حَمْدَنِياتٌ (7) …/عز الدين بن ڭراي بن أحمد يورَ

اثنين, 01/05/2026 - 03:59

لم أجِد فيمن عرفتُ مَن بلغ مبلغَ الشيخ حمدَن في التأثر بشخصية لمرابط امحمد بن أحمد يورَ، ولم أعرف أقوى منه شبهًا به في مسالكه العلمية وملامحه السلوكية. ولم أرَ أحدًا مثلَه ملامسةً لدقائق تلك الشخصية وغوصًا في سبر أغوارها.

 

كان “امحمد” مِن الشخصيات الحاضرة جداً في حديث الشيخ حمدَن رحمة الله عليهما، خاصةً عندما يكون الكلام عن الأدب وما يتعلق به.

 

ما زلت أتذكر ذلك اليوم الذي قال لي فيه الشيخ أثناء حديث ما معناه : هنالك جانبٌ غريبٌ وغير مألوف مِن ديوان امحمد، إنه جانبٌ جديرٌ بالاستنطاق، خصوصاً بالنظر إلى شخصيته المتفائلة …

 

لقد أدركتُ النصوصَ التي يُشير إليها الشيخ، فقد كنت دائماً ما أقف عندها، مُستأنِساً بشُحنتها الشاعرية، مُتأملا لمسحتها الوجدانية. إنها نصوصٌ تُرواح في مُجملها بين الفلسفة والزهد والتوجيه والاعتبار …

 

ويأتي في صدارة هذا الجانب مِن الديوان نصٌ تبدو فيه ملامح حضاريةٌ، أظنها ترجع لمدينة “اندَر”، التي كان يزورها ويقيم بها أكثر مِن غيرها مِن حواضر جنوب النهر. بخصوص هذا النص، حدَّث حفيده امحمد بن سيدي بابَ رحمة الله عليه أنه رأى امحمد في المنام وقال له : “سيُحاول الناس فهمَ أبياتي تلكَ ولن يستطيعوا” …

 

أبْدَيتَ ياقصْرُ لِي مُسْياً أنَا جِيــلَا

يتلُو تِلاوَةَ تَطْرِيبٍ أناجِيــلَا

 

أمْسَى مَهَازِيلَ مِنْ دَرْسِ الكِتابِ ومَا

عَنْهُ المَهَا زِيلَ مُذْ أمْسَى مَهازيلا

 

تاللهِ ماذا الورَى مِنْ عَهْدِ بَابِيــلا

إلَّا عَصَائِبَ أرسالٍ أبابيــلا

 

ليسُوا سواءً أرى جِيلا ًمراكبُهـُـمْ

تَخْدِى بِهِمْ وأرَى جِيلاً أراجِـيلَا

 

واتْرُكْ عَسَايَ فما ذا المرءُ يُدْركِــهُ

إلا عَسَاقِيلَ زُورٍ إنْ عَسَى قِيلا

 

ورُبَّ فَرْدٍ يُوازِي الجَمْعَ مُنْفَـــرِداً

فَذِي “سَرابِيلُ” ما فاقَتْ “سَراويلا”

 

ما الباهِلِيُّ إذا ما جَادَ يَقْصُرُ عَــنْ

عَبْدِ المَدَانِ ولا عَنْ عَبْدِ يَالِيـلَا

 

وتنحو نحوَ هذه القطعة، كثافةً ورُوحاً، قطعةٌ أخرى، لم يُنسَج كثيراً على منوالِ قافيتها، يقول منها:

 

ما صيحةُ الجَزِعِ الباكي أحِبَّتـَهُ

كصيحةِ الطَّرِبِ اللاهي بعيدانـهْ

 

يكفيكَ مُعتَبَراً إن كنتَ مُعتَـبِراً

تَرحالُ ذا الخلقِ مَثناهُ ووِحدَانِـهْ

 

فما الفقيرُ بِباقٍ في رَثاثَـتِهِ

ولا الغنيُّ على تجريرِ أردانِهْ

 

مِن بين أقرانهِ الضِّرغامُ مُختطَفٌ

والظبيُ مُختَطَفٌ مِن بَينِ أقرانِهْ

 

شرُّ المصائبِ في الدنيا مُصيبة مَن

يزدادُ ذَنباً ولم يعبأ بِزيدانِـه

 

والقبرُ فيهِ دَآدٍ لا سِراجَ لهـَا

والأكلُ لِلجسمِ مِن دَيْدَانِ دِيدَانِهْ

 

كما تجري مجراها قطعة ثالثة، يقول فيها :

 

نكِّبْ عن الدارِ والأهلِينَ وادَّكِــرِ

واحذَر مِن الخلقِ مِن أنثى ومِن ذكَر

 

ولْتسألِ اللهَ ما عقباهُ عافيـــةٌ

لا خيرَ في وطَرٍ يُفضِي إلى بطَـــرِ

 

إني أرى سكرات الموت مُنسيــةً 

ما كان من وطَنٍ يُهوَى ومِن وطَـرِ

 

والقلبُ مِن خطرات السوءِ في خطرٍ

والجسمُ مِن غرَر الدنيا علَى غــرَرِ

 

كمْ بينَ أمردَ لا ينفك مُعتكـــفاً

إمَّا على صُوَرٍ بالفِكرِ أو سـُــوَرِ

 

وبينَ ذِي كِبَرٍ يغشَى ضَريبـــتَهُ

ضَربٌ مِنَ الكِبْرِ أو ضَربٌ على كَـبَرِ

 

وتصدق ملاحظة الشيخ حمدَن كثيراً على نصَّين وردا في ثوب بحور قصيرة، أولهما في مجزوء الرجز :

 

لِلِامتيـــــارِ بادِرِ

والزرعُ في البيــَادِرِ

 

ولا تَسُحَّ مَدمعـاً

بإثر غادٍ غــــادرِ

 

ولا تظُنَّ ملجأً

سِوى الإله القــادرِ

 

والكيسَ يا خادِى فمـا

تنهب حظَّ الخــادرِ

 

فالناسُ بيـــنَ واردٍ

وبين صادٍ صـــادرِ

 

زمانُنا فيه النَّدى

مِن أندر النـــوادرِ

 

إذا سمعتَ حاتما

ألفيت ألفَ مـــادِرِ

 

والنص الثاني في بحر المُجتث :

 

احذَر من الخلق طُـراً

فالخلقُ طُراً عَضُــوضُ

 

فمنهُ بعضٌ أسُـودٌ

ومِنهُ بعضٌ بَعـُــوضُ

 

والناسُ مِنهم مَريـــضٌ

طبعاً ومنهمْ مـَـرُوض

 

والشعرُ بالطبـعِ نَقدٌ 

وبالعَروض عــُروض

 

أنَّى يُطول اغتماضي

والأمر فيه غمــوض

 

جَرِّدْ مِن الفِكرِ فُلْـــكاً

للنائباتِ يَخـُــوضُ

 

فالعَولُ فيه انقسامٌ

إذا تضيقُ الفـُـروضُ

 

ذات يوم حدّثَ الشيخ حمدَن عن أنظام امحمد، مستحضراً أمثلةً منها واصفاً إياها بالشعر لا النظم، سألته : لقد نظم امحمدْ بشكل وافر في كُبريَات العلوم المحظرية إلا التوحيدَ فقاد كان مُقِلاًّ فيه، فأجابني سريعاً : ’’ما كان امحمد يومًا شاكًا”، عندها استحضرت قولَه في بيتَين هما بداية حديث عن جانب آخر مِن الديوان، جانبٌ يندرج تحته من النصوص ما يجعله موضوعَ حديث مُستقل …  

 

تَـقَـنَّعتُ مِنْ حَوْكِ القناعةِ حُلَّةً

تُذالُ عُروضي دُونها ورَقِيني

 

وإنْ شكَّ في المَأْمُولِ غيرِي فإنني

يقِيني من الشَّكِّ المُريبِ يَقيني

 

عز الدين بن ڭرَّاي بن أحمد يورَ