تنويه بالمؤرخ الأمير محمد ولد الدي ولد بكار

ثلاثاء, 01/20/2026 - 13:39

الحسين بن محنض

 

تعقيبا على كتابات رأيتها في هذا الفضاء تنوه بأخي وصديقي المؤرخ الأمير محمد ولد الدي ولد بكار كتبت:

يمثل الأستاذ المحقق الأمير محمد ولد الدي حالة استثنائية في المشهد الثقافي في مجال التاريخ الموريتاني، فقد استطاع أن يجمع بين ثقافتين قلما اجتمعتا في باحث: ثقافة تقليدية رصينة مكنته من التعرف على أغلب التقاليد التاريخية المروية، وثقافة عصرية رفيعة سمحت له بالاطلاع على جل المصادر الغربية التي تناولت تاريخ هذا البلد، ودراستها وتوثيقها.

كما استطاع ببراعة أن يزاوج بين هبة الانتماء الأصيل وصرامة المنهج العلمي الحديث، مما جعل قيمته العلمية لا تكمن فقط في كونه "ذاكرة وطنية" للمرويات التاريخية، بل وفي قدرته العلمية على إخضاع هذه المرويات للنقد والتحليل، والمقارنة بكل تجرد وأمانة.

لقد تعرفت على أخي الأستاذ محمد ولد الدي قبل زهاء عشرين سنة عندما كنت حينها أعد كتابي "تاريخ موريتانيا القديم والوسيط والحديث"، ففتح لي صدره وبيته ومكتبته، ووضع تحت تصرفي مراجع وتقارير نادرة، وزودني بنصوص ومعلومات ثمينة، مع أريحية نادرة، وكرم أصيل، وقدرة كبيرة على استثمار المعارف التاريخية، فقد كان يمتلك، إلى جانب إلمامه العميق بالتراث المحلي، دراية واسعة بالتقارير والبحوث الأجنبية، مما منحه تلك الرؤية الشمولية للأحداث التي يحتاجها كل مؤرخ، يتوخى الإحاطة بالحدث بكل موضوعية.

وقد جعلته صفته هذه مرجعا لا غنى عنه للباحثين الساعين نحو الدقة والتحقيق، فلذلك ساهم إسهامات جوهرية كان لها أثرها الإيجابي في جودة أعمال وتحقيقات تاريخية لعدد من الباحثين المعروفين.

وإن تنويهي به هنا هو احتفاء بنموذج نفتقر إليه كثيرا في هذا المجال، الذي يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى المسؤولية الأخلاقية، والنزاهة الفكرية، والأمانة في التعاطي، والحصافة في التناول، وهي صفات أعرفها كلها في هذا الرجل، الذي وهب لي -كما وهب لغيري- فكره ووقته ومكتبته، لا لشيء سوى حرصه على المساهمة في صيانة ذاكرة وطن ضعيها عدم الاهتمام -منذ عقود- بها، فليجد هنا عميق عرفاني وامتناني..

الحسين بن محنض