
كتب الأستاذ عماد بن عبد الله السديري:
أكدت في مرات سابقة كثيرة أن دول المغرب العربي، بالإضافة إلى دول عربية أخرى كثيرة، تطبق سياسات لغوية مخالفة للتوجهات البحثية والممارسات الدولية. ففي الوقت الذي تخصص فيه جميع الدول المتقدمة زمنا للغة الأولى يتجاوز الزمن المخصص للغة الأجنبية، تخصص هذه الدول، في الكثير منها، زمنا للغة الأجنبية يتجاوز الزمن المخصص للغة الأولى.
وبقراءة البيانات المتوفرة بشأن مدى إتقان تلاميذ المغرب العربي للغات، يتبيّن أن الغالبية الساحقة لا تتقن اللغة الأولى، حيث تبلغ نسبة التلاميذ التونسيين الذين يعجزون عن تحقيق الحد الأدنى من الإتقان في القراءة باللغة العربية في نهاية التعليم الإعدادي حوالي 72%.. أما في المملكة المغربية، فإن النسبة تصل إلى 82%، بحسب آخر البيانات المتوفرة.
ويمكن تحليل هذه النتائج المتدنية بالاعتماد على النظريات الست الآتية:
نظرية العبء المعرفي (Cognitive Load Theory)
تفترض هذه النظرية أن قدرة المتعلم على التعلم محدودة، وأن التعلم الفعال يتطلب التحكّم في كمية المعلومات المقدَّمة في آن واحد. وفي السياق المغاربي، يُطلب من التلميذ في سنوات التعليم الابتدائي معالجة نظامين لغويين في الوقت نفسه، أحدهما لم يُتقن بعد (اللغة العربية) والآخر جديد عليه (اللغة الفرنسية). هذا التداخل بين نظامين لغويين مختلفين ومتصارعين يرفع العبء المعرفي/الذهني (Cognitive Load) إلى مستوى يتجاوز قدرة التلميذ على التعامل معه، مما يحرمه آليا من اكتساب المعارف والمهارات اللغوية الأساسية، وبالتالي التعثّر والتوتر وعدم الإقبال على التعلم ثم التوقف عن التعلم والعجز عن الاستمرار فيه.
فرضية المدخلات المفهومة (Comprehensible Input Hypothesis)
ترى هذه الفرضية أن اكتساب اللغة الأجنبية يحدث عندما يتعرض المتعلم لمدخلات لغوية مفهومة تقع فوق مستواه الحالي بشكل طفيف (i+1)، أي أننا ندرّس ما يفهمه التلميذ مع إضافة معارف أو مهارات جديدة تتجاوز مستواه الحالي بشكل طفيف.
والملاحظ في هذا الصدد أن تدريس اللغة الفرنسية في دول المغرب العربي لا يلتزم بهذا المبدأ، حيث يتم تعليمها بشكل مكثّف (8 ساعات أسبوعيا) ومعقّد (فيما يخص المحتوى) وفقا لمقاربة تشبه كثيرا المقاربات المستعملة في تدريس اللغة الأولى، مما يجعل المدخلات غير مفهومة لمعظم التلاميذ، ويضع أمامهم كما كبيرا من العراقيل اللغوية التي تحرمهم من تعلم اللغة الأجنبية.
في الحقيقة، ذات الأمر ينطبق على اللغة العربية إلى حد ما، حيث لا تتم هندسة الكتب وفقا لمبدأ i+1. بل في أحيان كثيرة تكون مضامين الكتب أعلى بكثير من المستوى الفعلي للتلاميذ. وإذا أخذنا في الاعتبار، التقليص المتعمد في الزمن المخصص للغة العربية بغرض فسح المجال أمام تدريس اللغة الفرنسية، فإنه من الطبيعي جدا أن يؤدي ذلك إلى تدهور خطير في مستوى إتقان التلاميذ للغتين العربية والفرنسية معا.
منطقة النمو القريب (Zone of Proximal Development)
تتفق هذه النظرية مع فرضية المدخلات المفهومة. وتؤكد نظرية منطقة النمو القريب أن التعلم الأمثل يحدث عندما تكون المهام الموكلة إلى المتعلّم ضمن نطاق يمكّن المتعلم من إنجازها بدعم مناسب من المدرسين على نحو خاص. وإدخال لغة أجنبية بشكل مكثف قبل ترسيخ التمكّن من المعارف والمهارات الأساسية في اللغة الأولى يدفع الكثير من المعارف والمهارات التي تدرس ضمن منهج اللغة الأجنبية إلى خارج هذا النطاق/المنطقة.
في هذه الحالة، يفشل التلميذ في تحقيق التدرج المتوقع منه، ما يخلق فجوات مستمرة في الفهم والأداء. وهي حقائق تؤكدها البيانات المتوفرة. ففي تونس على سبيل المثال ترتفع نسبة التلاميذ الذين يعجزون عن القراءة من 65% في سنوات التعليم الابتدائي إلى 72% في نهاية التعليم الإعدادي. وهو ما يعني أن حلقة العجز عن التعلم تزداد وتتسع كلما تقدم التلميذ في مساره الدراسي بسبب الفشل في التعلم السابق.
نظرية التعلّم القائم على الإتقان (Mastery Learning Theory)
يقوم هذا النموذج على مبدأ بسيط، وهو أن جميع المتعلمين يمكنهم بلوغ مستوى عالٍ من الإتقان إذا مُنحوا الوقت الكافي والدعم المناسب قبل الانتقال إلى مستويات أكثر تعقيداً.
وفي الأنظمة التربوية التي تدرج بشكل مبكّر تدريس اللغات الأجنبية ضمن مناهجها الدراسية دون ضمان إتقان التلاميذ للغتهم الأولى، يتم خرق هذا المبدأ، حيث ينتقل المتعلم إلى مهام لغوية أعلى تعقيداً دون امتلاك الأساس الضروري، ما يؤدي إلى تراكم الفجوات في التعلم ويجعل من الصعب لاحقاً تحقيق إتقان حقيقي في أي من اللغتين. وهي حقيقة تؤكدها البيانات التربوية المتوفرة.
ما يؤكده هذا النموذج بسيط جدا، إذا تعثّر التلميذ في التعلم اليوم، فإن ذلك سيؤدي مستقبلا إلى مزيد من التعثّر.. وعليه، فإنه بالإمكان دوما التنبؤ بمسارات التعلم في المستقبل من خلال ربطها بالتعلم الحالي. كما يمكن دوما تحسين مخرجات التعلم لو ضمنا أن يتقن التلميذ ما يتعلمه قبل أن ينتقل إلى المستويات الأعلى.
في سياقنا المغاربي، تكشف البيانات أن ما بين 72% إلى 82% من التلاميذ لا يستطيعون القراءة باللغة العربية في حدها الأدنى. أما البيانات الخاصة بالنجاح والارتقاء، فتكشف أن الغالبية الساحقة من هؤلاء يرتقون إلى المستويات الأعلى، دون أن يتعلّموا، وهو ما يعني أنهم لن يكونوا قادرين على التعلم مستقبلا، وأن نجاحهم وانقالهم إلى المستويات الأعلى سيتسبب في خسائر بشرية ومالية هائلة.
نموذج كارول للتعلم المدرسي (Carroll’s Model of School Learning)
يرى هذا النموذج أن حدوث التعلم (أو الإتقان) يرتبط بالزمن المتاح للتعلّم (Time Available) والزمن الضروري للتعلم (Time Needed). وإذا زاد الزمن المتاح للتعلم عن الزمن الضروري للتعلم، حدث التعلّم. أما إذا كان الزمن المتاح للتعلّم أقل من الزمن الضروري للتعلّم، فلن يحدث التعلّم، أو سيتشوه التعلم. بمعنى آخر فإنه عندما يتم تخصيص زمن أقل للغة الأولى، رغم أنها تتطلب زمنا أطول في مرحلة التعليم الابتدائي، فإن ذلك يؤدي آليا إلى عدم تمكّن نسبة كبيرة من التلاميذ من تعلّم اللغة الأولى؛ وهو ما تؤكده البيانات التربوية المتوفرة في كل من تونس والمغرب وموريتانيا.
وعندما نتعمّق في تحليل التجربة الفرنسية على سبيل المثال (أي ما تطبقه دولة فرنسا في سنوات التعليم الابتدائي)، ندرك أنها تلتزم بتطبيق نموذج كارول للتعلم المدرسي، حيث تحرص على زيادة الزمن المتاح لتعلّم اللغة الفرنسية (باعتبارها لغة أولى) حتى يتسق بشكل كبير مع الزمن الضروري للتعلّم، باعتبار أن حدوث التعلم يقتضي ويستوجب أن يكون الزمن المتاح للتعلم مساوٍ أو أكبر من الزمن الضروري للتعلّم.
المعادلة التي تُستخدم لتمثيل Carroll’s Model of School Learning بشكل مبسّط هي:
Degree of Learning ∝ Time Available / Time Needed
درجة التعلم (مستوى الإتقان) ∝ الزمن المتوفر للتعلم / الزمن الضروري للتعلم
نظرية فرصة التعلم (Opportunity to Learn)
تشير هذه النظرية إلى أن تحقيق التعلم يتطلب توفر شروط كثيرة، من بينها الزمن الكافي وجودة التدريس وملاءمة المحتوى لمستوى المتعلم. وفي وضع معظم دول المغرب العربي، تتم هندسة الزمن المدرسي بطريقة تحد من “فرصة التعلم” للغة الأولى بسبب تقليص الزمن المخصص لها ودخولها في صراع مبكّر ومربك مع اللغة الأجنبية. أما “فرصة التعلم” المتاحة للغة الأجنبية، من خلال رفع الزمن المخصص لها، فتبقى شكلية باعتبار أن المقاربة المطبقة في تدريس هذه اللغة الأجنبية غير متوافقة مع مستوى المتعلمين وقدرتهم على الاستيعاب.
في الختام، تُظهر البيانات المتاحة أن تدني مستويات إتقان اللغة العربية واللغة الفرنسية لدى نسبة كبيرة من تلاميذ بعض دول المغرب العربي يرتبط ارتباطا وثيقا بسوء التصرف في الزمن المدرسي وعدم احترام ما تؤكده وتوثقه وتوصي به أهم النظريات التربوية ذات الصلة. إن تقليص الزمن المخصص للغة الأولى مقابل التركيز المبكّر في تدريس اللغة الأجنبية لا يمكن إلا أن يؤدي إلى إضعاف قدرة التلاميذ على التعلّم. وعليه، فإن تحسين مخرجات التعلم في سنوات التعليم الابتدائي يقتضي لا محالة إعادة النظر في هندسة الزمن المدرسي، وضمان إعطاء أولوية حقيقية للغة الأولى في السنوات المبكرة، بما ينسجم مع المبادئ العلمية والتجارب الدولية الناجحة.
الدكتور عماد بن عبدالله السديري
المراجع:
Bloom, B. S. (1968). Learning for mastery. Evaluation Comment
Carroll, J. B. (1963). A model of school learning. Teachers College Record
Krashen, S. D. (1985). The Input Hypothesis: Issues and Implications. Longman.
Stevens, F. (1993). Applying an opportunity-to-learn conceptual framework to the investigation of the effects of teaching practices via secondary analyses of multiple-case-study summary data. Journal of Negro Education
Sweller, J. (1988). Cognitive load during problem solving: Effects on learning. Cognitive Science
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes.









