
قرأتُ "السُّباء" لا كقصيدة طويلة فحسب، وإنما كرحلة شعرية في خراب الإنسان العربي، وفي بحثه المضني عن معنى وسط هذا التيه.
واللافت فيها أن الشاعر لم يجعل من الخراب خاتمة بل جعله مادةً لإعادة خلق السؤال والحلم والقصيدة.
فالسُّباء، ذلك العود الذي يحمله السيل من مكان إلى مكان يصبح رمزًا بليغًا لإنسان اقتُلع من جذوره وصار يجرفه تيار التاريخ دون أن يفقد رغبته في الوصول.
وتتسع القصيدة حتى يبدو الوطن العربي كله كأنه فضاء واحد تتجاور فيه الذاكرة والجراح والحنين والمقاومة.
ومن أجمل ما فيها قدرتها على تحويل الصورة إلى فكرة والفكرة إلى إحساس والإحساس إلى سؤال يبقى مع القارئ بعد أن يفرغ من القراءة.
وحين يقول الشاعر: "أضحى لزامًا على النجم أن يولدا"، لا يعود الميلاد هنا مجرد صورة شعرية بل يبدو كأنه وعد بمقاومة العتمة.
ولعل هذا هو سر تميز "السُّباء" أنها لا تكتفي بتشخيص الجرح وإنما تبحث للروح عن نافذة في جداره.
وأنا أكتب هذه الحروف تذكرت ليلة سبقت صدور الكتاب زرتُ فيها العميد المختار السالم في بيته العامر وبين كؤوس الشاي كان يقرأ لي من جهازه مقاطع من "السُّباء" وهي ما تزال مخطوطة لم ترَ النور.
يومها سمعتُ في صوته شيئًا من قلق الشاعر على نصه وشيئًا من فرح الأب وهو يرى مولوده يشب عن الطوق.
واليوم بعد أن خرجت القصيدة إلى القراء أجد أن تلك المقاطع التي سمعتها في هدوء تلك الليلة كانت تحمل في داخلها هذا النفس الملحمي كله.
(السُّباء) ليست نصًا عن الخراب فقط بل نصٌّ يحاول أن ينتزع من الخراب معنى ومن الانكسار إرادة، ومن العتمة نجمةً تولد.
هنيئًا للعميد بهذا العمل المختلف، وهنيئًا للشعر الموريتاني والعربي بهذه الملحمة الشعرية التي تستحق أن تقرأ عدة مرات.










