إعلان

رحيل "حارس المعبد": الشيخ حاميدو كان، والمغامرة التي لم تعد غامضة

اثنين, 10/05/2026 - 15:01

 محمد السالك ولد إبراهيم

 

برحيل الكاتب والمفكر ورجل الدولة السنغالي، الشيخ حاميدو كان، (1928-2026) عن عمر ناهز 98 عاماً، يُودع الفضاء الثقافي الإفريقي والإسلامي قامة سامقة من سدنته، وشاهداً استثنائياً على تحولات قارة بأكملها.

 في الحقيقة، لم يكن الراحل مجرد روائي عابر، بل كان مفكراً استراتيجياً وضميراً حيا يعبر عن القلق الوجودي للإنسان الإفريقي في مواجهة أسئلة الحداثة في مرحلة مبكرة من ستينيات القرن الماضي. نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته.

في تأبين هذه الشخصية المحورية، نقف اليوم، أمام سيرة تتداخل فيها مسارات الإدارة والدبلوماسية مع عمق التأمل الفلسفي والإبداع الأدبي.

الجذور والميزات الشخصية والمهنية:

ينحدر الشيخ حاميدو كان، من عمق الثقافة الفولانية (الهالپولار)، حاملاً معه إرثاً روحياً صوفياً يتسم بالزهد والاعتزاز بالهوية. وقد تجسدت ميزاته الشخصية في هدوء الحكماء، ورصانة المفكرين، والقدرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح.

أما مهنياً، فقد عاش الراحل حياة مزدوجة شديدة الثراء؛ فقد كان تكنوقراطياً بارعاً ورجل دولة تقلد مناصب وزارية وإدارية عليا في السنغال، مساهماً في بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال. لكن هذه المشاغل الإدارية والسياسية لم تطمس روحه الوثابة ولم تطمر قدراته الإبداعية، بل منحته رؤية بانورامية لواقع المجتمعات الإفريقية، مما جعل أدبه مرآة عاكسة لتجربة سياسية واجتماعية حية، وليس مجرد تنظير مجرد.

الأثر الأدبي.. صراع المعرفة والروح:

ورغم قلة الإنتاج الكمي للشيخ حاميدو كان ، إلا أن الكيف كان كافياً لتخليد اسمه في صدارة الأدب الفرانكفوني والعالمي.

وقد كانت البداية السردية مع رائعته المغامرة الغامضة (L'Aventure ambiguë) - المنشورة عام 1961، والتي تعتبر وثيقة فلسفية وابستمولوجية عميقة. لقد جسد الكاتبُ من خلال شخصية "صمبا ديالو" (بطل الرواية) ذلك الصدام المروع بين اليقين الروحي الذي يمثله "شيخ الديالوبي" (المدرسة القرآنية التقليدية)، وبين العقلانية المادية النفعية التي تفرضها المدرسة الغربية الإستعمارية. إنها ليست مجرد رواية عن الاستعمار، بل هي دراسة في "تمزق الوعي" وأزمة الهوية، حيث يقفُ الإنسان حائراً بين فضاء يمنحه السكينة الروحية ولكنه يفتقر إلى القوة المادية، وفضاء يمنحه أدوات السيطرة على الطبيعة ولكنه يسلبه روحه.

ثم جاءت روايتُه  "حراس المعبد"  (Les Gardiens du temple) عام 1995،  بعد عقود طويلة لتكمل المسار، وتطرح أسئلة حول مآلات الدولة الوطنية الإفريقية بعد الاستقلال، ومسؤولية النخب في الحفاظ على القيم الأصيلة وسط رياح العولمة والتحولات السياسية. وإذا كانت "المغامرة الغامضة" قد تناولت الصدام الروحي والثقافي قبل الاستقلال، فإن "حراس المعبد" تغوص في مرحلة ما بعد الاستقلال في السنغال وإفريقيا. تتناول الرواية صراع الجيل الجديد (يمثله المهندس الزراعي ساليف با، والمؤرخة دابا مباي) لبناء دولة حديثة، ومحاولتهم التوفيق بين متطلبات التنمية العصرية وبين الحفاظ على الجذور والقيم الإفريقية العميقة التي يمثلها الشيوخ و"حراس المعبد" التقليديون.

 

رواية تذكّرني بروايات أخرى:

أذكر أنّ اكتشافي الأول لرواية "المغامرة الغامضة" للشيخ حاميدو كان، ارتبط بوجودها ضمن كوكبة من الأعمال القصصية والروائية الإفريقية والمغاربية التي كانت تشملها المقررات الدراسية أواخر المرحلة الإعدادية وبداية الثانوية، إبان حقبة الثمانينيات. والحقيقةُ أنني كنت أسترق مطالعة بعض تلك الأعمال خلسةً قبل بلوغي الإعدادية بوقت طويل. كانت العناوينُ كثيرةً، وغالباً ما كان أخي الأكبر يتركها متناثرة على مكتبه في البيت. وأمام حيرتي الطفولية في الاختيار، كنتُ أنساقُ أولاً وراء سحر العنوان وجاذبية الغلاف، فالتهمت قبل غيرها «الطفل الأسود» لكامارا لاي، و«تحت العاصفة» لسيدو باديان، و«حكايات أمادو كومبا» لبيراغو ديوب، و«أطراف خشب الرّب» لعصمان صيمبين، و«ابن الفقير» لمولود فرعون، و«الماضي البسيط» لإدريس شرايبي، و«نجمة» لكاتب ياسين، و«تمثال الملح» لألبير ميمي. ولم تتوقف تلك الاختلاسات القرائية عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل روائع أوروبية طبعت تلك المرحلة؛ فعرفت طريقي إلى «جيرمينال» لإميل زولا، و«الطاعون» لألبير كامو، و«الرجل الذي يخترق الجدران» لمارسيل إيميه، و«الغثيان» لجان بول سارتر.

القيم الكونية وفلسفة الجسور المشتركة:

لقد أتيحت لي فيما بعد، إعادة قراءة "المغامرة الغامضة" للشيخ حاميدو كان،  وادركتُ أنّ السر وراء الخلود الأدبي لهذا الكاتب إنما يكمن في القيم العميقة والنبيلة التي يتقاسمها مع محيطه الإقليمي والإنساني:

 - الأمن الإنساني والروحي: انطلق الكاتب من قناعة راسخة بأن الأمن الحقيقي للمجتمعات لا يقتصر على التنمية المادية، بل يمتد لحماية الكيان الروحي والثقافي للإنسان. وقد حذر من "الاستلاب" الثقافي والفكري الذي يجعل المرء غريباً في وطنه وداخل ذاته؛

 - الحوار الثقافي المتكافئ: لم يدعُ الراحل إلى الانغلاق أو التقوقع، بل كان يؤمن بحتمية اللقاء مع "الآخر". غير أنه اشترط أن يكون هذا اللقاء تفاعلاً معرفياً لا ذوباناً، مؤسساً لدبلوماسية ثقافية تبني الجسور بين الحضارات وتحترم الخصوصيات.

 - وحدة الفضاء الساحلي-الصحراوي: من خلال انتمائه للإسلام وللثقافة الفولانية، مثّل الراحل امتداداً طبيعياً للتداخل الثقافي والتاريخي بين إفريقيا جنوب الصحراء والفضاء المغاربي والشنقيطي. إن صدى "المحظرة" وقيم أصالة البادية التي صدح بها في روايته "المغامرة الغامضة" ، تتقاطعُ بشكل عميق مع الوجدان المشترك لشعوب هذه المنطقة.

رحل الشيخ حاميدو كان، تاركاً إرثاً يذكرُنا بأنّ الثقافة هي الحصن الأخير للأمم. رحم الله الفقيد، فقد أدى الأمانة، ووثّق رحلة الروح الإفريقية في بحثها الدؤوب عن التوازن بين الأرض والسماء. إنا لله وإنا إليه راجعون.