الهوية والغيرية.. والجدل الأخلاقي الراهن

أحد, 02/01/2026 - 20:05

 

د. السيد ولد أباه

 

في تونس، حيث شاركتُ الأسبوع الماضي في الندوة الفلسفية المتميزة التي احتضنتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول موضوع الاختلاف والمغايرة والاعتراف، وشارك فيها فلاسفة متميزون من تونس وبقية العالم العربي.
ولا شك في أن الموضوع هام، ويستأثر حالياً باهتمام الحقل الفلسفي، ويعكس الإشكالية الكبرى التي تعيشها المجتمعاتُ الحديثة حول تركة الذاتية التي هي براديغم الفلسفة الغربية منذ اللحظة الديكارتية. منذ هيغل ندرك أن الذاتية تنبع في سرديتها الطويلة من التقليد المسيحي الذي حوّل الوعيَ أو الضمير إلى أرضية التفكير المتمحور حول النفس ومقوم الأخلاقيات المرتكزة على الإرادة المستقلة التي هي مدار القيم الفردية والاجتماعية.
إلا أن هذا التصور الذي أسس الأفكارَ الحديثة حول الحرية والأهلية الأخلاقية طرح إشكالاتٍ عصيةً، من حيث تلاؤمه مع الغيرية المختلفة، التي هي الإطار المعياري لفلسفات التسامح والاختلاف. ومن هنا برز مشكلُ الاعتراف المعقد الذي طُرح منذ هيغل في صيغة البحث عن توافقات ناجعة بين أفراد أحرار يختلفون من حيث أفكارهم ومعتقداتهم وتصوراتهم الاجتماعية. وقد لاحظت حنة ارندت أن التصور الحداثي الإرادة في نسختها الكانطية يعاني من تصدع داخلي، من حيث هي من جهة حرة، ولكنها لا تمارس حريتَها إلا في إطار الامتثال للقوانين الأخلاقية الملزمة. ومن هنا خلصت ارندت إلى أن الأخلاق الكانطية محصورة في دائرة الوعي، ولا صلة لها بالعالم المشترك الذي هو مجال النشاط الإنساني التعددي.
ما عبّرت عنه حنة ارندت هنا هو جانب أساسي من جوانب المأزق النظري لفلسفات الوعي، من حيث حرصها على إعادة بناء نظرية الأخلاق وفق القوانين الكلية للإرادة. ومن هنا نشأ سؤالٌ جديد في الفلسفة المعاصرة: كيف يمكن تصور الرابطة الأخلاقية مع الآخر خارج مركزية الوعي التي تحول بالضرورة الغيرَ إلى وجه من وجوه الأنا؟ وهل يكون الحل هو الخروج كلياً من نموذج الذاتية بصفتها عاجزة عن ضبط المسألة الأخلاقية نظرياً وعملياً مع ما قد ينجر عن هذا الخيار من تضحية بفكرة الإرادة الحرة المسؤولة التي هي مقتضى الفعل الأخلاقي، أم أن المطلوب هو إعادة تحديد فكرة الذات بالقطيعة مع محورية الأنا والغير، مع ما قد يفضي إليه هذا القول من ارتكاس في مأزق الذاتية الواعية من منعرجات أخرى؟
الإشكال طُرح بقوة في الفلسفة المعاصرة في اتجاهين متمايزين، ذهب أحدهما إلى إعلان مبدأ المسؤولية الأخلاقية من حيث أولوية الغير على الأنا في تجاوز جذري للموقف الأنطولوجي، أي الوجود من حيث هو نسق كلي، وذلك ما نلمسه في فكر أمانويل لفيناس مع بعض الامتدادات في كتابات جاك دريدا، في حين ذهب الاتجاه الآخر إلى دمج الغيرية في مسار الذاتية عبر الوسائط التأويلية والمؤسسية، حرصاً على إنقاذ فكرة الإرادة الواعية المستقلة التي هي الأفق الأخلاقي للإنسان الغربي، كما هو الحال في فلسفة بول ريكور. 
لقد قيل الكثير حول المأزق الذي يُفضي إليه الاتجاهان: الاختلافي الذي يضحّي بمثال الحرية ويعوّضه بفكرة المسؤولية اللامتناهية والضيافة غير المشروطة، غير قابلة للترجمة في نظم مؤسسية عادلة، في حين أن «الذاتية التأويلية» ليسن سوى صيغة معدّلة لنموذج الوعي في قدرته اللامحدودة على استيعاب ودمج الآخر.
في كتابه «الحكم والمجد»، يبيّن جورجيو أغامبن أن الأنطولوجيا الغربية، على عكس ما يُعتقد، لم تفصل بين الوجود والقيمة، بل اتسمت منذ البداية بسمات سياسية وقانونية وحملت لاحقاً أبعاداً لاهوتية معقدة.
لقد كانت هذه الأنطولوجيا منذ نشأتها ذات طابع عملي إجرائي، يبرز في تصنيف الأشياء وتقويمها وتوجيه الفعل والسلوك. ومن هنا يجب أن نفهم حديثَ هايدغر عن «نسيان الوجود» بمعنى أن الأنطولوجيا الغربية ربطت عضوياً بين فهم الأشياء والتصرف الإجرائي فيها، فالوجود من هذا المنظور ليس ما عليه الشيء بل ما ينبغي أن يكون عليه. والفعل هو الذي يصوغ الوجود والأمر هو مدار السلوك وليس الإرادة. ما حدث مع اللاهوت المسيحي هو تحويل الأنطولوجيا إلى منظومة أمرية تنزع إلى ترجمة الإلزامات الأخلاقية في لغة الوجود الكلي.
في ضوء ملاحظة اغامبن، نخلص إلى أن الفلسفة الغربية قامت على وهم الفصل بين الوجود والقيم، وفق صيغ عديدة تفاوتت من العصر اليوناني إلى الحقبة الحديثة، ولذا فإن الجدل الراهن حول أولوية الوجود أو القيمة لا معنى له، سواء اعتمدت الأخلاق مرجعية أنطولوجية أو كان منطلقها الغيرية المطلقة. 

 

*أكاديمي موريتاني