يوميات مهاجر غير شرعي... (6)

سبت, 01/17/2026 - 21:04

محمد محمود مولاي الزين

 

 

استيقظتُ في ذلك الصباح على صوت أغنية قديمة، أغنية لم أسمعها منذ سنوات المراهقة:

Nobody wants to see us together – Akon

كانت تتسلل إلى أذني كذكرى بعيدة، كأنها قادمة من زمن كنت فيه أخفّ، أبسط، لا أحمل همّ الغد، ولا أعرف معنى المسؤولية الثقيلة.

في تلك اللحظة، عاد بي الزمن.

تذكّرت أيّامًا كنت أضحك فيها بلا حساب،

أيام الأصدقاء،

أيام الطيش الجميل،

أيام لم أكن أعرف فيها معنى أن تُقاتل فقط كي تبقى حيًا.

نهضت من مكاني ببطء.

شربت كأس شاي موريتاني…

ذاك الشاي الذي ليس مجرد شراب،

بل طقس، وذاكرة، ودفء.

كما يقول أهل موريتانيا: “كاس من أتاي”

كأنه محاولة بسيطة لاستعادة إنسانيتنا وسط هذا الجحيم.

ثم قمنا لنكمل الرحلة.

اجتمعنا في مجموعات صغيرة.

السماء تغيّرت فجأة.

نزل علينا مطر غزير، مطر لا يرحم.

البرق يلمع،

والرعد يهزّ الصدور،

وكأن السماء تشاركنا خوفنا.

كنا نمشي بمحاذاة البحر،

الماء عن يميننا،

والغابة عن يسارنا،

والسماء فوقنا تمطر بغضب.

لبست الملابس التي اشتراها لي المهرّب،

ملابس قيل إنها لتحمينا من المطر،

لكنها لم تحمِ شيئًا من الخوف الذي في الداخل.

ستّ ساعات كاملة من المشي.

أجساد مبتلّة،

أقدام منهكة،

وعقول معلّقة بين الأمل واليأس.

وفجأة…

توقّفنا.

الطريق كان مسدودًا.

بحيرة واسعة أمامنا.

لا جسر.

لا قارب.

لا حلّ واضح.

إما أن نغامر ونقطعها سباحة،

أو ننتظر حتى يجفّ الماء…

ونحن لا نملك وقتًا،

ولا طعامًا،

ولا ضمانًا أن يجفّ شيء.

قلت في نفسي:

هل أُجازف؟

هل أترك الآخرين؟

هل أستسلم؟

لكن المجموعة كانت أذكى من اليأس.

اتفقوا أن يمسك كل واحد بطرف الآخر،

ويسبحوا في خط واحد.

سألتهم:

من منكم يجيد السباحة؟

كان اثنان فقط.

سبح الاثنان،

قطعوا البحيرة،

ثم عادوا،

وساعدوا البقية واحدًا واحدًا.

عندما عبرنا جميعًا،

تنفّسنا الصعداء…

لكننا لم نكن نعلم أن الأسوأ لم يبدأ بعد.

دخلنا الغابة من جديد.

غابة موحلة،

الأرض طين،

كل خطوة تهديد بالسقوط.

كنت أمشي،

وفي داخلي سؤال واحد يتكرر:

لماذا أنا هنا؟

كنت أتذكّر ابني،

أتذكّر أمي،

أتذكّر أسرتي،

وأقول في نفسي:

كم أنا منحوس؟

كيف جئت بنفسي إلى هذا البلاء؟

وكنت أُعاهد نفسي:

إن خرجتُ من هذه الغابة حيًا،

فلن أكون نفس الشخص.

سأكون إنسانًا يعرف قيمة النعمة،

يعرف معنى الأمن،

ويحمد الله على أبسط الأشياء.

وفي وسط هذا الجحيم،

كان بيننا رجلٌ مسنّ من مصر الشقيقة،

في عمر ثلاثة وسبعين عامًا.

لم يكن يبحث عن حلم كبير،

ولا عن مال،

كان حلمه الوحيد

أن يصل إلى أمريكا

ويحتضن أحفاده.

كان يمشي ببطء،

أنفاسه ثقيلة،

وخطواته محسوبة.

كنت أخاف عليه أكثر مما أخاف على نفسي.

كنا ننتظره،

نساعده،

نشدّ من أزره،

حتى لا يُترك خلفنا.

وعندما اشتدّ التعب،

كان يقول بصوت هادئ:

“ربنا موجود… ما تخافوش.”

كلماته كانت أثقل من الجسد،

وأقوى من التعب.

بعد فترة،

سقط أحد الإخوة من أمريكا اللاتينية.

كان كبيرًا في السن.

إصابته كانت بسيطة في ظاهرها…

شدّ عضلي فقط.

لكن في تلك الغابة،

أبسط إصابة

تعني النهاية.

بقي على الأرض،

لا يستطيع المتابعة.

وبعد وقت قصير…

مات.

مشهد مؤلم،

قاسٍ،

يُكسّر القلب.

تخيّلت نفسي مكانه.

تخيّلت أن تصيبك إصابة صغيرة،

فتُترك وحدك،

وسط الغابة،

دون وداع،

دون قبر،

دون اسم.

كنت حذرًا في كل خطوة.

متيقظًا لكل حركة.

خائفًا من أن أتعثر.

وبعد ساعتين…

نسيت المشهد.

كأن شيئًا لم يحدث.

لأن هناك قانونًا واحدًا في ذلك الطريق:

إلى الأمام فقط.

لا مكان للوراء،

ولا وقت للحزن الطويل.

مع مرور الوقت،

تحوّل الخوف إلى عزيمة.

وتحوّل التعب إلى صمت.

وتحوّل الألم إلى عادة.

جلسنا نستريح قليلًا،

مع بعض الإخوة الموريتانيين.

وفي تلك اللحظة،

قال أحدهم بصوت هادئ:

إذا متّ هنا… بلّغوا والديّ أنني أحبّهما.

كانت وصية.

كلمات بسيطة،

لكنها اخترقت قلبي.

تذكّرت أمي.

انحبست دموعي.

بكيت داخليًا،

لأن البكاء بصوت عالٍ

لم يكن مسموحًا.

واصلنا السير.

وبعد ساعات طويلة،

وصلنا أخيرًا إلى مكان للتخييم.

وصل معنا ذلك الرجل المصري المسن،

رغم التعب،

رغم السن،

رغم الألم.

وصل بكرامته،

وبدعائه،

وبصبره.

نصبت خيمتي بيدين مرتجفتين.

رششت المبيد ضد الحشرات.

لم تكن هناك شهية للأكل.

التعب كان أكبر من الجوع.

لم أكن أفكر في الوصول،

ولا في الحلم،

ولا في الغد.

كنت أفكر فقط:

كيف أنجو؟

جمعت الصلوات،

قصرت،

وجلست بيني وبين نفسي.

تذكّرت أن كل الحلول عند الله.

وأن أقرب ما يكون العبد من ربّه

وهو ساجد.

سجدت.

دعوت.

بكيت.

تضرّعت.

قلت:

يا رب، أخرجني من هذا البلاء…

يا رب، نجّني من هذا الجحيم.

وفي تلك اللحظة،

لم أكن مهاجرًا،

ولا مغامرًا،

ولا حالمًا.

كنت فقط

عبدًا ضعيفًا

يتشبّث بالله

ليعيش يومًا آخر.

يتبع…

لأن الطريق

لم يكن سفرًا،

بل انكسارًا طويلًا

علّمني

أن النجاة

ليست قوة جسد،

بل رحمة من الله.