حين تمثل القصيدة مرحلة شعرية كاملة.. السُّبَاءُ.. المعلّقة الملحمية الجديدة..

أربعاء, 08/26/2026 - 07:56

بقلم: سعيد ولد حبيب

 

السُّبَاءُ: العود يحمله السَّيل من مكان إِلى مكان.

تماما كما هو حال الأمة في هذا الزمن الحضاري الذي يرى الشاعر أنه يشكل بحرا تجرف سيوله أمّتَه فتتحرك وترحل بإِرادة السّيل، وخلال ذلك تمرّ بكثير من التضاريس والمعالم تتلقفها، دون إرادة منها، الضّفافُ والتعرجاتُ، هكذا ترسم قصيدة "السّباء" صورة أيقونية مشبّعة بالفكر والفلسفة في واحدة من اللقطات النادرة التي تسمو بالشّعرية المعَاصِرة.

لقد جاءت قصيدة "السّباء" بكثير من الأساليب والتقنيات الفنية الشّعرية؛ حتى أنه يمكن وصفها بأنّها قصيدة جمعت كل المدارس والتياراتِ الشعرية وحايثتها بأصالتها وحداثتها، منذ الإبلاغ الشعري الأول على ظهرِ هذه الأرض، إذْ امتاحت قصيدة "السّباء" من بيئات عميقةِ ومتجذّرة في عمق الشّّاعرية العربية من خلال المفردةِ الأصيلة؛ الضاربة في سياقات الشّعر العربي، إنّها قصيدة البيئات اللغوية والأساليب التي تعايشت بشكل مدهش داخل هذا النّص الشعري الاستثنائي.

وإنَّ الجمل الشعرية في هذه القصيدة تكاد كلّ منها تتحوّل إلى أطروحة قائمة بما فيها من فكر وحدس وإخبار وتأويل عبرَ السياقات والأنساق، وعبر أساليب تراود المعنى بكل جرأة وغرائبية؛ في ذات الوقت، لكن أيضا بكلّ بساطة النّص الشعري التلقائي الذي لا يخفى على أذنِ السامع أنّه نصّ خال من التكّلف، برغم الكم الكبير الذي تضمّنته هذه القصيدة من الحكمةِ ومن استخدام الّرموز والإحالات والتوظيف المتقن للقصص في سرديات الليالي والأيام العربيةِ على مداراتها؛ منذ النّقش الأول على "عقدة كش" إلى صخرةِ الزير سالم والمصالحة الممنوعة؛ إلى أيام فجرِ الإسلام بالجزيرة العربية، فالتوظيف الواعي للجغرافيا المجاورة ولـ"جغرافية الفتح"، مع كثير من التقنيات التي استخدمها النّص لتشعير مشهدياتهِ الجارفةِ.

ومن الواضِح أنَّ الموسيقى الداخلية للقصيدة، على تسامت إيقاعاتها، هي موسيقى لم تقتصر على شعر التفعيلة؛ بل وعلى الشعرية الكلاسيكية؛ شعريِة الوزن الخليلي في بعض مقاطع القصيدة، بل اتكأت على خلق موسيقى غير نمطية من خلال إعادة بناء التركيب اللغوي الذي يهيل من عمق القاموس ومن هوامشه ومن خارجه أيضا.

"السّباء" قصيدة اللغة الماكرة؛ المتحرشة بكل إيقاع؛ قصيدة الرمز الواعي المتجذّر في أسلوب غير نمطي؛ اجتاز بكثير من الجرأة النمطيات والتكرار المريع الذي سقطت فيه حتى بعض النصوص الكبيرةِ.

 إنّ نَصَّ "السّباء" نصٌّ يكاد يجمع اللّب إلى القشرة إلى الهامش، فهامش الهامش، نصٌّ يقيم مواءمة متلائمة بين ما كان يعتبر متناقضات وأضدادا فإذا بهِ يتناسق بشكل مُتْقَن في لوحة من لوحاتِ الشعر التي يقتصر إجادَتها على ذاتهِ؛ بوصفها امتيازًا ذاتيًا تعبيريًّا؛ وانحيازًا جريئًا للوَعْي بوظِيفَةِ الشّاعريةِ.

إنّ النّصُوصُ الإبداعية التي اتخذت منعطفات بالشعرية العربية قليلة جدا، عكس ما يشاع نقديًّا، وهكذا فإن قصائد مثل "مديح الظل العالي" لمحمود درويش، و"الحب والبترول" لنزار قباني، والقصائد المفصلية عند شاكر السياب ونازك الملائكة، أخذت موقعها من مناطق الانبتات، إنْ صحّ التعبير، لكن أيضًا بتوظيف قوي للأبعاد الفكرية المحفّزةِ والسّردية العالمة بالتراثِ الإنساني عمومًا، وعلى مستوى الشعر الموريتاني تحضر نصوص كـ"السفين" للشاعر أحمد عبد القادر، ونصوص أخرى ملهمة ومؤسّسة لبدي أبنو ومحمد عبدي ومباركة بنت البراء وناجي محمد الإمام، والتي عدها نقاد إقلاعا آمنا بالنّص الشعري الموريتاني المعاصر، نحو الحداثةِ التي لا تعبأ بحراساتِ الشّرعية والشّرعنةِ!

وقصيدة "السّباء" تأتي لتعبر بالشعر الموريتاني مرحلة مؤسسة، بل إنه لولا عقدة الخواجة الأدبية، لقلنا إنّها توازي أنساق قصائد كونية كانت نقطةُ قوّتها الوحيدة هي الدّعم السياسي الذي حصلت عليهِ في أوج معارك الليبراليين واليسَاريينَ في الغرب.. وهو "حبّ أفضل للشعراء أن يرحموا منه". بتعبير محمود درويش.

لقد استطاعت قصيدة "السّباء" أن تجتاز أحقابا شعرية كاملة بما فيها من بيئات لغوية وأنساق أسلوبية بديعة في هذه القصيدة، التي تترفع بيئتها النّصيّة إلى مستوى عالٍ من التعبير المجازي الآسر، وتجتاز ببعض إحالتها إلى مصائد للمعنى تبعد ظلالها ألف شفق.

اتبعت القصيدة أسلوب المقاطع، والروي المتعدد، ويبدو أن الشّاعر تقصَّد أن تكون القصيدة نصًّا واحدًا دون فواصل بعناوين أو أرقام أو غير ذلك، وربّما يكون قصد بذلك ترك النّص كما تنزّلَ دون تقطيع أوصَاله بالتبويبِ والعنونة الداخلية، التي كانت ستكون عملا تقليديا في التّدوين، وهو ما لا يلائم هذا النّص الكبير الثائر على "المشتت"، والذي من الواضح أنّ الشّاعر احترم فطريّته وعفويته على ما فيه من تمكّن شعريّ وممكن فكري وفلسفيّ؛ وما فيه من استحضار مهيب للحضَارة العربية بإشراقاتها وخوافتها وبتوظيف ماكر للقدرة الهائلة للمفردة في اللغة العربية، تلك المفردة التي تجليها "السّباء" بإعادةِ الشّحن، وإعادة السّحب والدفع، وإعادة التوظيف وحتى إعادة التعريف.

لم توظف أي قصيدة موريتانية في التاريخ هذا الكمّ من الرّموز والإحالات والتوظيفِ النّصّي وهو تجلٍّ واضح للشاعرية المثقفةِ.

إنّ قصيدة "السّباء" ولدت ولادة مترابية فنيًّا، وهو أمرٌ كان متوقعًا من تجربة شعرية رائدة، كالتجربة التي قدّمها الشّاعر المختار السالم لمدونةِ الشعر الموريتاني والعربي. إنها قصيدة شَاعر أَلِفَ منابر القصيدة في عواصم الشعر العربي وفي أطرافهِ وأريافه، أيضا، وهو فيها حوّل أمته وقضيته إلى أنشودة خالدة، حتى وهو يضعها في هذه الصورة من "السُّبائية"، لكنّها "سُبائية" لا تكتفي فقط بالحركةِ، بل تحرّك في محيطها وتؤثّر فيهِ فتجرف وتزيح هي الأخرى، وهي أيضا "سُبائية" أكثر من واعية حين يلمّح الشاعر إلى أن عود السُّباء هذا حان له أن ينغرس في التربة فيعاود النبات والاخضرار تماما كما تخضر أعواد "التكاك" في مخيّمات الصحراء بشنقيط بعد قطعها ونقلها بزمن طويل، وهكذا فإن قصيدة "السّباء" هي قصيدة كبيرة وواعية ومتطرفة وجانحة وفجائية وملحمية إلى حدّ الدّهشة.

 

سعيد ولد حبيب