إعلان

من "آرغين" إلى "اللوفر".. قصة «طوف الميدوز» الشهيرة قبالة سواحل موريتانيا؟

ثلاثاء, 09/29/2026 - 13:04

 يعرف ملايين الزوار في متحف اللوفر لوحة «طوف الميدوز» للفنان الفرنسي تيودور جيريكو، إحدى أشهر لوحات القرن التاسع عشر وأكثرها إثارة. لكن ما قد يكون أقل حضورًا في الذاكرة الموريتانية هو أن المأساة التي صنعت هذه اللوحة العالمية بدأت، في الثاني من يوليو 1816، في منطقة حوض آرغين قبالة سواحل موريتانيا الحالية.
كانت فرنسا الخارجة حديثًا من الحقبة النابليونية تستعد لاستعادة مراكزها في السنغال من بريطانيا. وفي 17 يونيو 1816 غادرت مجموعة من السفن العسكرية جزيرة إيكس الفرنسية متجهة إلى سان لويس، وعلى متنها الحاكم الجديد وموظفون وعسكريون وعلماء ومستعمرون.
وضمت القافلة الفرقاطة «لا ميدوز» (La Méduse) بقيادة هوغ دوروا دو شوماري، إلى جانب ثلاث سفن أخرى. وكان على متن البعثة نحو 392 شخصًا.
لكن «الميدوز» انفصلت تدريجيًا عن بقية القافلة، ودخلت منطقة حوض آرغين المعروفة تاريخيًا بصعوبة الملاحة وكثرة المياه الضحلة، قبل أن ترتطم بقاع رملي على بعد نحو 50 كيلومترًا من الساحل.
وبعد فشل محاولات تعويم الفرقاطة، بدأت عملية الإخلاء. ولم تكن قوارب النجاة كافية لاستيعاب الجميع، فصُنع طوف ضخم على عجل من أجزاء السفينة، وصعد إليه نحو 150 شخصًا، بينما استقل الآخرون القوارب.
وكان من المفترض أن تسحب القوارب الطوف نحو الساحل، إلا أن الحبال التي تربطه بها قُطعت، ليجد ركابه أنفسهم وحيدين وسط المحيط.
وبعد نحو 12 يومًا من الانجراف، لم يكن على الطوف عندما عثرت عليه سفينة «الأرغوس» سوى 15 شخصًا على قيد الحياة.
وخلال تلك الأيام، أدى الجوع والعطش والإصابات والاقتتال واليأس إلى موت معظم الموجودين على الطوف، فيما تشير شهادات محفوظة في الأرشيفات الفرنسية إلى أن الناجين اضطروا في مرحلة من الرحلة إلى أكل لحوم الموتى للبقاء على قيد الحياة.

ولم تنته القصة بإنقاذ الناجين.
فقد تحولت الكارثة في فرنسا إلى فضيحة سياسية وعسكرية، وأصبحت موضوعًا لمحاكمة وتحقيقات واسعة، ولا تزال الأرشيفات العسكرية الفرنسية تحتفظ بتقارير القبطان وشهادات الناجين وقوائم الضحايا ووثائق المحاكمة.
ومن بين هذه الوثائق تقرير الطبيب البحري هنري سافيني، أحد الناجين من الطوف، إلى جانب روايات أخرى وثقت ما عاشه الركاب على الطوف وما جرى بعد وصول بعضهم إلى الساحل الإفريقي.

من مأساة موريتانية المكان إلى تحفة عالمية

بعد عامين تقريبًا، بدأ الرسام الفرنسي تيودور جيريكو العمل على تحويل المأساة إلى لوحة ضخمة. التقى بعض الناجين ودرس رواياتهم، قبل أن يقدم عمله في صالون باريس سنة 1819.
وتبلغ أبعاد اللوحة نحو 4.91 أمتار ارتفاعًا و7.16 أمتار عرضًا، وأصبحت لاحقًا واحدة من أشهر أعمال المدرسة الرومانسية الفرنسية، وهي معروضة اليوم في متحف اللوفر.
وتكمن المفارقة في أن اللوحة التي يعرفها العالم بوصفها رمزًا فنيًا فرنسيًا شهيرًا، تستند في أصلها إلى مأساة وقعت في حوض آرغين قبالة الساحل الموريتاني.

ماذا بقي من «الميدوز»؟
ظل مكان حطام السفينة محل اهتمام الباحثين لعقود. وفي ديسمبر 1980 عُثر قبالة الساحل الموريتاني على حطام قديم احتوى على مدافع وقطع معدنية تتطابق مع خصائص الفرقاطة، ورُجّح أن يكون من بقايا «الميدوز»، مع بقاء التحفظ العلمي في تحديده بصورة قاطعة.
وهكذا تكتمل دائرة قصة استثنائية: سفينة فرنسية جنحت في حوض آرغين سنة 1816، فتحولت كارثتها إلى قضية سياسية ومحاكمة عسكرية، ثم إلى شهادات وكتب، وبعد ذلك إلى لوحة أصبحت من أشهر صور الفن الأوروبي.
لكن خلف كل ذلك تبقى حقيقة جغرافية بسيطة كثيرًا ما تضيع في السرد العالمي للقصة:
مأساة «طوف الميدوز» بدأت قبالة سواحل موريتانيا، في حوض آرغين، قبل أن تنتقل من البحر إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى جدران اللوفر.

مولاي سيد احمد