التعبير القرآني في ديوان بصمة روحي للشاعر الموريتاني أدي ولد آدب

جمعة, 09/03/2021 - 01:34

ذ- المصطفى المعطاوي

 

أولا: تقديم

أثبتنا في مقال سابق أن الأعمال الشعرية الأولى للشاعر أدي ولد آدب (رحلة الحاء والباء، وتأبط أوراقا) اعتمدت النص القرآني مرجعية فكرية ضمن مرجعيات أخرى سنبرزها في مقال لاحق. وكنا قد أبرزنا حضور التعبير القرآني من خلال توظيف العديد من الألفاظ والعبارات المستدعاة من القرآن الكريم. ويأتي هذا المقال ليتمم سابقه، مغامرا بنا في غمار الأعمال الشعرية الثانية (بصمة روحي).

إن الحديث عن ديوان "البصمة" هو حديث عن امتداد رؤيوي لـ"رحلة الحاء والباء وتأبط أوراقا"، فإذا نظرنا إلى ديوان الرحلة وجدنا أن التيمة المركزية فيه هي الحب، وأما تأبط أوراقا فيتوزع بين القضايا الوطنية والقومية في أبعادها السياسية والإنسانية، وقد تم تطعيمه ببعض الخلجات حول الإنسان والعالم والحياة وبعض الإخوانيات والمدحيات.

وإذا كنا نجد أن مثل هذه الخلجات حاضرة في البصمة، إلا أن الشاعر قد أحدث خلخلة مست الرؤية من حيث الشكل لا من حيث الجوهر، إذ نرى اختفاء تيمة الحب وتعويضها بتيمة جديدة هي الذات، في حين أن القضايا الوطنية والقومية ببعديهما السياسي والإنساني بقيت حاضرة بالقوة نفسها والطرح نفسه، تضاف إليها تلك الخلجات التي يمكن أن نعتبرها- إن صح التعبير- استراحة فنية من هموم القضايا الكبرى التي تؤرق الشاعر في التجربتين معا.

هكذا يمكن تحديد ست موضوعات(مفرد موضوعة) رئيسة في الديوان: الذات، والوطن، والعروبة، والإنسان، والعالم، وبعض الخلجات. كل هذا يعني ثبات الرؤية في التجربة الشعرية لأدي ولد آدب، ومن ثم إدخال التجربة برمتها في شعر المواقف، ولأنها كذلك فقد فرضت على الشاعر ثباتا في البناء الفني والجمالي باعتماد البيان العربي في التعبير، بعيدا عن الصور الغارقة في التجريد، وعن الرموز الموظفة لذاتها، وعن الانزياحات المرهقة، أو تلك التي توهم بالمعنى ولا تملك أية قصدية واضحة.

لقد بقي الشاعر وفيا للمعنى، وإن كان أي حديث عن التجديد فيكمن في إنتاج دلالات جديدة من خلال الصور المبتكرة، وجعل الإيقاع الشعري في خدمة الدلالة لا مجرد وعاء للإنشاد، وتوظيف الرموز لتقوية الدلالة، لذا جاءت كلها حاملة معها إيحاءاتها، وهو الأمر الذي ينطبق تماما مع توظيف التعبير القرآني، بحيث كانت خدمة الدلالة هي الهاجس الأكبر من ذلك التوظيف، غير أن النقطة المهمة في هذه المسألة هي أن عملية التوظيف لم تكن إقحاما، تماما كما هو الحال في توظيف الرمز، وإنما بديا (الرمز والتعبير الديني) جزءا من المتن الشعري، الأمر الذي يعني أنهما يشكلان مرجعية فكرية، ومن ثم يمكن اعتبارهما -إلى جانب عناصر أخرى- عنصرين من بنية المخيال الشعري عند الشاعر.

بالنسبة لتوظيف التعبير القرآني في التجربة كاملة (من الرحلة إلى البصمة مرورا بتأبط أوراقا)، يمكن أن نميز بين ثلاثة مستويات من التوظيف هي:

1- توظيف اللفظ المفرد، بحيث لا نجد قصيدة – إلا ناذرا- لم تحظ بنصيب من هذا التوظيف؛ من قبيل الروح وسدرة المنتهى والإسراء... هذا فضلا عن اسم الجلالة وصفاته وأسماء الأنبياء وغير ذلك كثير.

2- التلميح إلى الدلالة القرآنية من خلال إعادة بناء التعبير القرآني، عبر تغيير في التركيب، كتحويله من جملة فعلية إلى اسمية والعكس، أو إضافة لفظة تفصل بين أجزاء التركيب، أو حذف لفظة منه، أو استبدالها بلفظة أخرى من القرآن أو غيره، أو استدعاء لاسم سورة من سور القرآن.

3- توظيف التعبير القرآني كما ورد في القرآن الكريم.

يحذو هذا المقال حذو الأول متناولا نص بصمة روحي، لكن بالتركيز على المستوين الثاني والثالث من التوظيف، أي استدعاء التعبير القرآني إما إشارة إليه بتغيير تركيبه أو بالصيغة التي ورد عليها في الكتاب المبين، مع ملاحظة مهمة هو أن كل الموضوعات الست التي اشتغل عليها الديوان لا تخلو من هذا التوظيف في مستوى من أحد مستوياته الثلاثة.

وتناولنا للمستويين الاثنين فقط مرده إلى ثلاثة عوامل رئيسة:

الأول: أن الاستدعاء من خلال اللفظ قد تناولناه في مقال سابق.

الثاني: أن المستويين الثاني والثالث يبرزان بشكل واضح في ديوان البصمة.

الثالث: أن استدعاء التعبير القرآني من المستوى الثالث (كما ورد في الكتاب المبين) يحظى بطابع خاص، كما سنرى.

ثانيا: التعبير القرآني وإشكال التماهي مع النبوة

في تصوير الشاعر لذاته التي وثقت من أنها بلغت الحقيقة، بحيث رأت أن التعبير عن الحب هو السبيل الوحيد لخلاص الإنسانية، يوظف الشاعر لهذه الغاية قصة نوح عليه السلام، جاعلا الحب فلكه الذي ركبه والجودي الحقيقة التي تنقد البشرية من مساوئ نفسها، وقد وظف الشاعر لكل معنى عنصرا من القصة، فالبشرية تعيش أزمة قيم يمثلها في القصة الطوفان، والحب هو السبيل إلى الخلاص وتمثله في القصة الفلك، وأما الخلاص نفسه فهو الجودي. يقول الشاعر:

ضج شيطان القصائد

فار حر الحاء

بحر الباء

طوفان الرؤى

فإذا أنا

فلكي على الجودي[1]

ولعل هذا التعبير يحيلنا مباشرة – بعد تغيير في البنية التركيبية- على قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[2]﴾.

في موضوع آخر مرتبط بالذات الشاعرة، يصور الشاعر قدسية الكلمة الشعرية من خلال توظيف قصة موسى عليه السلام، وحدث خلع النعل، ذلك أن الله عز وجل أمر نبيه بخلع نعله لأنه في حضرة الإله، في إشارة إلى جلاله الذي قدس حضوره المكان. يلتقط الشاعر هذه الصورة فيسقطها على الكلمة الشعرية، ذلك أن خلع نعله يعني تقديس هذه الكلمة، في إشارة إلى أن الشعر ليس تعبيرا فنيا وجماليا غايته متعة النفوس والقلوب، وإنما هو قبل كل شيء كلمة مسؤولة، ومن ثم فهو أمانة، تماما كأمانة الرسالة، فإذا كان النبي يتلقى الوحي من الله ليبلغ رسالته المقدسة بكل أمانة، كذلك الشاعر يتلقى الإلهام من الخيال (ربات عبقر) ليوصل رسالة إلى البشرية؛ رسالة لا تختلف عن رسالة الأنبياء. يقول الشاعر:

أوا – راجلا- تطوي المدى؟

انظر عميقا

أي صعلوك أنا؟!

إني خلعت النعل

بالوادي المقدس

واتخذت الحرف:

رحلا

زورقا[3]

واضح جدا أن الشاعر استحضر حدث موسى عليه السلام بالوادي المقدس، وقد استدعى التعبير القرآني مغيرا في بنائه التركيبي؛ وهذا التعبير هو قوله عز وجل: ﴿: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾[4].

وفي تعبير عن الفرادة الشعرية، يوظف الشاعر من قصة موسى عليه السلام معجزة العصا، فكلاهما (الشاعر والنبي) وُهبا آلة الهش الفريدة؛ موسى وُهب العصا وأدي ولد آدب وهب الكلمة، وكأننا بالشاعر يرقى بكلمته نحو الدلالة على المعجزة التي هي فنيا سحرها الدلالي والجمالي. فإذا كان الله قد أفرد كل نبي بمعجزة تختلف عن معجزة نبي آخر، هي دالة على نبوته، كذلك الشاعر أفرده الله بكلمة شعرية تختلف عن أي شاعر آخر، بها يكسب فرادته بين زمرة الشعراء مثلما كسب موسى فرادته بين زمرة الأنبياء. هكذا يوازن الشاعر بين العصا والقلم من جهة، وفعل الهش والكتابة من جهة ثانية، وبين رسالة النبوة ورؤى الشاعر من جهة ثالثة. يقول الشاعر:

عني أفتش في وسع عوالمي  

ما استوحشت بكر الدروب خُطايا

مالي عصا موسى أهش بها على   

سحب الرؤى لكن لدي عصاي

قلمي الذي إن منه ندت نقطة   

فاضت حروف السحر طوع منايا

فانظر إلي بأي عيني شئتها   

أنا هكذا قد شاءني مولايا[5]

لقد استدعى الشاعر لهذه الدلالة التعبير القرآني مغيرا بنيته التركيبية، وهذا التعبير هو قوله تعالى: ﴿قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴾[6].

بطريقة الاشتغال على التعبير القرآني نفسها(تغيير البنية التركيبية)، يصور الشاعر سفره إلى المشاركة في برنامج أمير الشعراء، تماما مثل إسراء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وهي صورة طالما عبر عنها الشاعر بشكل مباشر في كتاباته؛ كونه مفردا بصيغة الجمع، أي جامعا التراث الشعري لأسرة أهل آدب، وتراث خير الشعراء العرب في كتاباته، ليس تكرارا أو إعادة إنتاج لكن تجاوزا، وتكمل هذه الصورة أنه إذا كان الشاعر كذلك، فليس بالضرورة أن يرث أحد بعده شاعريته. كل هذه المعاني نجدها في قصة الإسراء، فمحمد صلى الله عليه وسلم – كما ورد في الأثر- أَمَّ كل الأنبياء ممن سبقوه، في إشارة إلى أنه حامل رسالتهم جميعا، ولأنه إمام الأنبياء فذاك يعني أنه إمام خير البشر، ولأنه أمَّهم في القدس قادما إليها من المسجد الحرام فهذا يدل على عظمة المكانين معا، ولأنه إمامهم فهو خاتمهم إذا لا نبيا بعده، هذا فضلا عن الصورة العظيمة لهذا الإسراء/السفر، عبر التسبيح الذي يشير إلى القدرة الإلهية على فعل الخوارق. يقول الشاعر:

سبحان من بي أسرى والبراق رؤى  

لسدرة المنتهى بين الإمارات

من ملجإ الضاد أرض الشعر معدنه  

شنقيط كعبة ألوان الثقافات[7]

لقد استدعى الشاعر قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه منن آياتنا إنه هو السميع البصير[8]﴾.

لقد اعتمد الشاعر في قصائد الذات التعبير القرآني، موظفا المستوى الثاني من الاستدعاء (تغيير البنية التركيبية)، وذاك أمر مفهوم تماما، لأن اعتماد التعبير بصورته الأصلية سيخلق تماهيا بين الشاعر والنبي، وما قد يخلقه هذا التماهي من إشكالات فكرية وعقدية وفنية، الأمر الذي يعني بما لا يدع مجالا للشك أن الشاعر بقدر ما كان يبحث عن التعبير القرآني المنسجم مع صورة الفرادة، بقدر ما كان حريصا على ألا يتجاوز حدود المقدس، إنها عملية تمت في قمة الوعي بطبيعة الإشكال. ما يعزز هذه الدعوى هو أن الشاعر حين يستدعي التعبير القرآني للتعبير للدلالة عما هو خارج الذات لا يجد حرجا في توظيفه بالصورة التي ورد عليها في القرآن الكريم، وهو ما سنراه في الفقرة القادمة التي نسوق فيها أمثلة من القصائد الوطنية والقومية والإنسانية، والقصائد الوامضة.

 

ثالثا: تقوية الدلالة أساس التوظيف المباشر للتعبير القرآني

في نقده للوضع السياسي في موريتانيا، حيث الاعتقالات التعسفية التي تطال الأصوات الحرة المعارضة المنتقدة لسياسة النهب، يستدعي الشاعر التعبير القرآني ﴿سوط عذاب﴾، ليكشف ضمنيا عما يتعرض إليه سجناء الرأي داخل السجون الموريتانية، آملا أن يتحقق التغيير لتصبح تلك "الزنازن" مأوى لهؤلاء السجانين الخائنين، فيها يسامون سوء العذاب. يقول الشاعر:

أريد زنازن

......

مفتحة كل باب

به يتراقص سوط عذاب

ليصفع مهما تفلت

وجه الخؤون الشقي[9]

لقد استدعى الشاعر التعبير القرآني كما ورد في سورة الفجر، وذلك في قوله تعالى: ﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد﴾[10].

وفي السياق نفسه الخاص بنقد السياسة الموريتانية، وفي تعبيره عن الإرادة في تغيير الوضع القائم، يستحضر الشاعر عصا موسى عليه السلام، وكيف تلقفت إفك السحرة، في دعوة مباشرة إلى الشعب الموريتاني بأن التغيير لا يمكن أن يحدث بالمعجزات، لأنها خاصة بالأنبياء، كما أن عهدها انتهى وانصرم، وإنما التغيير يحدث بإرادة الشعب.

ولأن هذا الشعب مغلوب على أمره، وقد تواطأ في قهره مع الحكام المثقفُ والإعلامي والشاعر المأجور والمنتخب، يذكّر الشاعر هذا الشعب بأن الهبّة هي السبيل الوحيد للتغيير وليست المعجزة[11].

في إرادة التغيير يريد الشاعر عصا موسى "تلقف ما يأفك" الحكام، ما دام هذا الشعب غير قادر – على الأقل حتى اللحظة- على هبّة تخلصه من الوضع المأزوم، ونرى في هذا السياق كيف وظف الشاعر التعبير القرآاني كما ورد في الكتاب الحكيم. يقول الشاعر:

أريد

أريد

ويا ما أريد

فيا ليت موسى تعود عصاه

تحقق لي ما أريد

تلقف ما يأفكون[12]

وأما الآية الكريمة التي استدعى منها الشاعر هذا التعبير هي قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون[13]﴾.

نجد هذا التوظيف أيضا في قصائد الشاعر القومية، خاصة تلك التي تصف همجية المحتل الأمريكي لبلاد العراق، مقارنا في الهمجية بين بوش وهولاكو من جهة، والجيش الأمريكي وجيش التتر من جهة ثانية، واضعا بعد ذلك الجميع حاكما وجيشا في أبشع صورة من صور الفساد والهمجية، حين قارنهم بيأجوج ومأجوج، وقد استدعى الشاعر هذا التعبير القرآني كناية على ذلك، موظفا إياه بالصورة التي ورد عليها في ترتيبا وإعرابا. يقول الشاعر:

أترى هولاكو عاد يتبعه التتر؟

أم أن يأجوجا ومأجوج انتشر؟

هل ذلك السد انكسر

أترى السماء قد انفطر

الجو ينذر بالخطر[14]

والآية التي استدعي منها هذا التعبير هي قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض[15]﴾.

ولا تخلو قصائد الشاعر الإنسانية من هذا النوع من الاستدعاء، ففي رثائه أمه – على سبيل المثال- يوظف الشاعر التعبير القرآني كما ورد في الذكر الحكيم، يقول:

أمي رضعت أناي ملء لبانها  

فالفن والإيمان توأم مرضع

كانت تهدهدني بذكر الله في   

أذن وفي الأخرى بشعر مبدع

"قل أعوذ" ما زالت يرثلها دمي   

ومعلقات الشعر تسكن مدمعي[16]

لقد استدعى الشاعر من إحدى المعوذتين تعبير ﴿قل أعوذ﴾، واضعا إياه بين مزدوجتين، في إشارة بصرية على أنه استدعاء حرفي من القرآن الكريم، وأما سياق هذا الاستدعاء فهو إبراز الثقافة الأسرية التي تربى فيها الشاعر؛ ثقافة الشعر والدين، وكنا قد تناولنا هذه الثقافة في كتاب الكيمياء، وملخصها أنه منذ الجد الأكبر لأسرة أهل آدب، كان دائما حين يخرج إلى الوجود وليد جديد، يقرأ القرآن في أدنه اليمنى، وينظم الشعر في أذنه اليسرى، حتى يشب الفتى بين أخلاق الدين وجمال الكلمة الشاعرة، والمقطع الشعري أعلاه خير تعبير عن هذه الصورة.

ومثل هذه التوظيف في القصائد الإنسانية للشاعر نجدها في رثاء الشيخ ماء العينين، فبعد أن عبر الشاعر عن كون الشيخ اتخذ من القلم والسلاح وسيلتين للجهاد:

كانا وظلا سلاحيه هنا وهنا  

قاد الجهادين نعم القائد الحصف

وبعد أن خصه بخصلتي الكرم والشجاعة:

أنى يحل فذي اقرأ غيمة هطلت   

والعاديات عن الأعداء لا تقف:

يختم الشاعر بأن الشيخ كان دائما رمزا للفرح والمحبة وإزالة الكرب عن النفوس، تماما كالريح المنبعثة من قميص يوسف عليه السلام، حين زالت الكرب وأعادت البصر إلى أبيه، هنا يستدعي الشاعر التعبير القرآني ريح يوسف للدلالة على هذا المعنى:

قميص يوسف عد لي استعد بصري   

يا ريح يوسف فوحي ينجل الأسف

والآية الكريمة التي استدعى منها الشاعر هذا التعبير هي قوله تعالى: ﴿ولما فصلت العيد قال أبوهم، إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون[17]﴾.

وفي قصائده الوامضة التي تكتسي طابع الخلجات، متحدثا فيها عن العالم والناس والمجتمع نجد أيضا مثل هذا الاستدعاء للتعبير القرآني، ففي ومضة الشاعر عن أصناف البشر التي كنى عنهم بالوجوه ما بين مستبشرة ومقرفة، يوظف الشاعر تعبير "بديع السماوات والأرض"، رابطا جمال صنع الله بجمال الوجوه التي تسبحه، تلك الوجه التي تأنس لها النفوس وتحج إليها، يقول الشاعر:

وجوه

تسبح فيها

بديع السماوات والأرض ربا

تحج إليها

وتعتكف

وأخرى

تعوذ بربك منها

فلا أنت تدري

شياطين جن؟

شياطين إنس

إذا عرضتْ

هزك القرف[18]

لقد استدعى الشاعر التعبير القرآني كما ورد في الكتاب المبين في سورة البقرة، إذ يقول عز وجل: ﴿ بديع السماوات والأرض، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون[19]﴾.

مثل هذا نجده في ومضته الجميلة واصفا أجواء السمر في صحراء شنقيط، حيث الشاي والأغاني والمشاعرات التي يطبعها التنافس، وقد استدعى الشاعر للدلالة عن قوة المنافسة والجدية التعبير القرآني " خذ الكتاب بقوة"، والذي يعني في القرآن الكريم أخذ أمر الرسالة بجدية وحزم، يقول الشاعر:

خذ زيك الشعبي

تأبط مدفعا

وخذ الكتاب بقوة

للشاي خذ أبهى العُدد[20]

وقد تم استدعاء التعبير القرآني من سورة مريم، من الآية الكريمة: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا[21]﴾.

وقد يستدعي الشاعر تعبيرين قرآنيين من سورتين مختلفتين، وجعلهما متضامين لخلق الدلالة التي يسعى إلى إبرازها، ومثل ذلك قوله واصفا جبال الأطلس:

هنا يتنازعني الخوف

طورا لدى المنحنى في شفا جرف..

ما له من قرار

وطورا يلوح الممر الرهيب

المهاوي

بديع المرائي

فتبدو طيوف الرجاء[22]

لقد استدعى الشاعر تعبير "شفا جرف" من قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[23]﴾، وأردفه استدعاء تعبير "ما له من قرار"،  مع تغيير طفيف شمل الضمير العائد، وهو تغيير اقتضاه السياق، والآية الكريمة التي كانت موضوع الاستدعاء هي قوله تعالى: ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار[24]

 

كلمة أخيرة

من خلال المقالين السابق وهذا الذي نختم به القول عن التعبير القرآني، تأكد مما لا مجال للشك فيه أن القرآن الكريم مرجعية رئيسة من المرجعيات التي شكلت مخيال الشاعر أدي ولد آدب في التجربة الشعرية برمتها بدءا من الرحلة وانتهاء بالبصمة، وأن هذا التوظيف تم على ثلاثة مستويات كما ذكرنا، وتعدد المستويات يعني بالنسبة إلينا أن عملية التوظيف هي عملية واعية، ويكمن ذلك الوعي في كون الشاعر يحسب بدقة متى وكيف وأين يتم التوظيف، وهذا الحرص نابع من ثقافته الدينية التي تحترم الكلام المقدس ولا تتطاول عليه، لكن في الوقت نفسه تعتبره لغة راقية تمنح للدلالة الشعرية قوتها وبلاغتها وجماليتها على مستوى التصوير، ونحن ندرك تماما أن الاشتغال على هذا الموضوع يتطلب مقالا مطولا ومنهجا مختلفا لأن الأمر يتعلق بتحليل بنيوي وبياني في الوقت نفسه.

من جهة أخرى نؤكد على أن هذا المقال لا يدعي سبر أغوار التعبير القرآني في ديوان بصمة روحي، لكنه حقق – حسب اعتقادنا- غايته المتمثلة في إبراز نقطة مهمة وهي أنه خلال تعبير الشاعر عن الذات ينأى بنفسه عن الاستدعاء المباشر للتعبير القرآني، وحين يتعلق الأمر بموضوع خارج الذات فإنه يوظف كل إمكاناته التخييلية، مستحضرا محفوظه القرآني لينهل من جماله ودقته وبيانه.

أثناء تتبعنا لحضور هذا التعبير في مستوييه الثاني والثالث(التغيير في البناء والتعبير المباشر) وقفنا على ما يزيد عن ثلاثين سورة اعتمدها الشاعر بنسب توظيف مختلفة، ونحن نرى أنه من باب توضيح الصورة إدراج هذا الإحصاء:

- سورة طه: تم توظيف خمس آيات مختلفات منها.

- سور البقرة وهود والأنبياء: توظيف أربع آيات من كل سورة.

- سور آل عمران والنساء والناس ومريم: ثلاث آيات من كل سورة.

- سور الحجر والشعراء والأعراف والمزمل والعاديات والإسراء: آيتان من كل سورة.

- سور النازعات والتوبة والعنكبوت والأحقاف والتكوير والذاريات والمائدة والمسد والفجر والقلم والكهف والانفطار والصافات والجن ويوسف وسبأ والملك والأنعام: آية واحدة من كل سورة.

وأما الآيات الكريمات التي كانت موضوع الاستدعاء، فنضعها هنا هي الأخرى تسهيلا منا على أي قارئ آخر، قد تستهويه دراسة الموضوع من زاوية أخرى، أو التعمق أكثر لاكتشاف المزيد الذي نعتقد أنه لا زال ثاويا بين دفتي الديوان:

- إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴿١٢ طه﴾

- وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿هود. 44﴾

- قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴿18 طه﴾

- سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴿الإسراء. 1﴾

- يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴿١٢ مريم﴾

- إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴿18 الحجر﴾

- أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴿التوبة. 109﴾

- وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ﴿العنكبوت. 41﴾

- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١ الفلق﴾

- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١ الناس﴾

- إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢ طه﴾

- والْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴿١ العاديات﴾

- وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴿٢ التكوير﴾

-  قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩ الأنبياء﴾

-   قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٩١ البقرة﴾

- كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿112 آل عمران﴾

-  سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿181 آل عمران﴾

-  فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿155 النساء﴾

-  إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ ﴿٩٠ المائدة﴾

- تبت يدا أبي لهب وتب ﴿المسد. 1﴾

- فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿١٣ الفجر﴾

- نون والقلم وما يسطرون ﴿القلم. 1﴾

- فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿١١٧ الأعراف﴾

-  وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ﴿٦٩ طه﴾

-  فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿٤٥ الشعراء﴾

- قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ ﴿٩٤ الكهف﴾

- حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴿٩٦ الأنبياء﴾

- السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ﴿١٨ المزمل﴾

-  تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ ﴿٩٠ مريم﴾

-  السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ﴿١٨ المزمل﴾

-  إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴿١ الانفطار﴾

- إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴿١٨ الحجر﴾

-  إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴿١٠ الصافات﴾

-  فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ﴿٩ الجن﴾

-  أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴿٣٠ الأنبياء﴾

-  وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴿٨١ الأنبياء﴾

-  وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ﴿١٢ سبإ﴾

-  وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴿١٦٣ النساء﴾

- قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ﴿48 هود﴾

-  مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا ﴿٥٨ مريم﴾

- ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣ الإسراء﴾

-  تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ ﴿٤٢ هود﴾

- وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿37 هود﴾

- وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ ﴿97 يوسف﴾

-  ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴿٤ الملك﴾

-  بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿١١٧ البقرة﴾

-   بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴿١٠١ الأنعام﴾

واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴿21. الأحقاف.﴾

 

 

[1]  بصمة روحي. ص: 10

[2]  هود. الآية: 44

[3]  بصمة روحي. ص: 8

[4]  طه. الآية: 12

[5]  بصمة روحي. ص: 17

[6]  طه. الآية: 18

[7]  بصمة روحي. ص: 23

[8]  الإسراء. الآية: 1

[9]  بصمة روحي. ص: 135

[10]  الفجر. الآيتان 13-14

[11]  انظر تحليلنا هذا في كتاب كيمياء الشعر المحور الخاص بالوطن.

[12]  بصمة روحي. ص: 139

[13]  الأعراف. الآية: 117

[14]  بصمة روحي. ص: 141

[15]  الكهف. الآية 94

[16]  بصمة روحي. ص: 49

[17]  يوسف. الآية: 94

[18]  بصمة روحي. ص: 160

[19]  البقرة. الآية: 117

[20]  بصمة روحي. ص: 59

[21]  مريم. الآية: 12

[22]  بصمة روحي. ص. ص: 63-64

[23]  التوبة. الآية: 109

[24]  إبراهيم. الآية: 26