أيامي مع الشعر (4).. مع أبي زيد والعلوج

سبت, 09/17/2022 - 00:03

 

8/9/2022

 

 

الكاتب: تعاملت مع مقامات الحريري في الحقبة المبكرة من حياتي باعتبارها مجرد نص أدبي خيالي، غايته بناء الرصيد اللغوي، وتهذيب الحاسة الأدبية (الصحافة الأجنبية)

وعودا إلى مقامات الحريري أقول: إن هذه المقامات ليست مجرد نص لغوي أو أدبي، بل هي وثيقة حضارية مشحونة بالدلالات الثقافية والتاريخية، كما أنها من أكثر النصوص تعبيرا عن وحدة الفضاء الحضاري الإسلامي، ويكفي أن يتنقل القارئ مع الحريري بين الحواضر الإسلامية العريقة، التي سمّى بها أغلب مقاماته، ليدرك الوحدة العضوية بين شعوب الحضارة الإسلامية.

وقد سمى الحريري بعض مقاماته على حواضر حجازية (المقامة المكية والطيبية)، ويمنية (المقامة الصنعانية، والزبيدية، والصعدية)، وشامية (المقامة الدمشقية، والحلبية، والمعرية)، ومصرية (المقامة الإسكندرانية، والدمياطية، والحلوانية)، وعراقية (المقامة البصرية، والكوفية، والسنجارية)، وأناضولية (المقامة الفارقية، والنصيبية). ولم يقف الحريري عند قلب العالم الإسلامي، بل توسع إلى مناطق أخرى، فكتب مقامات عن الري، وشيراز، وسمرقند، والمغرب، وغير ذلك من حواضر الإسلام وأقاليمه.

وفي المقامة الإسكندرانية ألمح الحريري على لسان راوي المقامات الحارث بن همام، إلى أنه طاف العالم الإسلامي كله: "طحا بي مرح الشباب، وهوى الاكتساب، إلى أن جبت ما بين فرغانة وغانة"[1]. وتكاد "فرغانة" و"غانة" تطابقان حدود العالم الإسلامي آنذاك من الشرق إلى الغرب، وتكادان تطابقان حدوده اليوم أيضا، كما لاحظ عالم الجغرافيا السياسية المصري جمال حمدان[2]، ففرغانة توجد الآن في جمهورية أوزبكستان، أما غانة فليس المقصود بها على لسان الحريري جمهورية "غانا" المعاصرة التي ورثت اسمها، بل سلطنة غانة الإسلامية البائدة، التي توجد أطلال عاصمتها "كومبي صالح" اليوم في جنوب شرق موريتانيا، حيث ولدت ونشأت.

وكانت سلطنة غانة تنبض بالحياة التجارية والثقافية في أيام الحريري، نهاية القرن الخامس الهجري وبداية القرن السادس، وعنها يقول الشريشي شارح المقامات: "وغانة بلد مملكة السودان، وانتشر الإسلام في أهلها، وبها مدارس للعلم. وبها من تجار المغرب كثير، يدخلون التجارة، فيصيبون الخصب والأمن وكثرة المتاجر"[3].

أصبحت مقامات الحريري مصدر شهرة لبلدة سروج، ولذلك نجد الجغرافي الكبير ياقوت الحموي يكتب عنها: "سروج: فعول، بفتح أوله، من السرج… وهي التي يعيد الحريري في ذكرها ويبدي في مقاماته

على أني تعاملت مع مقامات الحريري في تلك الحقبة المبكرة من حياتي باعتبارها مجرد نص أدبي خيالي، غايته بناء الرصيد اللغوي، وتهذيب الحاسة الأدبية. ولم أكتشف بعض الدلالات التاريخية لمقامات الحريري إلا بعد ذلك بأعوام مديدة، وأنا أدرس تاريخ الأديان بجامعة تكساس في الولايات المتحدة، حيث بدأت تتردد أسماء مدن وبلدات من الأناضول والشام والعراق والجزيرة على لسان أستاذي الأميركي لتاريخ الحروب الصليبية الدكتور جون هاو. ومن هذه البلدات "الرها" التي يسمونها بالإنجليزية "أديسا" -وكانت مقر أول إمارة صليبية أسسها الغزاة- و"سروج" البلدة القريبة منها، وهي مسقط رأس أبي زيد السروجي بطل المقامات.

وقد أصبحت مقامات الحريري مصدر شهرة لبلدة سروج، ولذلك نجد الجغرافي الكبير ياقوت الحموي يكتب عنها: "سروج: فعول، بفتح أوله، من السرج… وهي بلدة قريبة من حران من ديار مضر… غلب عياض بن غنم على أرضها، ثم فتحها صلحا على مثل صلح الرها في سنة 17 في أيام عمر رضي الله عنه، وهي التي يعيد الحريري في ذكرها ويبدي في مقاماته"[4].

ففي أروقة جامعة تكساس بدأت أفكر في الدلالات التاريخية لنصوص الحريري العالقة بذهني منذ أيام الصبا، وأتذكر الشكوى المريرة المترددة على لسان أبي زيد من "الأعادي" الذين أخرجوه من بلدته الجميلة الوادعة سروج، فتركوا في نفسه ألما ممضا، وغصة دائمة، يقول الحريري في المقامة المكية على لسان أبي زيد السروجي:

سَروجُ داري ولكِـنْ .. كيفَ السّبيلُ إلَـيْهـا

وقدْ أنـاخَ الأعـادي .. بها وأخْنَوْا علَـيْهـا

فوالّتي سِرْتُ أبْغـي .. حَطّ الذُنوبِ لـدَيْهـا

ما راقَ طرْفيَ شيءٌ .. مُذْ غِبتُ عنْ طرَفَيْها[5]

وفي المقامة الملطية يجدد أبو زيد شوقه إلى موطنه سروج، ويشكو فقدان بهجة الحياة منذ أن اضطر إلى هجرها:

كلُّ شِعْبٍ ليَ شِعْبُ .. وبهِ رَبْعيَ رحْبُ

غيرَ أنّي بسَروجٍ .. مُستَهامُ القلْبِ صَبّ

هيَ أرضي البِكرُ والج .. وُّ الذي فيهِ المَهَبّ

وإلى روضَتِها الغنّا .. ء دونَ الرّوضِ أصْبو

ما حَلا لي بعْدَها حُلْ .. وٌ ولا اعْذَوْذَبَ عذْبُ[6]

وفي المقامة النجرانية يتردد صدى الحنين إلى سروج، والبكاء على مراتع الصبا ومغاني الشباب في ربوعها:

سَروجُ مطْلِعُ شمْسي .. وربْعُ لَهْوي وأُنسي

لكِنْ حُرِمْتُ نَعيمي .. بها ولَذةَ نفْسي

واعْتَضْتُ عنها اغْتِرابًا .. أمَرَّ يومي وأمْسي[7]

ولم يصرح الحريري بهوية "الأعادي" الذين هجروا بطله أبا زيد السروجي من بلدته الجميلة إلا في المقامة الصورية -نسبة إلى مدينة صور- حيث تبين أن هؤلاء الأعادي هم "العلوج"، أي الفرنجة الصليبيون الذين اجتاحوا قلب العالم الإسلامي في عاصفة دموية، في ختام القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وسيطروا على مدينة الرها عام 1097م، فأسسوا فيها أولى إماراتهم الصليبية الأربع: إمارة الرها، ثم إمارة أنطاكية، ومملكة بيت المقدس، وإمارة طرابلس.

وكان الحريري معاصرا لتلك الهجمات الدموية، فهؤلاء الفرنجة الصليبيون هم "العلوج" الذين "زحزحوا" أبا زيد من بلدته الجميلة سروج، وهجّروه منها قسرا، مثله مثل الآلاف من المسلمين الذين تعرضوا للمذابح والتهجير على أيديهم. يقول الحريري في المقامة الصورية على لسان أبي زيد السروجي:

مَسقَطُ الرّأسِ سَروجُ .. وبها كنـتُ أمـوجُ

ورِدْها منْ سَلسَبـيلٍ .. وصحارِيها مُـروجُ

حبّـذا نـفْـحَةُ ريّا .. ها ومَرآها البَهـيجُ

وأزاهـيرُ رُبـاهـا .. حينَ تنْجابُ الثّلـوجُ

ولمَنْ ينْزاحُ عنـهـا .. زفَـراتٌ ونـشـيجُ

مثلُ ما لاقَيتُ مُذْ زَحْـ .. زَحَني عنْها العُلوجُ[8]

فمنطقة الجزيرة الواقعة بين نهري دجلة والفرات -ومن بلداتها الرها وسروج- كانت منطقة احتكاك حربي بين العالم الإسلامي والدولة البيزنطية، ومن ورائها أوروبا المسيحية. ومن الواضح أن الحريري كان واعيا بالمعاناة المزدوجة التي عاشها مسلمو تلك الثغور في أيامه، على أيدي الروم البيزنطيين، وعلى أيدي الفرنجة الصليبيين.

ومثله الشريشي شارح المقامات، الذي كتب في تعريفه بسروج: "وسروج هذه بلد بقرى وعمارات، وهي من بلاد الجزيرة وكورها المشهورة. والجزيرة انقسمت قسمين: ديار ربيعة وديار مضر، وسروج من كور ديار مضر، وهي ثغرية، إذا كان للمسلمين قوة يملكونها، وإذا ضعفوا غلبهم الروم عليها، وهي كثيرة الثلج والبرد"[9].

لا تزال بلدة سروج تتمتع ببقايا من طبيعتها الخلابة التي وصفها الحريري في شعره، وهي إلى ذلك مشهورة اليوم بولع أهلها بتربية الخيول العربية الأصيلة

ومما يدل على الوعي السياسي لدى الحريري، وعلى براعته السردية أيضا، أنه ضمن آخر مقاماته -وهي المقامة البصرية- قصة ركب مسافرين "حكوا أنهم ألموا بسروج، بعد أن فارقها العلوج، فرأوا أبا زيدها المعروف، قد لبس الصوف، وأم الصفوف، وصار بها الزاهد الموصوف"[10].

وهنا إشارة إلى استعادة مدينة الرها وبلدة سروج من أيدي الصليبيين على يد القائد المجاهد عماد الدين زنكي (478-541هـ/ 1085-1146م). وكانت استعادة الرها وسروج عام 1144م، بعد وفاة الحريري بـ12 عاما، ويبدو أن استعادتهما كانت أمنية في قلبه فحولها إلى حقيقة أدبية. وهكذا ختم الحريري مقاماته ختاما سعيدا، حيث أعلن توبة أبي زيد من فتكاته وتهتكاته، وطرد "العلوج" الصليبيين من سروج في آخر مقامة له، رغم أنه مات قبل تحريرها بأعوام عديدة.

ولا تزال بلدة سروج تتمتع ببقايا من طبيعتها الخلابة التي وصفها الحريري في شعره، وهي إلى ذلك مشهورة اليوم بولع أهلها بتربية الخيول العربية الأصيلة، وتقع على الحدود بين تركيا وسوريا، ضمن محافظة "شانلي أورفة" التركية. وأورفة هي المكافئ التركي للاسم العربي الرها.

وقد زرت بلدة سروج بجنوب شرق تركيا في 1 يونيو/حزيران 2021، وأنا أكتب قصة "أيامي مع الشعر" هذه، وقرأت فيها بعض الأشعار التي نظمها الحريري على لسان أبي زيد السروجي، وذلك إكراما لذكرى الوالد الكريم -رحمه الله- الذي درسني مقامات الحريري في أيام الصبا، فكانت تلك إحدى أفضاله عليّ، في بناء رصيدي اللغوي، وتنمية حاستي الأدبية، وتعميق إدراكي لوحدة الفضاء الحضاري الإسلامي، وتلمس جوانب من آلامه وآماله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع

  • [1] انظر الشريشي: شرح مقامات الحريري، 1/ 232.
  • [2] جمال حمدان: العالم الإسلامي المعاصر/ 15، عالم الكتب، القاهرة، 1971.
  • [3] الشريشي: شرح مقامات الحريري 1/ 233.
  • [4] ياقوت الحموي: معجم البلدان 3/ 216، دار صادر، بيروت، 1995. وعياض بن غنم أحد أجواد الصحابة السابقين وشجعانهم، شهد بدرا وأحدا والخندق وغيرها، وهو فاتح إقليم الجزيرة الفراتية بما فيه "سروج"، وكان يلقب "زاد الراكب" لكرمه. انظر ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة 7/ 582، دار هجر، القاهرة، 2008.
  • [5] انظر الشريشي: شرح مقامات الحريري، 1/ 404.
  • [6] انظر السابق 3/ 77.
  • [7] انظر الشريشي: شرح مقامات الحريري، 5/ 75.
  • [8] انظر السابق 2/ 403.
  • [9] انظر الشريشي: شرح مقامات الحريري، 2/ 404.
  • [10] انظر السابق 3/ 471.

 

المصدر: الجزيرة نت