
محمد محمود مولاي الزين
صمتَ الجميع.
ليس صمتَ الشجاعة،
بل صمتَ من أُغلق عليه الباب من الداخل.
نظر بعضنا إلى بعض
نظرة سريعة،
كأننا نودّع ما تبقّى من عقولنا.
لا أحد سأل،
ولا أحد اعترض،
فالاعتراض في مثل هذه الأماكن
ترفٌ لا يملكه الفقراء.
دخلنا الغابة.
خطوة… ثم خطوة…
وكان كلّ صوتٍ نُحدِثه
يبدو كأنه خيانة.
الأرض موحلة،
الأقدام تغوص ثم تُنتزع بالقوة،
الأشجار متشابكة
كأنها تتآمر علينا،
والهواء ثقيل
يخنق الصدر قبل الرئتين.
بعد دقائق
بدأ التعب يظهر،
وبدأت الوجوه تفقد ألوانها.
أحدهم كان يتمتم بآياتٍ من القرآن،
وآخر يهمس بأسماء أمه،
وثالث يسير فقط…
كأنه سلّم جسده للقدر.
كنت أمشي وأفكّر:
كيف تحوّل حلم الهجرة
إلى مسير جنائزي؟
كيف أقنعونا أن الطريق إلى الحياة
يمرّ عبر هذا الموت البطيء؟
فجأة،
توقّف أحد الشباب.
جلس على جذع شجرة
وقال بصوت مكسور:
“لا أستطيع… اذهبوا بدوني.”
لم يجب أحد.
كنا نعرف الحقيقة التي لا تُقال:
من يتوقف هنا
لا يُكمل القصة.
حاولنا رفعه،
تشجيعه،
صرخ فيه أحدهم:
“قم! لو متّ هنا
لن يعرف أحد اسمك!”
قام…
لا لأنه اقتنع،
بل لأنه خاف
أن يُنسى.
مع مرور الوقت
بدأ النهار ينطفئ.
الغابة في الليل
ليست مكانًا…
إنها كائن حي
يراقبك.
أصوات غريبة،
حشرات،
حفيف أوراق،
وأحيانًا…
صراخ بعيد
لا تعرف هل هو إنسان
أم تحذير.
توقّف الدليل فجأة.
رفع يده
وأشار أن نصمت.
همس:
“من هنا… المنطقة خطيرة.”
كلمة “خطيرة”
كانت تعني كل شيء
ولا شيء.
عبرنا نهرًا ضيقًا،
الماء بارد،
والتيار خادع.
أحدنا كاد أن يسقط،
لو سقط
لكانت الغابة ابتلعته
دون اعتذار.
بعد ساعات من المشي،
بدأ الجوع يعضّ البطون،
والعطش يحرق الحلق.
قسمنا ما تبقى من الماء
كما تُقسم الذكريات:
قليل… وغير كافٍ.
جلست على صخرة
وأغمضت عيني.
رأيت نواكشوط.
رأيت أمي.
رأيت نفسي
وأنا أعدها أن أعود
“ناجحًا”.
ضحكت في داخلي بمرارة.
أي نجاح
يبدأ بهذا الذل؟
أحدهم سأل الدليل:
“كم بقي؟”
أجابه ببرود:
“إذا كتب الله… تصلون.”
في تلك اللحظة
فهمت معنى أن تكون مهاجرًا غير شرعي:
أن تعيش على شرطٍ واحد
لا تملكه.
قمنا من جديد.
نمشي…
نتعثر…
نقوم…
نسقط في داخلنا أكثر مما نسقط على الأرض.
وقبل الفجر بقليل
لمحنا ضوءًا بعيدًا.
لم يكن مدينة،
ولا بيتًا،
بل مجرد نقطة
تقول لنا إننا لم نمُت بعد.
قال الدليل:
“هناك… إن وصلنا، نرتاح.”
لم أشعر بالفرح.
شعرت فقط أنني
تقدّمت خطوة أخرى
في امتحان
لم نختره.
كنا نعتقد أن الغابة
هي النهاية…
لكنها كانت فقط
البداية الحقيقية
لسلسلة من الخسارات
لا تُعدّ.
وفي ذلك الفجر
تعلّمت درسًا لن أنساه:
ليس كل من خرج من بلده
كان يبحث عن حلم…
بعضنا
كان يهرب من كابوس
فوقع في ما هو أسوأ.
يتبع…








