
ديوان المختار السالم يستعيد التاريخ والذاكرة والمرجعيات الدينية، ويجعل الشعر مساحة لمواجهة المأساة وصناعة المعنى
شاعر تلقائي حدّ الألفة ومفاجِئ حدّ الغرابة
صدر ديوان «السباء» للشاعر الشنقيطي المختار السالم، في 254 صفحة، عن منشورات الشاعرة خديجة عبد الحي، بالشراكة مع اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، والمنتدى الموريتاني للأدب واللغة والثقافة، وصالون مامون الشعري، ومجموعة سدنة الحرف الأدبية والثقافية، ليشكل إضافة فريدة ومهمة في فضاء الشعر العربي المعاصر.
يتألف هذا الديوان من قصيدة واحدة طويلة، تكشف بجرأة عن وجع الأمة العربية في زمن تزداد فيه الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي الوقت ذاته تمسكها بالأمل والحب والحياة، رغم قسوة الواقع.
مناورة القارئ
جاءت مقدمة الديوان التي كتبها الصديق الكاتب والباحث المغاربي بدي المرابطي في شكل رسالة كان قد أجاب بها بدي صديقه المختار السالم كتعقيب، حيث بعث له الأخير رسالة كبيان شعري مرفقة بمسودة ديوانه (الرسالتان منشورتان في مستهل الكتاب).
كتب المرابطي: «شكرًا على رسالتك وعلى قصيدتك السالميتين. ولعلي، بدوري، انطلاقًا مما ذكرتَ، أستعيد هنا طقوسيًا، وإن بتصرف عرضي، الصيغة الأدورنوية الشهيرة والمستهلكة منذ عقود حد الإفراط: هل ما تزال كتابة الشعر عملًا همجيًا؟ أعرف أنك تتفق معي، وفي كل الأحوال، نظرًا وعملًا، أنه من حيث هو عمل إبداعي، لا يكون الشعر شعرًا ما لم يتجاوز ما كان إلى ما يكون، إلى ما يستحيل في بادئ الرأي أن يكون".
جلية هي دلالة هذه الإحالة إلى عبارة الفيلسوف الألماني ثيودور أدرنو الشهيرة التي كتبها غداة الحرب العالمية ومجازرها المرعبة: «إن كتابة الشعر بعد أوشفيتز عمل همجي». العبارة واضحة: كتابة الشعر بعد هذه المجازر والحروب والمآسي الإنسانية الراهنة المذهلة هي عمل ربما أشد همجية.
لذلك يتساءل بدي المرابطي في آخر رسالته: «هل تجوز كتابة الشعر بعد كل هذه الفظائع التي ألغت الإنسان بما هو إنسان وتبعًا لذلك ألغت لغته؟ كأنّ اللغة لم تعد قادرة على أن تقول أشياء، بل رمت التصور والكلمة في حفرتي الصمت والهذيان. هذه المأساة عظمى، وامِّحاء الإنسان والإنسانية بهذا المستوى الفلكي يستتبع لزومًا امحاء اللغة لصالح التافه والمبتذل، لصالح اللامعنى والهمجية. تبدو من جديد اللغة حرة أن تغتسل في نهر ما بعد هيرقليطسي لا مرتين بل مرات: كتابة الشعر بعد هذه الحروب عمل همجي".
وذلك بعد أن ميز عددًا من الميزات الإبداعية لديوان المختار السالم: «هذه القصيدة بصياغة جملتها وبتشكل بنائها تبدو تزامنيًا تلقائية حتى الألفة ومفاجِئةً حتى الغرابة، إنها تُناورُ مع مألوف القارئ كي تمنحه ما لم يألف، وهي لذلك تستنفر الموسيقى، كي تُؤثث الحروف والكلمات للصور والمجاز. تأتي الجمل الشعرية كأنها أمثلة سائرة، كأنها حكم محايدة، وذلك طريقها للتطبيع المناور مع القارئ كي يقبل المغامرة. والألم الذي تحمله الكلمات إيقاعًا وصورًا، يحمل معه الوضوح الغامض كوعدٍ جمالي، كدعوة إلى قراءة مبدعة يصاحب فيها فعل القراءة فعل الخلق بما هو فعل تجاوزٍ، يسمحُ قطيعة بعد أخرى بدفع أفق المستحيل في كل مرة إلى أقاصي أبعدَ مما كان".
يرصد الشاعر المختار السالم واقع منطقتنا كما هو، بلا رتوش أو تزويق، بلغة شعرية حادة نابضة بالحزن واللوعة، تعكس صراعات سياسية واجتماعية وإنسانية عميقة. ويتجلى ذلك في أبيات تنطق بالحقيقة المرة: ومن يسفكون الدم منكرًا/ أفي الأرض عفّ الغراب؟/ وما زالت الناس ترتكب المنكر/ ما زالت الناس ترفض أن تغفر.
يطرح المختار السالم تساؤلًا وجوديًا عن العنف المارق الذي يهدد الأرض، وعن أخطاء البشرية المتكررة التي لا تنتهي، مجسدًا مأساة بلا غفران أو مصالحة. تشبيه الأرض بالغراب، الرمز الذي يحمل الموت والشر في كثير من الثقافات، يعكس هشاشة السلام وانتهاك القداسة، جامعًا بين الصور القاتمة للتراجيديا الإنسانية التي تعيشها الأوطان.
عمل إبداعي متكامل
يخط الشاعر رحلة عبر أزمنة المغرب والعرب عمومًا، من عصر المرابطين وصحاري الوطن، حتى الأندلس التي يمثلها كرمز لأحد أزهى العصور، حيث تنعم الإنسانية بالصدق، وتعيش في وئام إنساني وحرية فكرية وازدهار حضاري نادر.
هذه الاستعادة ليست ترنيمة للماضي فحسب، بل دعوة لاستلهام دروسه وفرصه، خاصة حين يمتزج الحزن على واقع الأمة بالرجاء في الخلاص والنهضة.
يعتمد الديوان على شكل قصيدة واحدة طويلة، ليست إلياذة بحجمها، ولا مجموعة قصائد منفصلة، بل تجسيد متكامل لتجربة الإنسان العربي بكل أبعاده الروحية والسياسية والاجتماعية. يكرس هذا الأسلوب التمسك باللغة الشعرية الأصيلة وموضوعاتها الشاملة، مما يمنح النص حياة تنبض، ويقود القارئ عبر مشاهد مختلفة تتماهى فيها آلام وآمال الواقع العربي.
يتجلى في «السباء» تناص شعري مع آيات القرآن الكريم، مضيفًا عمقًا روحانيًا وقوةً تعبيرية عالية، كما في قوله: أقمت الجدار، قتلت الغلام، خرقت السفينة فجرًا.
تختزل هذه الصور صراعات الإنسان العربي الراهنة، متماهية مع محطات الرحلات والمحن التي وردت في النصوص الدينية، متجددة لتواكب قسوة العصر من سجون ومجازر وقمع. التناص هنا ليس مجاملة، بل أداة فنية تضفي على الرسالة إيقاعًا مهيبًا، حيث يتداخل الدين والتاريخ مع سياسة الواقع.
رسالة حب وألم وأمل
في زخم الألم، لا ينسى الكتاب الشعري توجيه نداء حب وأمل، إذ يحيي المختار السالم الشعراء الذين يعشقون في الدموع والحزن، ويعلن أن الحقيقة لا تمنع الشعر من الازدهار، ولا تمنع النبات من التفتح في الصخر: سلام على الشعراء الذين يحبون في الدمع أهلًا/ وفي الأهلين أهلًا/ سلام على الشعراء الذين يقولون إن الحقيقة لا تمنع/ الصخر أن يزهر،/ ولا تمنع العشب أن يزهر حتى في الصخر".
تشدد هذه الأبيات على قوة الأمل والقدرة على التجدد رغم مراوحة الحقيقة القاسية، مؤمنة بأن الشعر يبقى طاقة خلّاقة تتحدى المآسي، وأن الحياة والفن يزهران حتى في أصعب الظروف.
يشدد المختار السالم على أن القصيدة لا تستكمل فعلها إلا حين يقرأها قارئ مبدع يشغل خياله وتأثيره، مانحًا الشعر بعدًا فاعلًا يتجاوز مجرد الإعجاب السطحي.
يقول: «القصيدة، بوعيها وإبداعها، تمنح نفسها لقارئ يحول إمكاناتها من قوة كامنة إلى فعل حي». تبين هذه الرؤية علاقة الشاعر بالنص والقارئ كحوار مستمر، حيث يتبلور النص عبر حسٍ شعري وعقليّ للقارئ.
ويصور الشاعر الصمت الغامض الذي يلف الواقع العربي كقوة قابلة للتشكّل تؤثر في أسلحتهم وحضورهم: وقد لقّح الصمت أسيافنا.../ فلا تلبسوا ما «تلبنن» أو ما "تصومل" أو ما "تعرقن" إلا بحلم/ فلا يؤلم الجرح من أجل حلم/ ولا يبعد الحق ما شنع.
يحذر الشاعر من ضرورة أن يتسلح الأمل والحلم في مواجهة الجراح، لأنهما يمنحانها معنى ويدافعان عن الحق في وجه الباطل.
ثم يرسم مشهدًا مأسويًا من المواجهات، خاصة في غزة، حيث يتناقض احتفال بعض الناس مع مآسي الأطفال الأبرياء: أرى القوم يبنون حاناتهم راقصين على صوت ما كسّرته/ العدى من عظام أطفال غزة... صوت انكسار تلك العظام،/ وتحت الركام،/ مصاب، مصاب، مصاب وإن مصيبتهم لا تهون؟/ ولا شيء عندي يعبّر عن حجمها مهما كان.
تنكشف هنا شدة الألم، وعمق المأساة التي لا يقدر على وصفها إلا الألم نفسه، كصرخة لن تكف حتى يتحقق التغيير.
لذا يفيئ ديوان «السباء» للمختار السالم شهادة شعرية حية على وجع الأمة العربية، صرخة صادقة تتحدى الألم، وتمنح الأمل فرصة للنمو رغم القسوة والاحتضار. إنه عمل إبداعي يدمج بين نبض التراث وزخم الحداثة، بين اللغة الكلاسيكية وفكر الحاضر، ليؤكد أن الشعرية ليست فقط عاكسة للواقع، بل قوة تغير وتفتح آفاقًا جديدة للإنسان. في هذا الديوان، يتحول الألم إلى مصدر إلهام، والانكسار إلى عزيمة، وتصبح القصيدة دعوة صادقة لكل قارئ ليصبح شريكًا فاعلًا في صناعة المعنى، ومرافئ للحلم في عالم يئن من الجراح.
الديوان قصيدة واحدة طويلة، ليست إلياذة بحجمها، ولا مجموعة قصائد منفصلة، بل تجسيد متكامل لتجربة الإنسان العربي
كاتب جزائري









