
■■ الرأي حول مسار تشكل اللهجة الحسانية ... كلام البيضان
من خلال المواضع ذات الصلة
من كتابنا مجمل تاريخ الموريتانيين
بداية هو لدينا تعرب اختياري، لمجتمع مسلم، تعلق بالعربية منذ الدعوة المرابطية بوصفها لغة لثقافته العالمة، وتعامل بعد ذلك بإيجابية مع كل فرص التعرب على المستوى الشعبي.
■ المحطة الأولى: دور القبائل من أهل اللسان العربي
من مبحث: وافدون من أهل اللسان العربي (ص 36)
يشير المؤرخ المختار ولد حامد رحمه الله إلى أن مجموعات عدة من الشرفاء الأدارسة لجأت إلى الصحراء (الموريتانية) على إثر اضطهاد موسى بن أبي العافية لهم في المغرب في القرن الرابع الهجري. ولعل هذا الفوج الأول من الأدارسة ممن وصلوا إلى البلاد الموريتانية قد انماع في القبائل الصنهاجية، إذ لم نجد للأدارسة ذكرا فيما حوته المصادر التاريخية حول دولة المرابطين؛ على ما عرف به الصنهاجيون منذ أمد بعيد من تقدير خاص لآل بيته صلى الله عليه وسلم .
وهناك وافدون آخرون من الأدارسة، ينتسب إليه كثير من القبائل البيضانية؛ لكن وصولهم إلى الصحراء (الموريتانية) كان بعد ذلك، في أزمنة متفاوتة.
نبدأ الآن مع القبائل التي وفدت على الصحراء الموريتانية في أيام دولة المرابطين.
"كان الإمام الحضرمي في مدينة أغمات عند ما قرر أبو بكر بن عمر التنازل عن المغرب ليوسف بن تاشفين والعودة إلى الصحراء، فندبه أبو بكر إلى التوجه معه وولاه القضاء" . ولقد كان الإمام الحضرمي المرادي (ت489هـ) من بعد وفاة أبي بكر بن عمر معلما في مجلس الأمير محمد بن يحي بن عمر، وله ألف كتاب "الإشارة في تدبير الإمارة". وإلى الإمام الحضرمي، الذي يظن أنه حسيني وهو من أهل اللسان العربي تأكيدا، تنتسب اليوم عدة مجموعات بيضانية .
وكان أيضا ممن وفد مع أبي بكر بن عمر عند رجوعه من المغرب إلى الصحراء سنة 465هـ أجداد القبائل الموريتانية الثلاثة: المدلش، وتركز، وإيدغزينبو . وأنساب هذه القبائل –حسب ولد حامد- تشير إلى أنهم أصالة من أهل اللسان العربي: المدلش أمويون، إيدغزينبو مدلش أو زينبيون، تركز من أحفاد عقبة بن نافع.
***
ثم تأتي الفترة التي ما بين سقوط دولة المرابطين ووصول بني حسان، وفيها استقبلت الصحراء الموريتانية كثيرا من الوافدين الجدد: فرادى، ومجموعات.
ومثل هؤلاء الوافدون الجدد نواة لتشكل قبائل جديدة. ومن أمثلة القبائل البيضانية الذين وصل أسلافهم إلى موريتانيا في ذلك العهد: إيدواعلي(علويون)، لغلال (بكريون)، لمحاجيب (فهريون من أحفاد عقبة بن نافع)، كنته (فهريون من أحفاد عقبة بن نافع)، تا كاط (أنصار)، بارتيل (أنصار)، ....
والآن نأتي في هذا السياق إلى فوج ثان من الأدارسة، وصلوا إلى الصحراء الموريتانية في هذه الفترة، فمن أمثلة القبائل البيضانية المنحدرة من هذا الفوج من الأدارسة، ممن نعتقد أن تسمية قبائلهم دارت في هذه الفترة:
بنو عبد المؤمن (شرفاء تيشيت وجدهم عبد المؤمن هو أول من بدأ ببناء تيشيت)، أبناء الشريف أبي بزولة، الكلاكمه، الركيبات، ...
ونريد هنا أن نقول أنه مادامت أنساب كل هؤلاء الوافدين الجدد تدل على أنهم أصالة من أهل اللسان العربي، فلا بد أنهم كان لهم دور معتبر في الدفع بعجلة التعرب في البلاد؛ الأمر الذي لم ينبر بعد أي من الباحثين –حسب اطلاعنا- لدراسته.
■ المحطة الثانية : دور بني حسان في التعرب كجزء من المعقل وقبائل التغريبة الهلالية
من مبحث: المعقل ضمن قبائل الموكب الهلالي (ص 69)
في ما حول سنة 443 هـ، والمعقل في صعيد مصر، وهم في حلف مع بني هلال، ومع بني هلال بنو سليم أخوتهم، حدث أمر مهم في تاريخ بلدان الفضاء المغاربي كلها(ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، الصحراء الغربية، موريتانيا)؛ إنه بداية هجرة هذه القبائل الثلاثة (بني هلال، وبني سليم، والمعقل) انطلاقا من صعيد مصر مغربين، مستهدفين السيطرة على القيروان (في دولة تونس الحالية)؛ وعلى إثر تلك الهجرة انتشروا عبر سياق تاريخي يمتد عبر قرون عديدة في مختلف أرجاء ما يعرف اليوم بالمغرب العربي، وكان لهم أثر كبير في ما وصلت إليه اليوم بلدان هذه المنطقة من التعرب.
هذه الهجرة تشتهر باسم "التغريبة الهلالية". ونسبت إلى بني هلال على سبيل التغليب فقط، وإلا فالمعقل وبنو سليم عاشوا معهم أحداثها. بنو هلال كانوا فعلا هم رواد تلك التغريبة، وأوفر القبائل الثلاثة المشاركة فيها عددا؛ كما أن اسمهم اشتهر بالارتباط بما عرف بعد ذلك بالآداب الهلالية، وهي آداب شعبية لهم طبق الآفاق ذكرها على إثر تغريبتهم تلك، ويذكرون فيها أخبارا وبطولات كثيرة لهم.
■ المحطة الثالثة : تشكل الثقافة الشعبية البيضانية من مجموعة من الروافد
من مبحث: لوحة لمجتمع البيضان مطلع القرن العاشر الهجري (ص 45)
أ) لغات التخاطب اليومي:
- الحسانية: تواصل انتشارها ؛ لكنها كانت في تلك الفترة في وضع لم تترسخ فيه بعد كلغة تخاطب يومي بين جميع أهل البلد، بل كان تداولها آنذاك لا يزال إلى حد كبير مقتصرا على القبائل الحسانية.
هامش: سجلت بدايات انتشار الحسانية في البلد في القرن الثامن الهجري، حسب رأي للباحث محمد ولد مولود ولد داداه؛ وفق ما عزاه بعض الباحثين لمقال قديم له. راجع مثلا: الدكتور محمد المختار ولد السعد في المقال المعنون ب "موريتانيا في العهد الحساني"، المنشور ضمن إصدار "تاريخ موريتانيا – فصول ومعالجات"، نواكشوط 1999، منشورات جامعة نواكشوط، ص 103.
- الصنهاجية في مطلع القرن العاشر الهجري كانت لا تزال تحظى بتداول كبير بين القبائل المرابطية.
ب) الأشعار الشعبية :
- القبائل الحسانية ينتشر بينها الشعر الحساني في شكل غير مقنن تقنينا عروضيا صارما، بل كانت أوزان نصوص الشعر الحساني يطبعها اضطراب شديد؛ كما كانت مضامين الشعر الحساني آنذاك لا تكاد تتجاوز الموضوعات الملحمية والحماسية.
- القبائل المرابطية، يوجد لديها آنذاك نوع من الشعر تتداوله الأوساط الناطقة بالصنهاجية (اكلام اصناكه)، ولغة غالبه خليط من الصنهاجية والعربية. وأصل ذلك الشعر عندهم تطور للمرددات الشعرية التي كانت سائدة بين المرابطين الصنهاجيين ممن كانوا في المغرب والأندلس ورجعوا إلى الصحراء بعد سقوط دولة المرابطين جالبين معهم تلك المرددات الشعرية. كما يظهر أنه كانت هناك صناعة عروضية في الصحراء: بدأت أصولها في الفضاء الثقافي لآل تافلويت نسبة إلى الأمير أبي بكر بن تافلويت والي المرابطين على سرقسطة بالأندلس، ودخلت إلى الصحراء مع رجوع المرابطين إلى الأندلس بعد سقوط دولتهم.
ج) أنواع من الطرب:
1- كانت هناك موسيقى بدوية أتت بها القبائل الحسانية معها؛ ومن آلاتها: الشبابة، والرباب، .... الخ.
2- وكانت هناك موسيقى ملثمية، كما نحب أن نسميها؛ ومن آلاتها: تدنيت، وآردين، ....الخ؛ ويظهر أن هذا النوع من الموسيقى كان ينتشر في بعض أوساط القبائل الصنهاجية من أهل العسكرة.
3- كما أنه كانت هناك البنجة (بجيم معقودة)، وهي نوع من الغناء على الطبل اختص بأدائه في ذلك العهد الموالي أو العبيد. ومنه لون يسمى بـ"المدح"، أشعاره ذات مضامين دينية، مدائح نبوية في الأساس وإنشاد لفصول من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم . لون المدح من ألوان البنجة كان منتشرا بين القبائل المرابطية، حتى بين تلك التي تعتبر من معاقل الثقافة العالمة آنذاك؛ كتجكانت في تنيقي، وفق ما تدل عليه بعض الروايات التاريخية . ولكن كان لا يحضره في الغالب إلا الأحداث والنساء. ولعل القبائل المرابطية كانت في حين تتورع آنذاك عن الموسيقى الملثمية لكونها من المعازف، لا ترى بالبنجة بأسا، خاصة إذا كانت "مدحا"، ولعلهم رأوا أن الطبل هو في حكم الدف، الذي في الحديث النبوي أدلة على إباحته في بعض المناسبات الخاصة، كالأعراس مثلا.
■ المحطة الرابعة : تشكل "البيضان" كمفهوم ثقافي
من مبحث: البيضان .. متكلمو الحسانية (ص 52)
في السبعينات من القرن التاسع الهجري قام باضطهاد العلماء في تنبكتو الملك سني علي من ملوك كاو (وعاصمة ملكه آنذاك كاو –بكاف معقودة- بدولة مالي الحالية)، فاُلجأ كثيرٌ من هؤلاء العلماء إلى الهجرة نحو الأراضي الموريتانية، وسكن معظمهم بولاته. ولإن كان فيهم من رجع عن الأراضي الموريتانية إلى تنبكتو في أواخر القرن التاسع الهجري، لما قامت دولة الأساكية ورحبت بالعلماء السودانيين، فإن دولة الأساكية لم تعش إلا نحو قرن من الزمن، ثم سقطت في ظروف أليمة.
واضطربت على إثر ذلك الأوضاع اضطرابا كثيرا في تنبكتو وما جاورها من مجالات السودان، وبدأت هجرة الأعيان من جديد إلى الأراضي الموريتانية.
ولذلك يمكننا القول بأن الفترة ما بين القرن التاسع والحادي عشر الهجريين شهدت هجرة نهائية لكثير من الأسر السودانية من ذوي الرفعة والمكانة عن الحواضر السودانية للدخول في رحاب القبائل البيضانية.
وقد اخترنا هذه الفترة لتعبر بصورة رمزية عن ظاهرة انصهار السودان في المجتمع البيضاني؛ وإلا فإن هذه الظاهرة قديمة جدا، وربما تعود بداياتها إلى أول يوم وجد فيه البيضان والسودان أنفسهم جنبا إلى جنب.
***
المهم أنه على إثر دخول مثل تلك الأسر السودانية من ذوي الرفعة والمكانة إلى مجتمع البيضان وصيرورتهم في عدادهم، لم يعد كل ذوي الشأن من البيضان من "بيضي البشرة" كما كانوا ، بل صارت –على سبيل المثال- في عداد كثير من قبائل أهل العلم من البيضان بطون من أصول سودانية.
الصورة الذهنية عن البيضان بوصف أعيانهم وكثيرا من جمهورهم من "ذوي البشرة الفاتحة" بدأت من ثم تضطرب.
ولعل هذا العامل، متضافرا مع عامل تقدم التعرب في البلاد، من أهم ما أدى إلى تحول مفهوم البيضان من الدلالة على "ذوي البشرة الفاتحة" إلى الدلالة على "مطلق متكلمي الحسانية".
ويمكن أن يعتبر القرن الحادي عشر الهجري تاريخا رمزيا لتبلور هذا التحول من خلال تلاقح التأثيرين: انصهار السودان في النسيج البيضاني، وتقدم التعرب.
والله أعلم.









