
النجاح بنت محمذفال
القصة:
استل القمر قيثارة قديمة مطمورة بين ركام من القصص القديمة والذكرى الأليمة والوجع..
عزف القمر جملة أعادت إلى
الزمن قطعا من عمره الهارب …
انتفض لحن من قبر وعانق
القيثارة..
غنى القمر والقبر واللحن…
رقصوا..
رقص الكون..
قال راقص: “أسمع كالزلزال…”.
* *وبين صرير الريح وصدى قيثارة تقاذفها الصخر سحت عيون كالساريات..
زقا قلب والتاع آخر …
تسللت أصابع إلى وجنتي قمر* تغرقان..
قال الغريق للغريق :
“حذار إنه دم”…*
القراءة:
الإبهام هو سيد الموقف رغم التسلل إلى ضوء القمر حين يسند إليه فعل “استل “ الذي وقع فاعله على المفعول” قيثارة” المشحون دلاليا بالدراما الباعثة على ألق الفن والم الوجع المطمور..
ومع أن القمر أكبر فاضح لستر المحبين خاصة انه برفقة قيثارة قديمة بما تتيحه من جذب للجمهور، لكنه مع ذلك رغم صخب العزف الذي جذب بطلا عزز ثنائية البطل “القمر”، وكثف من محاولة الإنفضَاح فشل في فضح سره المكنون، حيث أراد القمر والقيثارة واللحن أن يعبثوا إراديا – تحت ضوء القمر وصخب القيثارة- بالوجع المطمور، وأن يكشفوا ستر كل شيء، لكن الذي كان أن القبر لازم الجمهور (غنى القمر والقبر واللحن…
رقصوا..
رقص الكون..).
وعاد للقصة إبهامها ليغدو الشعور من جديد حالة (مطمورة بين ركام من القصص القديمة والذكرى الأليمة والوجع..)
رغم كل أدوات الانفضاح (القمر والقيثارة ).
ورغم كل محاولات التحرر من طمر الالم المتمثلة في انتفاضة اللحن المُحيل إلى البطل- الزمن، وتحرره من كل الاسرار الكامنة في عوالم القبور وحتى ممارسته لأهم ادوات التحرر الا وهو الغناء …
غني حتى شاركته القبور مسار التحرر فغني مع الحبيبة القمر !
“انتفض لحن من قبر وعانق القيثارة..
غنى القمر والقبر واللحن…”
وإلا فأية مداليل لعناق القيثارة الفاضحة مع القمر و اللحن المطمور في ثنايا الزمن ؟
إنه حلول بطل القصة في الزمن.
أما بطلة القصة فهي القمر حينا والقيثارة حينا ٱخر…
وحين تحل البطلة قيثارة ينتهي دور القمر لما عجز عنه من اداء بموجبه نالت القيثارة دوره كأنثى أغلقت الباب في وجه الدراما وأحلت التراجيديا محلها …..
هي إذا في تعدد إيحاءاتها الرمزية تحيل إلى مدى تراكم ذكريات الوجع إذ هي اختزال لعدة مظاهر شعورية تجمع بين مقامات فنية في “أزوَان” الموريتاني (الموسيقى) منها ما يحيل إلى فرحة العناق كحالها عندما غنت مع القبر، ومنها ما يحيل إلى الحزن واستمرار الوجع حين تقاذفها الصخر بين صرير الريح :
(وبين صرير الريح وصدى قيثارة تقاذفها الصخر سَحَّتْ عيون كالساريات..)
حيث تكون مصدرا لسَح الدموع لذلك تقاسمت الوجع مع اللحن-البطل المحيل إلى الزمن وحين استلها القمر بطلة للقصة فإنما هي تثري الحياة وتعيد إلى البطل في صيغته الأولى قطع عمره الهارب
وفجاة ينهض الزمان ليستعيد عمرا ضاع لكنه ما يلبث ان يتصدع فلا استقرار للقمر الجوال ولا أمان للحن حزين إن رقص ففي رفقة القبر ….
رقص الكون..
قال راقص: “أسمع كالزلزال…”.)
ووسط رقص الكون المحيل إلى الزمن-البطل يتشكل جمهور راقص التحم ابطال القصة فيه :
القمر وهو في الأدب العربي رمز الحبيبة وهي هنا بطلة القصة
القيثارة :هي التي حل فيها القمر في بعض المراحل
الزمن :الحبيب الذي استعاد قطعا من عمره الهارب بفعل عزف القمر
اللحن :هو نفسه البطل الذي استخلفه الزمن لينتفض من قبره
القبر : هو نفسه البطل في بعض مراحله الشعورية
جمهور استفاق من الرقص على الزلزال
في إطلالة على الأثر الشعوري الذي خلفه عزف القمر لتلك الجملة ذاك الاثر الذي أعاد إلى الزمن مسارا كان افتقده :
( عزف القمر جملة أعادت إلى الزمن قطعا من عمره الهارب )…
لكن القصة ما تلبث أن تعيدنا إلى تراجيديا الحب بفعل حلول القيثارة هذه المرة في عالم الجماد وغياب الشعور !
حين غاب عن الجمهور ملمحه الصاخب فطفق يمارس طقوس الاحزان:
(وبين صرير الريح وصدى قيثارة تقاذفها الصخر سحت عيون كالساريات..)
عندها مارس البطل تعدد الحلول ولعب أدوارا تستجيب لما يتطلبه البناء الفني للقصة القصيرة جدا فجاء بشيرا كما جاء نذير انكسار خارجا من قبر حين ٱلت البطلة إلى قيثارة توزع الهدايا في عوالم الجماد تتقاذفها أمكنة ويحيلها الزمن “البطل “إلى مجرد صرير طالت لياليه!
خاصة انه البطل الذي استحال زمنا طوى العصور وحوى المغيبات
ولطالما استطال المحبون أزمان الفراق يقول نزار قباني :
كل العصور انا بها فكأنما
عمري ملايين من السنوات
ومن قبله استطال امرؤ القيس ليله :
فَيَا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ
بكل مُغار الفتل شُدّت بيذبل
كَأَنَّ الثُرَيّا عُلِّقَت في مَصامِها
بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَل ِ؟
أما الصمة القشيري فيحكم على نفسه بأنه خلق وإياها للنوى :
كَأَنّا خُلِقنا لِلنَوى وَكَأَنَّما
حَرامٌ عَلى الأَيامِ أَن نَتَجَمَّعا
وغير بعيد عن هذه القصة يقول مؤلفها
في إلياذته – إن جاز التعبير٫ بوح إلى القمر:
“سأبقى أحبك جرحا دفينا
أحبك مهما طواكِ البعادُ…”
تمنحنا قصة “إنه دم” بطاقة دخول عوالم كونية عديدة مارس فيها ابطالها وجمهورهم
الحلول في مجرات هذا الكون…
وتقاذفتنا فيها دراما الأدب بتناقضات وكثافة القصة القصيرة جدا….
و بما امتلكت من ٱليات الانشراح (الرقص العزف ) خلقت لدى المتلقي مخزون امل لكنه ضاع
حين استحالت تراجيديا :غريقان يسبحان في بحر دموع هي دم
( قال الغريق للغَريق :
“حذار إنه دم”…)









