يوم وقعت في البئر

ثلاثاء, 02/08/2022 - 01:35

عبد الله محمدن امون

 

كنت حينها في الثامنة من عمري ولا أزال أتذكر الكثير من تفاصيل الواقعة.

المكان جنوب شرقي مدينة تگند وتحديدا كثيب "اگجاريت"

كانت الخيم الأربع البيضاء تضرب أطنابها على ذلك التل المرتفع مما يوفر للناظر إطلالة بانورامية على الأفق المحيط.

الأطفال يعدون على أصابع اليد، أنا وبنتين في نفس عمرى تقريبا، ولد مشلول يكبرنا بسنوات قليلة

كانت الظروف البدنية للولد تمنعه من مجاراة اللعب معنا معشر الأصحاء، بل إن البنتين كانتا تخافان منه وتتجنبان النظر إليه وهو يجر على الأرض نصفه المشلول.

كنت المحظي لدى البنتين اللتين تتنافسان على اللعب معي وهو ما كان يحز في نفس الولد المشلول الذي كان يتميز من الغيظ كلما رآنا نقفز ونلعب كأننا جِفارٌ شباع مسرحة تحت أمهاتها.

ولأن الطفل المشلول كان يحترق داخليا غيرة وحسدا فقد حعلني أصدق مبكرا مقولة "شر الناس ذووا العاهات"

كنت لا أحبذ الذهاب معه في رحلاتي "التأملية" خلال المضارب، لكنه تلك المرة الح علي كي أصطحبه إلى البئر في زيارة "تفقدية" كنت أقوم بها من حين لآخر.

وصلنا "الحاسي" الذي كان بطول ستة أمتار وكان آيلا للسقوط كما قيل لي فيما بعد.

قفزت برشاقة متجاوزا الدمنة التي تلف البئر في حين وصل المسكين زحفا حاملا بين رجليه وملابسه الكثير من معجون الطين والمدر المنتشر حول فوهة البئر.

انبطح الولد على الإطار المطاطي العملاق الذي يسور فوهة البئر ودلا رأسه قائلا يا فلان هل ترى ما أرى في قعر البئر؟ كنت أقف على الطرف المقابل فقلت لا أرى شيئا، قال هلم إلى جانبي وانظر سترى عجبا، و ببراءة طفل في الثامنة لم يعرف الخبث بعد طريقا إلى قلبه النقي كماء الغمام والأبيض كلون حليب معزاته "لبريْشة"، بفطرة سليمة خثوت على ركبتي وانحنيت نحو قعر البئر الذي بدى لي بعيدا جدا، حدقت في الدائرة المائية وكأنها عين كائن عملاق، كانت صفحتها تعكس أشكالا غير واضحة، كنت أفتش عن الشيء الغريب الذي تحدث عنه صديقي المعاق الشرير.

لم أكن قلقا من شيء فمفهوم الخيانة لم يتبلور بعد في عقلي الصغير، سألت صديقي الغادر وأنا امعن النظر قائلا، لم أرى أي شيء، وقبل أن اكمل جملتي كان الشرير الصغير يدفعني بكلتا يديه وبما أوتي من قوة فانزلقت نحو قعر البئر ولم أستفق إلا وأنا جاثٍ علي ركبتي والماء يكاد يغمرني بالكامل.

لا أتذكر تسلسل كل الأحداث التي وقعت وأنا في قعر البئر، أتذكر أنني كنت أبكي وأنادي أفرادا من أسرتي، أتذكر كذلك أنتي حاولت مرات تسلق الأخشاب والحشائش التي تغطي جنبات البئر لكنني كنت كل مرة أسقط كلما وصلت ارتفاعا معينا، أذكر أن إحدى الأخشاب سقطت على رأسي خلال إحدى سقطاتي المتكررة فشعرت بألم شديد.

كان وقت الحادثة ظهرا ووُرَّادُ الماء قد غادروا قبل وصولنا وهو ما يعني أن البئر ستبقى معطلة إلى صباح الغد

أما الولد الشرير فقد عاد إلى الخيام وتحديدا خيمتنا نحن حيث كان طعام الغداء جاهزا فع فوا له منه، سألته والدتي عني فقال لها- وهو يرفع لقمة إلى فمه- لقد تركته هناك مشيرا إلى جهة البئر.

بعد مرور ساعة تقريبا مر بالبئر عابر سبيل يريد أن يسقي شياها له وما إن أنزل الدلو حتي تعلقت به وصحت "آن طايح في الحاسي" سمع الرجل كلامي فقال من أنت؟ فقلت بالحرف "ذاك آن" فأعاد السؤال ولكن ما اسمك فكررت نفس الإجابة فقد كنت خجلا من ذكر اسمي، قال الرجل - ولن أنسى عبارته- "دير لحبل فگاشوشك"، فهمت من كلامه أنه يريد مني أن أحعل الحبل يخترق صدري فقلت له كيف أفعلها فقال ضاحكا لا بأس، ضع رحليك في الدلو وتمسك بالحبل حيدا ففعلت، بدأ الرجل في جذب الحبل شيئا فشيئا وبمنتهى الروية فقد كان يخاف أن أسقط أثناء عملية الإنقاذ.

لحظات وكنت خارج البئر أذكر منها أن الرجل أعاد الدلو فأخرج ماء وطلب مني أن استحم فقلت له لا بأس لكن لا تصب الماء على رأسي.

عدت إلى الخيمة مرهقا مبللا كأني كتكوت أخرجوه من قصعة حَيْس.

سألتني والدتي ما الذي بلل لباسك فقلت وأنا أغالب البكاء لقد وقعت في البئر وأخرجني أحدهم قبل قليل، القت اللقمة من يدها وهي تقول بلوعة "يا حري يكون انكركب فمارو وعبد الله طايح في الحاسي" .