
كلمة افتتاح النسخة الثالثة من الإحياء الرمضاني 1446، الذي تنظمه هيئة الشيخ سيد محمد الكنتي الكبير/نزيل فصك احتفاء بالشهر الكريم.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الحضور الكريم..
اسمحوا لي أن أتوجه بالشكر للإخوة الدكاترة، والأدباء الذين شرفوا هيئة الشيخ سيد محمد الكنتي الكبير/نزيل فصك بالمشاركة في النسخة الثالثة من الاحياء الرمضاني الذي تنظمه احتفاء بالشهر الكريم. والشكر موصول لوزارة الثقافة والفنون والاتصال مع البرلمان، ممثلة في الوزير الحسين مدو على تكفلها بنفقات هذه النسخة.
كما أتوجه بالشكر الجزيل لقناة المدينة الفضائية، ممثلة في مديرها العام الأستاذ محمد الأمين أحمد سالم المقري على سرعة تجاوبه مع طلب الهيئة التعاون على تغطية الندوات، فاقترح استضافتها في استوديوهات القناة.
أيها الحضور الكريم...
تقول الحكاية: إن الحكيم ديلول التباري، في بحثه الدؤوب عن "ضالة الإبل"، بات عند أعرابي. فلما أصبح مضيفه صب لأطفاله اللبن في إناء واحد، فكرعوا جميعا بلا زحام ولا خصام!!! علق الحكيم على المشهد بقوله: " لن يكون في هؤلاء نبوغ ". ذلك أن المزاحمة والتدافع سنة كونية تتمايز بها النفوس بين خامل يكتفي من الغنيمة بالإياب، وطموح لا يقيم على ضيم "إلا ريثما يتحول". هذا التدافع المثمر، وتلك المزاحمة الخلاقة هي التي أرادت هيئة الشيخ سيد محمد الكنتي الكبير/نزيل فصك أن تستثمرها في حقلنا الثقافي، وفضائنا الفكري من خلال نقائض، أو ثنائيات، تطرح إشكالات مختلفة، ربما تناقضت وجهات النظر حولها. ولعل صفة التناقض هذه هي التي أغرتنا بها، لنظهر، من خلال البحث المعرفي الجاد، أن اختلاف وجهات النظر لا يفسد للود قضية، بل ربما كان مصدر جذب.
لقد أردنا، من خلال هذه النسخة الثالثة من "الإحياء الرمضاني" أن نبين أن بعض المسكوت عنه يحسن الكلام فيه لإظهار أن شقة الخلاف تتسع باتساع كثافة الصمت، وأن الخلاف ذاته ظاهرة صحية تتيح المجادلة بالتي هي أحسن قصد مقاربة الحقيقة، واستشراف آفاق لا يمكن الوصول إليها بالاتفاق، والمجاملة، والتشاور...
إن امتلاك رأي امتياز لا يستحقه إلا المستعدين للدفاع عنه، وتحمل ما يلقونه في سبيل ذلك، ورائدهم قول الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. تظل هذه الاحتمالات غير مثمرة ما لم يجتهد كل طرف في إثبات صحة وجهة نظره، ولا يتم ذلك إلا بالمواجهة الصريحة، والثبات على الموقف ما دمت تعتقده صوابا. بفضل هذا التدافع تتقدم المعرفة وتزدهر الحقول الثقافية.
يعود آخر تدافع فكري، في حياتنا الثقافية، إلى سنة 1979، وامتد صداه إلى مطلع الثمانينيات، حين كتب المرحوم الرشيد ولد صالح عن " الأدب العربي في موريتانيا (الحلقة المفقودة) ليرد عليه إدوم محمد يحي بأطروحة نقيض: أصداء حلقة فقدت فأثرت. دار النقاش على صفحات جريدة الشعب، واشترك فيه آخرون. ولعل الأخوين الرشيد وإدومو أرادا استعادة صدى المعارك الأدبية التي دارت بين الرافعي والعقاد، وزكي مبارك وطه حسين، فوضعا الأدب العربي في موريتانيا "على السفود" ليثبتا أن "العصا من العصية"، في بيئة عرف فيها الفكر القومي مدا سريعا بعد تراجع اليسار بفعل تنازلات "الميثاقيين".
غير أن هذا الجدل الفكري ما لبث أن أفسح المجال لنقاشات سياسية محضة بين حركات سرية تلاحقها السلطة. ثم جاءت "ديمقراطية لابول" ليتضخم القول السياسي في مظاهرات صاخبة ما لبثت أن تحولت إلى مسيرات مرخصة ومؤطرة، ومهرجانات تمخضت عن مبادرات... ثم كرعوا معا كما كرع أطفال الأعرابي.
عشرات مراكز الأبحاث، والجمعيات الثقافية تغط في "سبات صيفي" فلا تحس لها وجودا، باستثناء "صالون نخبة"، و"بيت شعر" متخصص، ومركز محيط بقضايا المرأة، واتحاد يحتسي الأدب في مقهى، وهذه الهيئة التي تطل علينا في رمضان ثم تنشغل بالعمل الخيري بقية العام. فمن أين للفكر الموريتاني أن ينهض، ولثقافتنا أن تنتعش إذا كان المثقف موظفا، والسياسي على الوضع الصامت!!!
لعل تطور الفكر، وازدهار الثقافة في وطننا يتطلب تضافر جهود السلطة والنخبة بنهوض كل منهما بدوره المجتمعي؛ فتدرك السلطة حاجتها إلى نخبة قادرة على إنتاج الأفكار، وطرح وجهات نظر قد تكون مزعجة، بدل تنفيذ الأوامر، وانتظار التوجيهات. وتعي النخبة أن ما روجه الغرب، أيام الحرب الباردة، من ضرورة أن تكون معارضا لسلطة بلدك لتفوز بلقب مثقف، كان دعاية غرضها إضعاف الأنظمة التي لا تسير في ركاب الاستعمار الجديد. إن التماهي مع شخصية ساخاروف، واللهاث خلف الجوائز خيانة للوطن، واستقالة من الدور الاجتماعي المنتظر من المثقف. وأنت إذا نظرت إلى المجتمعات الغربية ستجد انسجاما تاما بين النخبة والسلطة؛ كان الأستاذ الجامعي الدكتور هنري كيسنجر مستشارا للأمن القومي، ثم وزيرا للخارجية. وقل الشيء نفسه عن الدكتور زبيغنيو بريجنسكي مستشار القومي للرئيس كارتر، ومنظر سياسة الاحتواء المزدوج، وصاحب فتوى الجهاد في أفغانستان. وفي فرنسا كان الروائي آندريه مالرو وزير ثقافة الجنرال ديغول، والتروتسكي ريجيس دوبريه مستشارا للاشتراكي ميتران. ومنظريْ نهاية التاريخ، وصدام الحضارات موظفيْن بوزارة الخارجية الأمريكية...
وإذا عدنا إلى تراثنا العربي الإسلامي سنجد أن علاقة المثقف بالسلطة لم تسر على وتيرة واحدة وإنما حكمتها الظروف والاجتهادات، فأثمر التعاون بين أبي جعفر المنصور والإمام مالك عن الموطأ. لكن أمير المؤمنين حين أراد من الإمام تغيير فتواه المبطلة لطلاق المكره اصطدم برفض صريح. وقد كان بإمكان الامام النجاة من غضب السلطان بالقول إن فتواه تتعلق بالأحوال الشخصية، ولا صلة لها بالبيعة، أو أنها فتوى قديمة تتوجه إلى العامة، ولا تشمل الشجرة الهاشمية الطاهرة... تحمل الإمام السياط حتى انخلعت كتفه، لكن بطلان بيعة المكره استقر في الفقه الإسلامي.
وحين أراد المنصور إياه أن يستثمر الفكر المعتزلي لتوطيد حكمه، توجه إلى صديقه عمرو بن عبيد.." أعني بأصحابكم، فهم أهل العدل والتوحيد". فجاءه الجواب من مثقف يضع حدودا بين العلاقات الشخصية والشأن العام، ولا يجامل: "ارفع علم الحق يتبعك أهله". ولم يغضب السلطان فينكل به، وإنما نظر إليه موليا فقال: " كلكم يمشي رويد، كلكم طالب صيد، إلا عمرو بن عبيد".
وعلى الطرف الآخر اختار أبو حنيفة السجن بدل خدمة السلطان، وكان ابن أبي دؤاد منظر المأمون، وابن حنبل معارضه الشرس، وخدم الغزالي نظام الملك السلجوقي، ومات ابن تيمية في السجن، ورفع المتنبي سيف الدولة إلى العلياء وأدخل كافور إلى التاريخ، ولو من باب الهجاء، ولولا أبو تمام لكان فتح عمورية مجرد غارة على بلدة صغيرة.
أيها الناس!
إن بلدا يكاد النشر ينعدم فيه، وتخلوا جامعاته من المؤتمرات والندوات العلمية، ولا ينشغل مثقفوه بجديد المعرفة، ولا ينخرطون في تيارات ثقافية، أو مدارس فكرية، بلد في خطر. ذلك أن الجمود الثقافي، والفقر المعرفي مؤذنان بضياع هوية المجتمع التي لا يمكن بناؤها بالسياسة، ولا المحافظة عليها بالاقتصاد. تقع المسؤولية الأولى على السلطة السياسية؛ فالسلطان سوق يجلب إليه ما ينفق فيه. فمنذ انطلاق المسلسل الديمقراطي، أولت السلط المتعاقبة كل اهتمامها للسياسة فتضخمت الأحزاب والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني التي تجاوزت سبعة آلاف! فارتفع سهم الأصوات، وانتشرت المهرجانات، وتناسلت المبادرات، ولم يكتب حرف واحد في الفكر السياسي. وابتذلت جائزة شنقيط فمنحت لمن يحقق مخطوطا من العصر المملوكي!
وبعد..
يقول أحمد بن الحسين المتنبي:
إذا كان بعض الناس سيفا لدولة ففي الناس بوقات لها وطبول
فمتى نستبدل بالطبول عقولا تفكر في بناء وطن تجاوز الستين من عمره؟
أشكر لكم حسن إنصاتكم
والسلام عليكم ورحمة الله
محمد إسحاق الكنتي