
لا يزال موضوع اختصاص أوروبا بديناميكية الحداثة و«فشل» المجتمعات الإسلامية الكلاسيكية في الانتقال إليها مطروحاً منذ نظرية هيغل في فلسفة التاريخ وأطروحة ماكس فيبر الشهيرة حول علاقة نشأة الرأسمالية بالإصلاح البروتستانتي. ما حدث في السنوات الأخيرة هو تحولان أساسيان، هما من جهة إعادة النظر في ديناميكية التحديث الأوروبي، ومن جهة أخرى إعادة استكشاف وقراءة التقليد الفلسفي والعلمي الإسلامي في سياق السردية الإنسانية الكونية.
في الجانب الأول، نشير إلى ما بينه تونيو نغري ومايكل هاردت في كتابهما «الإمبراطورية» من تعدد أنساق الحداثة في أوروبا، بالتمييز بين ما سمياه «حداثة التعالي أو حداثة السلطة» و«حداثة المحايثة أو حداثة الجمهور». النمط الأول من الحداثة يتجسد في الخط الممتد من ديكارت وهوبز إلى روسو، وهو الذي كرس مفهوم الذاتية الفردية وسيادة الدولة القومية ونظام التمثيل السياسي ورأسمالية العمل والانضباط، والنمط الثاني يتجسد في الخط الممتد من ماكيافيلي وسبينوزا إلى ماركس وينطلق من المفهوم الاجتماعي للجمهور والنظر إلى الحرية بصفتها قوة جماعية والعمل من حيث هو نشاط تشاركي تعاوني.
في ضوء هذه المقاربة، يمكن التفكير في نمط ثالث من الحداثة، برزت منطلقاته لدى ابن سينا (المتوفى سنة 1037 ميلادي) ووصل مداه في فلسفة الملا صدرا الشيرازي (المتوفى 1640) الذي كان معاصراً لفيلسوف الحداثة الأوروبية ديكارت. هذا النمط الثالث يقوم على النزعة الذاتية الداخلية التي تقدم مقاربة مغايرة لنظرية النفس الأرسطية، بما يتجسد في أفكار الشيرازي حول أصالة الوجود (في مقابل الماهيات) والحركة الجوهرية (في مقابل أنطولوجيا الصور الثابتة) والعلم الحضوري (الذي هو أساس وعي الإنسان بذاته)، والتأويل العرفاني (مقابل التفسير البياني المباشر للنص).
ليس من همنا الوقوف عند الإشكالات الفلسفية التي برزت في التقليد الإسلامي الوسيط وانتقلت إلى العصر اللاتيني المتأخر لتكون حاسمة في تبلور الفكر الحديث، (مثل أنطولوجيا الشيء والتمييز بين الماهية والوجود وجدل النفس الناطقة والعقل الكوني)، وإنما أردنا توجيه النظر إلى تشكلات حداثية متميزة تبلورت في القرن السادس عشر الميلادي الذي ينظر إليه خطأ بكونه «عصر انحطاط المجتمعات المسلمة».
صحيح أن نظام الخلافة المركزية قد انحسر في تلك الحقبة وتراجع قلب العالم العربي إثر الغزو المغولي والحروب الصليبية، كما نجحت حروب الاسترداد في الاستيلاء على الأندلس، لكن بعض التجارب النوعية ظلت حية، في مصر وبلاد فارس والهند. منذ كتاب ماكسيم رودنسون الشهير «الإسلام والرأسمالية» الصادر سنة 1966، أظهرت الأبحاث التاريخية الرصينة أن معوقات انتقال المجتمع الإسلامي الوسيط إلى الرأسمالية الحديثة لم تكن فكرية ولا اقتصادية، ذلك أن العقيدة الإسلامية لم تحارب الربح التجاري ولا الملكية الخاصة، بل طورت تقاليد كبرى ناجعة في القروض والاستثمار والتبادل النقدي والضرائب والعقود التجارية والأوقاف.
بل إن المؤرخ البريطاني بنديكت كويلر في كتابه «الإسلام المبكر وميلاد الرأسمالية» ( 2014) يبين أن المدن التجارية الأوروبية الكبرى التي عرفت أولى التجارب الرأسمالية، مثل فينيسيا وجنوا اعتمدت النظم المؤسسية والتقنيات الإجرائية التي ظهرت في العالم الإسلامي الوسيط. بالنسبة لرودنسون، لم تستطع المجتمعات الإسلامية التحول إلى نمط الاقتصاد الرأسمالي الحديث نتيجة للتباين بين نمط الرأسمالية التجارية الإسلامية المزدهرة والرأسمالية الصناعية التي تطلبت شروطا تكنولوجية وسياسية توفرت لأوروبا الحديثة لأسباب ظرفية،لا علاقة لها بالثقافة والمعتقدات.
لن نخوض في الجدل النظري حول أسبقية الأفكار النظرية (الإصلاح الديني والتنوير)، أو النظام التقني الصناعي في مسار الحداثة الأوروبية، لكن ما يهمنا هو التدليل على أن المجتمعات المسلمة في مرحلة الصعود الأوروبي طورت الشروط المعرفية والمؤسسية للحداثة، وإن لم تنجح لعوامل تاريخية تتعلق بطبيعة أوضاعها التاريخية باستكمال مشروعها الحداثي. السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل أجهض التدخل الأوروبي الذي بدأ في القرن الثامن عشر ديناميكية نهوض وتحديث حقيقية في العالم الإسلامي أو أدخل أفكار التحديث والتنوير إلى عالم جامد ومنغلق؟
لا زلنا بحاجة إلى دراسات معمقة حول أنماط وأوجه التبادل والتعايش بين العالمين الإسلامي والأوروبي منذ القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، لدحض أطروحة المجالين المنفصلين فكرياً وتاريخياً، وهي أطروحة لم يعد من الممكن الدفاع عنها بعد استكشاف المسارات المتعددة للحداثة الأوروبية وأوجه تفاعلها مع الفكر الإسلامي الوسيط.
*أكاديمي موريتاني









