
صدر، مؤخراً، في الولايات المتحدة الأميركية، الجزء الثاني من الكتاب الموسوعي «الخيط الذهبي.. تاريخ التقليد الغربي»، والذي كتب جزأه الأول جيمس هانكينس، بينما كتب جزأه الثاني آلان غلزو. المنطلق الذي يَصْدر عنه المؤلفان ليس معرفياً أكاديمياً، على غرار عمل ميشال فوكو الشهير في تاريخ الأفكار الغربية «الكلمات والأشياء» (1966)، بل سياسي أيديولوجي، يتمثل في الدفاع عن الهوية الثقافية الغربية في مواجهة ما يعتبرانه شعوراً جارفاً بالنقمة على الذات وجلد النفس في المجتمعات الغربية نفسها التي تعيش ضياعَ البوصلة وانهيار الشخصية الحضارية.
الكتاب يسرد مسارَ التقليد الغربي الطويل من الحقبة اليونانية الرومانية إلى وقتنا الحالي، مروراً بحقبة الإصلاح الديني وعصر التنوير ثم الثورات المعاصرة، منتقداً بشدة ديناميكية تفكيك المرجعيات الفكرية التي شكّلت «عظمة» الحضارة الغربية، وفق الحركية التي بدأت مع نيتشه وماركس وشبنجلر، وأفضت لاحقاً إلى تأويليات القطيعة والانفصال التي هيمنت على العلوم الإنسانية في العقود الماضية.
لا ينكر المؤلفان أن تاريخ الغرب مليء بالتحولات الكبرى، لكنهما يعتقدان أن التقليد الغربي يقوم على مجموعة من الثوابت تشكِّل خصوصيتَه الفريدة، وهي أساس تركته التي لا تزال صالحةً للحاضر والمستقبل معاً، وأهمها: الخطاب البرهاني العقلاني الذي تمثّل أساساً في الكتابة الفلسفية والعلوم التجريبية، والحرية السياسية القائمة على العقل والقانون والكرامة، ونظريات الحق الطبيعي في مقوماته الأخلاقية والتشريعية والإحساس الجمالي. ومن ميزات الكتاب، أنه يكشف عن الاستقطابات الداخلية الحادة في التقليد الغربي: ما بين الإيمان والعقل والمساواة والتراتب والسلطة والحرية والاتباع والابتداع، بدلاً من اعتبار الحداثة لحظة قطيعة قصوى غيّرت جوهرياً نُظم المعرفة والحقيقة والقيم في المجتمعات الغربية. ليس من همّنا هنا الدخول في نقاش فلسفي متخصّص حول أطروحة الكتاب التي ستُثير دون شك جدلاً واسعاً في قادم الأيام، بل حسبُنا الوقوف عند النتائج المتوقعة في إطار النقاش الدائر راهناً على نطاق واسع حول الهوية الغربية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية.
ومن المعروف أنه صدرت في السنوات الأخيرة أعمالٌ عديدة تدور كلها حول «أزمة الغرب» من النواحي الاستراتيجية والثقافية، وقد سلكت هذه الأعمال مسلكين أساسيين متمايزين، ذهب أحدُهما إلى أن حركية العولمة التي تولّدت عن تطور النسق الغربي نفسه، قوَّضت الهويةَ الحضارية الغربية المتمحورة حول التقليد اليهودي المسيحي والعقلانية العلمانية الحديثة، ومن هنا ضرورة العودة إلى هذه الجذور «الخصوصية» لمواجهة ما سمّاه البعض «الاستبدال الكبير» (أي التهديد الناجم عن الهجرات الدينية والعرقية من الجنوب)، بينما ذهب المسلكُ الآخر إلى أن موازين الصراع الجيوسياسي العالمي لم تَعُد في صالح «الهيمنة الغربية» التي تواجه صعودَ الجنوب الشامل وفي قلبه العالم الأفروآسيوي. في عالمنا العربي، شكّل كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، الصادر عام 1978، بداية نهج بحثي طويل في نقد «المركزية الغربية»، من أبرز تجلياته كتاب «الاستغراب» الذي ألّفه المفكر المصري الراحل حسن حنفي وأراد من خلاله - حسب عبارته - «تحجيم الوعي الغربي» وتحويل الغرب إلى موضوع للدراسة والتقويم، معتبِراً - في ضوء ملاحظات سابقة لهوسرل - أن الوعي الغربي وصل إلى محطة اكتماله ولم يعد لديه ما يضيفه للفكر الإنساني.
وفي السنوات الماضية، صدر لمفكر فلسطيني أميركي آخر، هو وائل حلاق، كتاب نقدي للمركزية الغربية بعنوان «قصور الاستشراق»، وصل فيه حدَّ الهجوم الحاد على أصول ومرجعيات الحداثة والدفاع عن تقليد أخلاقي مناوئ لها. ما تتعين ملاحظته هنا هو أن نقد المركزية الغربية، الذي تعجّ به الكتابات العربية السيارة، هو في غالبه من نتاج الكتاب والفلاسفة الغربيين نفسهم، الذين دأبوا منذ القرن التاسع عشر على المراجعة النقدية المستمرة لمسار التحديث والتنوير.
والواقع أن الغرب لم ينتج ديناميكيةً حداثيةً واحدةً، بل إن مشروع التحديث طُرح منذ بدايته في صيغة استقطابية بين اتجاهات متمايزة: الذاتية المفكرة والتجريبية الواقعية، السيادة الإطلاقية والإرادة المشتركة، الأمة العضوية والمجموعة المدنية، عدالة الاستحقاق وعدالة المساواة.. إلخ. وقد طبعت هذه الديناميكيةُ الاستقطابيةُ التحولاتِ المجتمعية والفكرية في الغرب الحديث، وانعكست في الاتجاهات الأيديولوجية المتصارعة: الثنائية المحافظة والتقدمية التي تخترق التمييزات التقليدية بين اليمين واليسار.
ما حدث في السنوات الأخيرة هو أن هذا النقاش الذي كان يدور في الأروقة الفلسفية المتخصصة، انتقل إلى الفضاء السياسي العام، وأصبح يتحدد وفق سؤال الهوية الحضارية الطاغي اليوم على الحقل الأيديولوجي، بانبثاق كتلتين متعارضتين: تتشبث إحداهما بالطابع الكوني الإنساني للحداثة الغربية، وتُحوِّل الأخرى الغربَ إلى تقليد حضاري وثقافي خصوصي متميز وممتد عبر التاريخ.
*أكاديمي موريتاني










