
محمد محمود مولاي الزين
نمنا تلك الليلة نومًا يشبه الغيبوبة.
لا أحلام، لا كوابيس، فقط انقطاع مؤقت عن الألم.
كنت أسمع أصوات الغابة من حولي:
حشرات، حركات غامضة، همسات الريح بين الأشجار…
وكأن المكان يراقبنا، لا يرحّب بنا ولا يطردنا، فقط ينتظر من يسقط.
استيقظنا قبل الفجر.
الظلام ما زال كثيفًا، والبرد تسلّل إلى العظام.
أخرجت رأسي من الخيمة، فوجدت الوجوه شاحبة،
عيون مفتوحة، لكن الأرواح متعبة.
لا أحد يشتكي.
في هذا الطريق، الشكوى رفاهية.
شربنا ما تبقى من الماء.
قسّمنا القليل كأنه كثير.
قطعة خبز هنا، تمرة هناك،
وابتسامة مصطنعة لتشجيع بعضنا البعض.
تحرّكنا من جديد.
الغابة لم تنتهِ.
بل كانت أطول مما توقّعنا.
أشجار عالية تحجب السماء،
وأرض زلِقة كأنها فخّ.
في كل مرة كنت أرفع قدمي،
كنت أشعر أن الأرض تحاول ابتلاعي.
الطين يمسك الحذاء،
والجسد يصرخ بصمت.
سقطتُ مرة.
ثم مرة ثانية.
وفي الثالثة، ضحكتُ.
نعم… ضحكت.
ضحكة قصيرة، ساخرة،
ضحكة إنسان أدرك أنه لم يعد يملك شيئًا ليخسره.
قلت في نفسي:
“يا رب… حتى السقوط صار عاديًا.”
مررنا بمكان تفوح منه رائحة الموت.
لم نرَ جثثًا،
لكن الرائحة كانت كافية لتخبرنا أن غيرنا مرّ من هنا…
ولم يخرج.
أحد الشباب قال همسًا:
“اقرؤوا الفاتحة.”
قرأناها،
ومشينا.
في منتصف النهار،
بدأ التعب يظهر على الجميع.
الأقدام متورّمة،
الظهور محنية،
والصمت سيّد الموقف.
الرجل المصري المسن كان ما يزال معنا.
كنت أراقبه باستغراب.
كيف لجسد بهذا العمر
أن يصمد حيث تسقط أجساد الشباب؟
اقتربت منه،
قلت له:
“حاج… كيف ما زلت تمشي؟”
ابتسم،
وقال بهدوء:
“يا ابني… لما ما يكون عندك خيار، ربنا يعطيك قوة ما تعرفهاش.”
كلماته علّقت في رأسي.
بعد ساعات،
سمعنا صوتًا مختلفًا.
ليس صوت الغابة…
صوت محرّك.
تجمّدنا.
اختبأنا.
القلوب توقّفت.
هل هي دورية؟
هل هو الجيش؟
هل هي نهاية الطريق… أم نهايتنا؟
مرّت الدقائق كأنها ساعات.
ثم اختفى الصوت.
تنفّسنا.
أكملنا السير،
لكن الحذر تضاعف.
كل غصن مكسور
كان يبدو كفخ.
مع اقتراب المساء،
وصلنا إلى نقطة قالوا إنها “أقرب للنجاة”.
لكن النجاة هنا كلمة خادعة.
كانت هناك مجموعة أخرى.
وجوه جديدة،
قصص تشبه قصتنا،
وأعين تحمل نفس السؤال:
هل سنصل؟
تبادلنا الماء.
تبادلنا الصمت.
وفي تلك الليلة…
حدث شيء مختلف.
بينما كانت النار تشتعل بهدوء،
سمعتُ غناءً خافتًا في الظلام.
مجموعة من الشباب الأفارقة،
لم أكن أراهم بوضوح،
لكنني عرفتهم
من أصواتهم فقط.
كانوا يغنّون:
«الليلة بالليل نمشي… أنا وإنت سوا»
توقّفت.
عرفت الأغنية فورًا.
أغنية سودانية.
شعرت بمزيج غريب من الفرح والحنين،
فرح لأن الصوت مألوف،
وحنين لأيام كان الغناء فيها للحياة،
لا للهروب من الموت.
ذهبت إليهم.
جلست بجانب النار.
رحّبوا بي دون أسئلة.
أعطوني تمرًا مجففًا،
وقليلًا من اللبن المجفف،
ومعه بعض السكر.
كان طعامًا بسيطًا،
لكنه في تلك اللحظة
كان نعمة عظيمة.
جلسنا حول النار،
الجو جميل،
والغناء يخفّف ثقل الليل.
كوّنت معهم صداقة سريعة،
صداقة الطريق…
التي لا تحتاج أسماء ولا ماضٍ.
هناك،
وسط الغابة،
وسط الخوف والجوع،
تذكّرت أن الإنسان
لا يعيش بالجسد وحده،
بل بالدفء،
وبالصوت،
وبالمشاركة.
عدت إلى مكاني لاحقًا،
وقد شعرت أن قلبي أخفّ قليلًا.
قبل النوم،
أخرج أحدهم هاتفًا مكسور الشاشة.
فتح صورة طفل.
قبّلها.
وبكى.
لم أسأله.
بعض الأسئلة جريمة.
تمدّدت على الأرض.
نظرت إلى السماء من بين الأشجار.
نجوم قليلة، لكنها موجودة.
قلت في نفسي:
“ما دام في السماء نجوم…
ففي الحياة طريق.”
غمضت عيني،
ودعوت.
ليس بالوصول.
ولا بالمال.
ولا بالحلم الكبير.
دعوت فقط:
“يا رب… لا تجعل موتي هنا.”
وفي تلك الليلة،
فهمت شيئًا واحدًا:
الهجرة غير الشرعية
ليست رحلة بحث عن حياة أفضل،
بل هروب من موتٍ مؤكّد
إلى موتٍ محتمل.
ويتبع…
لأن ما بعد الغابة
لم يكن أرحم،
بل كان اختبارًا جديدًا
للقلب،
والنية،
والصبر.








