعني صلبة، ورمحٌ صَدْقٌ: مستوٍ صلب، إذاً نحن أمام رمح طويل، صلب وإن اهتزّ، أمّا ليونته، فهي من باب سلاسة استعماله وانقياده لحامله، ألم يقل الحطيئة: "بِكُلِّ قَنَاةٍ صَدْقَةٍ رُدينيّةٍ/ إذ أُكْرِهَتْ لم تَنْأطِر واثْمأرَّتِ" ومن ثم بيت عميرة بن جعبل الذي يؤكد فيه على انقياد وليونة استعمال الرمح الرّديني للفارس: "جَمَعْتُ رُدَينْيّاً كأنّ سِنانهُ/ سَنا لَهَبٍ لَمْ يستعنْ بِدُخانِ". وهنا من الضرورة الجدليّة أن نعالج ميزتي الاهتزاز والليونة، لأنّنا وصلنا إليهما من باب كلمات عديدة، وإن تشاكلت في الجذر مع الرمح الرُّدِيني، لكنها اختلفت معه في الحركات، وعليه، فلننظر فيما حوى باب (رَدَنَ) من كلمات أخرى قد تجسر الظنون إلى بعض يقين.

يقول ابن سيده: "المِرْدَنُ: المِغْزَلُ الذي يغزل به الرَّدَنُ". المردَن/ المغزل، نسبة إلى الثوب الذي يغزله، لكن ألا يهتزّ المغزل وهو يدور ويغزل؟ ولو لاحظنا في الألعاب الأولمبية عند رمي الرمح كيف يدور حول نفسه كالمغزل باضطراب، كذلك عصا القفز بالزّانة، فهي تهتزّ عندما يركض بها اللاعب كي يقفز بواسطتها، وهي صلبة أيضاً كي تحمل ثقله وتدفعه إلى الأعلى دون أن تنكسر وتتهدّم.

وقال الفرّاء: رَدِنَ جلده بالكسر، يردن ردناً، إذا تقبّض وتشنّج، أليس التقبض والتشنّج يشبه الاهتزاز؟

وقال أبّاق الدبيري:" قد أخذتني نَعْسَة أرْدُن" وأردن هنا تعني نعسة شديدة، فتصارع صاحبها على يقظته حتى تكاد تصرعه في النوم، والملاحِظُ، لكيفية وقوع الناس في النعاس، ومغالبتهم إياه، يراهم وقد تحرّك رأسهم فجأة إلى جهة ما، وكأنّه كاد يسقط من شدّة النعس، فيعاودون رفعه وهكذا دواليك، فيبدو للناظر إليهم، كأن رأسهم لعبت به الريح، كغصن في شجرة يهتزّ لمجيئها ويسكن لذهابها. وأخيراً نذكر نهر الأردن الذي قال عنه الجوهري:"نهر وكورة بأعلى الشام، والله أعلم" ومن معاني نهر الأردن، المياه السريعة، أليس من خصائص المياه السريعة، الاضطراب والاهتزاز؟

ما سبق كان عن ميزة الاهتزاز واللين، ومع ذلك لا يعدو كونه شبهات متفلّتة من الحدود الواضحة، لكننا لسنا أفضل حالاً من ابن فارس مع بابه (رَدَنَ).

هناك مذهب جدلي حروفي، نظّر له محمد عنبر في كتابه "جدليّة الحرف العربي"، ورأى فيه أن قاعدة "الضدّ يظهر حسنه الضدّ" متضمّنة في الكلمة العربية، عبر تتالي حروفها ووجهتها ولنأخذ كلمة" رَدَنَ"، فهي تبدأ بالراء مروراً بالدال وانتهاء بالنون، فتكون وجهتها مبتدئة بالراء ومنتهية بالنون، أمّا ضدّها الكامن فيها، فيكون بقراءتها معكوسة من النون، فالدال، فالراء لتنتج هذه القراءة كلم "نَدَرَ" وبهذه الطريقة نستطيع أن نعرف المعنى الجذري للكلمة قبل أن تأخذها الاستعمالات وتشتتها المجازات.

نَدَرَ: البروز والخروج عن المجموع كأن نقول: ندرت الثمار أي سقطت، وشخص نادر علمه، أي لا يوجد من مثله الكثير، وعليه بعد أن وجدنا في معنى "رَدَنَ" الاهتزاز واللين المستمر، فيكون "نَدَرَ" على عكس منه، فلا تسقط الثمار دوماً، بل تسقط لمرّة واحدة. وكما يقال ندرت الغصن أي أسقطت ثماره، فلا أحتاج لهزّه مرّة أخرى، فيكون من معنى "رَدَنَ" الاستمرار والمتابعة لحالة ما قد اعترت الشيء، وعلى عكس ذلك يكون معنى " نَدَرَ" الذي يفيد انقطاع الاستمرار والمتابعة لحالة عرضت لشيء ما، ثم توقّفت.

وكما في علم الفيلولوجيا والتأثيل اللغوي، لا تُستبعد اللغة العامية من محاولة الكشف عن الأصول البعيدة للكلمات، ولذلك كان من الضرورة ذكر استعمال كلمة "رَدَنَ" في ساحل بلاد الشام، والتي تعني الاهتزاز والاضطراب فيقال: "إنه يردن من البرد"، أي يرتجف ويقشعرّ جسده برداً، وهذا يقودنا إلى ذات المعنى الذي أثبته الفراء لمعنى كلمة "رَدَنَ".

وبعد أن حوّلنا ظنّنا من منحى القلّة إلى جمهرة الكثرة؛ حتى كاد أن ينقلب إلى يقين بأنّ معنى الرمح الرّديني: هو الرمح الطويل المهتزّ المضطرب اللين القياد بيد الفارس، كان لا بدّ من ذكر الرمح السّمهريّ المنسوب إلى زوج رُدينة، والوقوف عند صفاته، فنجد أنه الصليب العود، الشديد، فيقال: وَتَرٌ سَمْهَريٌّ أي شديد القوة لا يتقطّع، واسْمَهَرَّ الشوك أي يَبِسَ، والمُسْمَهِرُّ أي المعتدل على عكس الطويل، وبالنتيجة يكون السّمهريّ على عكس الرّديني، فالثاني: طويل مضطرب لين القياد، والأوّل: قصير، معتدل بالنسبة إلى طول الرمح الرّديني، فعلى ما يبدو أن لكل من الرمحين طريقة استعمال في المعركة، تقتضيها صفاته وميزاته والغايات منه.

وهكذا نصل إلى أنّ الكناية في الرمح الرّديني كذلك السمهري، ما هي إلا ألقاب تخبّئ تحت عباءتها المعنى الحقيقي للرمحين، ونستنتج أنّ الرمح الرّديني لا علاقة له بامرأة تُدعى رُدينة، كذلك الرمح السّمهري لا علاقة له برجل يُسمى سَمْهَرٍ.

 

المصدر: رصيف 22

باسم سليمان