بين جدران التاريخ

ثلاثاء, 09/01/2026 - 06:34

أطويلت لعمر بوعبيد

 

 

رحلة إلى قلب القاهرة في الدورة 63 لاتحاد الصحفيين الأفارقة - سلسلة مقالات -

الجزء الثاني: الأهرام... عندما يصبح الحبر ذاكرة

ثمة أماكن لا تدخلها بقدميك فقط، بل تدخلها بذاكرتك.

وأماكن لا تقرأ فيها الخبر، بل تقرأ فيها الزمن نفسه.

مقر جريدة الأهرام واحد من تلك الأماكن.

وقفنا أمام بوابته العريقة في شارع الجلاء، فشعرنا أننا على وشك عبور بوابة 150 عاماً من الكتابة.

هنا لم تُطبع أخبار فقط.

هنا صِيغ وعي أمة، وسُجلت انتصاراتها وهزائمها، وضحكاتها ودموعها.

مررنا على مكتب التحرير.

لا ضجيج، بل إيقاع.

إيقاع أصابع على لوحات المفاتيح، وإيقاع عقارب الساعة التي تسبق الطبعة.

هنا لا يُكتب الخبر. هنا يُنتخب من بين آلاف الأحداث ما يستحق أن يبقى.

سألت نفسي: ما الفرق بين الحدث والتاريخ؟

كان الجواب أمامي: التحرير.

مررنا على اللوحات والصور المرصوصة على طول الجدران.

وجوه، توقيعات، مانشيتات صفراء.

صور لنجيب محفوظ، لهيكل، لأم كلثوم، لمحمد عبد الوهاب، لرؤساء وملوك، ولحظات حرب وسلام.

كل متر في الممر كان متحفا، وقفنا، تأملنا، وتصورنا.

كأننا نحاول أن نعيش معهم قرنا ونصف قرن في ربع ساعة.

أدركت حينها حقيقة أن الصحافة ليست مجرد مهنة. الصحافة هي الشاهد الذي لا يموت.

مررنا على الأرشيف، رائحة الورق القديم ثقيلة كاعتراف.

أعداد تحمل تواريخ لا تُنسى. حرب، نصر، هزيمة، ومصالحة.

لم نكن نبحث عن الماضي هناك بل الماضي هو الذي كان يبحث عنا ليمنحنا شرعية الحاضر.

ثم مررنا على المكتبة، كتب تصطف كجنود تحرس المعنى.

زرنا بعد ذلك مقر جريدة إيبدو..

حيث لغة أخرى، ساخرة، سريعة، شبابية.

كأن الأهرام تقول لنا: "أنا الجدة، وهذه هي الحفيدة".

يجب أن نتجدد دائما لكي نواكب العصر.

وختمنا الرحلة بمقابلة رئيس مجلس إدارة الجريدة وتصورنا معه.

لم يحدثنا عن الأرقام ولا عن التوزيع. حدثنا عن "الكلمة كأمانة".

عن كيف تصمد مؤسسة قرناً ونصف قرن لأنها اختارت أن تكون مرآة للواقع.

لم تكن الصورة تذكارا فقط، بل كانت شاهدا على وجودنا هنا يوما ما.

خرجنا وفي أيدينا جرائد، وفي عقولنا يقين:

مادام الحبر يكتب، فالتاريخ لن يُنسى.

ومن يكتب التاريخ، هو من يفهمه أولاً.