«بــنـــــت» ولــــيـــس «مـــنـــت»!

سبت, 10/07/2023 - 12:34

الحسن المختار 

 

 

من مستقبح عادات المتخشبين المتفرنسين في موريتانيا، أعاجم اللسان والمزاج والوجدان، تمسكهم بقشور وشكليات وكليشيهات تراث وتقاليد الاستعمار اللغوي، كاستبدالهم لكلمة «بنت» بكلمة «منت»، متأثرين في ذلك بما كانت سجلات عهد الاستعمار تفعل، كون المقيِّد في كنانيش ودفاتر النفوس الإدارية الفرنسية أجنبي الثقافة واللسان في الغالب، ولذلك عندما يسأل عن اسم امرأة ليقيّدها يقال له هذه فلانة منت فلان، فيقيّد الاسم بهذا النطق العامي. وقد احتفظ الأوفياء لذلك العهد الأغبر بهذه العادة حتى الآن فتراهم حين يكتبون اسم أخت موريتانية بالفرنسية خاصة يكتبون Mint وربما امتد هذا اللحن المستهجن القبيح أيضاً إلى من يكتبون أسماء الشقائق حتى بالعربية أحياناً.

وهذا غير مقبول، حتى لو كان إبدال الباء ميماً أمراً معروفاً عند بعض العرب القدامى، وكانت تعرف به خاصة قبيلة مازن من ربيعة، لأنها قبيلة حضرية تؤثر الأصوات غير الشديدة، كما يقال.. ولكن ليس هذا على كل حال هو سبب إبدال أعاجمنا المفرنسين اليوم... فهم ربما يفعلون ذلك، على الأرجح، للتباهي بأن فرنسا قد أرضعتهم وحنَّكتهم، ولذا لا تحق لهم الاستفادة من تلك الرخصة الصوتية العربية القديمة.. وأين هم من العرب ومن الفصاحة؟ ولذا أقول لهم اكتبوها كما تكتبها العرب جميعاً، قديماً وحديثاً، هكذا: «بنت» وليس «منت»! فلسنا نحن من اخترع اللفظ.. وكلمة «بنت» و«ابنة» في اللسان العربي هي مؤنث «ابن»، وأصلها كما يقول أئمة اللغة «ابنو»، أي إن اللام فيها واوٌ أصلاً. جاء في «لسان العرب» لابن منظور الأفريقي، رحمه الله:

قال ابن سيده: والأُنثى ابنة وبنتٌ؛ الأَخيرة على غير بناء مذكرها، ولامِ بِنْت واو، والتاء بدل منها؛ قال أَبو حنيفة؛ أَصله بِنْوَة ووزنها فعلٌ، فأُلحقتها التاءُ المبدلة من لامها بوزن حِلْسٍ فقالوا بِنْتٌ، وليست التاء فيها بعلامة تأَنيث كما ظن من لا خِبْرَة له بهذا اللسان، وذلك لسكون ما قبلها، هذا مذهب سيبويه وهو الصحيح.

أما «منت» فهي كلمة أخرى من لغة العرب لها معانٍ عدة، منها ما هو اشتقاق من المنيّة، أطال الله أعماركم، ومنها ما هو مشتق من التمني أي الكذب، والتوسع في التخييل.

قال في «لسان العرب» أيضاً:

قد مَنى الله له الموت يَمْني، ومُنِي له أَي قُدِّر؛ قال أَبو قِلابة الهذلي:

ولا تَقُولَنْ لشيءٍ: سَوْفَ أَفْعَلُه.. حتى تُلاقِيَ ما يَمْني لك المَاني

وفي التهذيب: حتى تبَيّنَ ما يَمْني لك الماني أَي ما يُقَدِّر لك القادر؛ وأَورد الجوهري عجز بيت: حتى تُلاقَي ما يَمْني لك الماني وقال ابن بري فيه: الشعر لسُوَيْد بن عامرٍ المُصْطلِقي وهو: لا تَأْمَنِ المَوتَ في حَلٍّ ولا حَرَمٍ، إِنَّ المَنايا تُوافي كلَّ إِنْسانِ واسْلُكْ طَريقَكَ فِيها غَيْرَ مُحْتَشِمٍ، حتَّى تُلاقَي ما يَمْني لك الماني وفي الحديث: أَن منشداً أَنشد النبي، صلى الله عليه وسلم:

لا تَأْمَنَنَّ، وإِنْ أَمْسَيْتَ في حَرَمٍ.. حتى تلاقَي ما يمني لك الماني

فالخَيْرُ والشَّرُّ مَقرونانِ في قَرَنٍ.. بكُلِّ ذلِكَ يأْتِيكَ الجَدِيـــدانِ

فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لو أَدرك هذا الإِسلام؛ معناه حتى تُلاقَي ما يُقدِّر لكَ المُقَدِّرُ وهو الله عز وجل. يقال: مَنى الله عليك خيراً يَمْني مَنْياً، وبه سميت المَنِيَّةُ، وهي الموت، وجمعها المَنايا لأَنها مُقدَّرة بوقت مخصوص؛ وقال آخر: مَنَتْ لَكَ أَن تُلاقِيَني المَنايا أُحادَ أُحادَ في الشَّهْر الحَلالِ أَي قدَّرت لك الأَقْدارُ. انتهــ..

والتمني أيضاً الكذب والافتراء، قال في «اللسان»:

والتَّمنِّي: الكَذِب، تَفَعُّل مِن مَنَى يَمْني إِذا قَدَّر لأَن الكاذب يُقدِّر في نفسه الحديث ثم يقوله، ويقال للأَحاديث التي تُتَمَنّى الأَمانيُّ، واحدتها أُمْنِيّةٌ؛ وفي قصيد كعب:

فلا يغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ.. إِنَّ الأَمانِيَّ والأَحْلامَ تَضلِيلُ

وتَمَنَّى: كَذَبَ ووضَعَ حديثاً لا أَصل له. وتَمَنَّى الحَديث: اخترعه. وقال رجل لابن دَأْبٍ وهو يُحدِّث: أَهذا شيء رَوَيْتَه أَم شيء تَمَنَّيْته؟ معناه افْتَعَلْتَه واخْتَلَقْته ولا أَصل له.