اختلال السياسات اللغوية في دول المغرب العربي: قراءة تحليلية في ضوء نظريات التعلم

اثنين, 04/20/2026 - 14:41

كتب الأستاذ عماد بن عبد الله السديري:

 

أكدت في مرات سابقة كثيرة أن دول المغرب العربي، بالإضافة إلى دول عربية أخرى كثيرة، تطبق ‏سياسات لغوية مخالفة للتوجهات البحثية والممارسات الدولية. ففي الوقت الذي تخصص فيه ‏جميع الدول المتقدمة زمنا للغة الأولى يتجاوز الزمن المخصص للغة الأجنبية، تخصص هذه ‏الدول، في الكثير منها، زمنا للغة الأجنبية يتجاوز الزمن المخصص للغة الأولى. ‏
وبقراءة البيانات المتوفرة بشأن مدى إتقان تلاميذ المغرب العربي للغات، يتبيّن أن الغالبية ‏الساحقة لا تتقن اللغة الأولى، حيث تبلغ نسبة التلاميذ التونسيين الذين يعجزون عن تحقيق ‏الحد الأدنى من الإتقان في القراءة باللغة العربية في نهاية التعليم الإعدادي حوالي 72%.. أما في ‏المملكة المغربية، فإن النسبة تصل إلى 82%، بحسب آخر البيانات المتوفرة. ‏
ويمكن تحليل هذه النتائج المتدنية بالاعتماد على النظريات الست الآتية: ‏
نظرية العبء المعرفي‎ (Cognitive Load Theory) 
تفترض هذه النظرية أن قدرة المتعلم على التعلم محدودة، وأن التعلم الفعال يتطلب التحكّم في ‏كمية المعلومات المقدَّمة في آن واحد. وفي السياق المغاربي، يُطلب من التلميذ في سنوات التعليم ‏الابتدائي معالجة نظامين لغويين في الوقت نفسه، أحدهما لم يُتقن بعد (اللغة العربية) والآخر ‏جديد عليه (اللغة الفرنسية). هذا التداخل بين نظامين لغويين مختلفين ومتصارعين يرفع ‏العبء المعرفي/الذهني (‏Cognitive Load‏) إلى مستوى يتجاوز قدرة التلميذ على التعامل معه، مما ‏يحرمه  آليا من اكتساب المعارف والمهارات اللغوية الأساسية، وبالتالي التعثّر والتوتر وعدم ‏الإقبال على التعلم ثم التوقف عن التعلم والعجز عن الاستمرار فيه.‏
فرضية المدخلات المفهومة‎ (Comprehensible Input Hypothesis)‎
ترى هذه الفرضية أن اكتساب اللغة الأجنبية يحدث عندما يتعرض المتعلم لمدخلات لغوية ‏مفهومة تقع فوق مستواه الحالي بشكل طفيف (‏i+1‎‏)، أي أننا ندرّس ما يفهمه التلميذ مع إضافة ‏معارف أو مهارات جديدة تتجاوز مستواه الحالي بشكل طفيف. ‏
والملاحظ في هذا الصدد  أن تدريس اللغة الفرنسية في دول المغرب العربي لا يلتزم بهذا المبدأ، ‏حيث يتم تعليمها بشكل مكثّف (8 ساعات أسبوعيا) ومعقّد (فيما يخص المحتوى)  وفقا لمقاربة ‏تشبه كثيرا المقاربات المستعملة في تدريس اللغة الأولى، مما يجعل المدخلات غير مفهومة لمعظم ‏التلاميذ، ويضع أمامهم كما كبيرا من العراقيل اللغوية التي تحرمهم من تعلم اللغة الأجنبية. ‏
في الحقيقة، ذات الأمر ينطبق على اللغة العربية إلى حد ما، حيث لا تتم هندسة الكتب وفقا لمبدأ ‏i+1‎‏. بل في أحيان كثيرة تكون مضامين الكتب أعلى بكثير من المستوى الفعلي للتلاميذ. وإذا أخذنا ‏في الاعتبار، التقليص المتعمد في الزمن المخصص للغة العربية بغرض فسح المجال أمام تدريس ‏اللغة الفرنسية، فإنه من الطبيعي جدا أن يؤدي ذلك إلى تدهور خطير في مستوى إتقان التلاميذ ‏للغتين العربية والفرنسية معا. ‏
منطقة النمو القريب‎ (Zone of Proximal Development) 
تتفق هذه النظرية مع فرضية المدخلات المفهومة. وتؤكد نظرية منطقة النمو القريب‎ ‎أن التعلم ‏الأمثل يحدث عندما تكون المهام الموكلة إلى المتعلّم ضمن نطاق يمكّن المتعلم من إنجازها بدعم ‏مناسب من المدرسين على نحو خاص. وإدخال لغة أجنبية بشكل مكثف قبل ترسيخ التمكّن من ‏المعارف والمهارات الأساسية في اللغة الأولى يدفع الكثير من المعارف والمهارات التي تدرس ضمن ‏منهج اللغة الأجنبية إلى خارج هذا النطاق/المنطقة. ‏
في هذه الحالة، يفشل التلميذ في تحقيق التدرج المتوقع منه، ما يخلق فجوات مستمرة في الفهم ‏والأداء‎.‎‏ وهي حقائق تؤكدها البيانات المتوفرة. ففي تونس على سبيل المثال ترتفع نسبة التلاميذ ‏الذين يعجزون عن القراءة من 65% في سنوات التعليم الابتدائي إلى 72% في نهاية التعليم ‏الإعدادي. وهو ما يعني أن حلقة العجز عن التعلم تزداد وتتسع كلما تقدم التلميذ في مساره ‏الدراسي بسبب الفشل في التعلم السابق. ‏
نظرية التعلّم القائم على الإتقان‎ (Mastery Learning Theory) 
يقوم هذا النموذج على مبدأ بسيط، وهو أن جميع المتعلمين يمكنهم بلوغ مستوى عالٍ من ‏الإتقان إذا مُنحوا الوقت الكافي والدعم المناسب قبل الانتقال إلى مستويات أكثر تعقيداً.‏
وفي الأنظمة التربوية التي تدرج بشكل مبكّر تدريس اللغات الأجنبية ضمن مناهجها الدراسية دون ‏ضمان إتقان التلاميذ للغتهم الأولى، يتم خرق هذا المبدأ، حيث ينتقل المتعلم إلى مهام لغوية أعلى ‏تعقيداً دون امتلاك الأساس الضروري، ما يؤدي إلى تراكم الفجوات في التعلم ويجعل من ‏الصعب لاحقاً تحقيق إتقان حقيقي في أي من اللغتين‎.‎‏ وهي حقيقة تؤكدها البيانات التربوية ‏المتوفرة. ‏
ما يؤكده هذا النموذج بسيط جدا، إذا تعثّر التلميذ في التعلم اليوم، فإن ذلك سيؤدي مستقبلا ‏إلى مزيد من التعثّر.. وعليه، فإنه بالإمكان دوما التنبؤ بمسارات التعلم في المستقبل من خلال ‏ربطها بالتعلم الحالي. كما يمكن دوما تحسين مخرجات التعلم لو ضمنا أن يتقن التلميذ ما ‏يتعلمه قبل أن ينتقل إلى المستويات الأعلى. ‏
في سياقنا المغاربي، تكشف البيانات أن ما بين 72% إلى 82% من التلاميذ لا يستطيعون القراءة ‏باللغة العربية في حدها الأدنى. أما البيانات الخاصة بالنجاح والارتقاء، فتكشف أن الغالبية ‏الساحقة من هؤلاء يرتقون إلى المستويات الأعلى، دون أن يتعلّموا، وهو ما يعني أنهم لن يكونوا ‏قادرين على التعلم مستقبلا، وأن نجاحهم وانقالهم إلى المستويات الأعلى سيتسبب في خسائر ‏بشرية ومالية هائلة. ‏
نموذج كارول للتعلم المدرسي‎ (Carroll’s Model of School Learning) 
يرى هذا النموذج أن حدوث التعلم (أو الإتقان) يرتبط بالزمن المتاح للتعلّم (‏Time Available‏) ‏والزمن الضروري للتعلم (‏Time Needed‏). وإذا زاد الزمن المتاح للتعلم عن الزمن الضروري ‏للتعلم، حدث التعلّم. أما إذا كان الزمن المتاح للتعلّم أقل من الزمن الضروري للتعلّم، فلن يحدث ‏التعلّم، أو سيتشوه التعلم. بمعنى آخر فإنه عندما يتم تخصيص زمن أقل للغة الأولى، رغم أنها ‏تتطلب زمنا أطول في مرحلة التعليم الابتدائي، فإن ذلك يؤدي آليا إلى عدم تمكّن نسبة كبيرة من ‏التلاميذ من تعلّم اللغة الأولى؛ وهو ما تؤكده البيانات التربوية المتوفرة في كل من تونس والمغرب ‏وموريتانيا. ‏
وعندما نتعمّق في تحليل التجربة الفرنسية على سبيل المثال (أي ما تطبقه دولة فرنسا في سنوات ‏التعليم الابتدائي)، ندرك أنها تلتزم بتطبيق نموذج كارول للتعلم المدرسي، حيث تحرص على ‏زيادة الزمن المتاح لتعلّم اللغة الفرنسية (باعتبارها لغة أولى) حتى يتسق بشكل كبير مع الزمن ‏الضروري للتعلّم، باعتبار أن حدوث التعلم يقتضي ويستوجب أن يكون الزمن المتاح للتعلم ‏مساوٍ  أو أكبر من الزمن الضروري للتعلّم. ‏
المعادلة التي تُستخدم لتمثيل ‏Carroll’s Model of School Learning ‎بشكل مبسّط هي‎:‎
‎Degree of Learning ∝ Time Available / Time Needed‎
درجة التعلم (مستوى الإتقان) ∝ الزمن المتوفر للتعلم / الزمن الضروري للتعلم 
نظرية فرصة التعلم‎ (Opportunity to Learn) 
تشير هذه النظرية إلى أن تحقيق التعلم يتطلب توفر شروط كثيرة، من بينها الزمن الكافي وجودة ‏التدريس وملاءمة المحتوى لمستوى المتعلم. وفي وضع معظم دول المغرب العربي، تتم هندسة ‏الزمن المدرسي بطريقة تحد من “فرصة التعلم” للغة الأولى بسبب تقليص الزمن المخصص لها ‏ودخولها في صراع مبكّر ومربك مع اللغة الأجنبية. أما “فرصة التعلم” المتاحة للغة الأجنبية، من ‏خلال رفع الزمن المخصص لها، فتبقى شكلية باعتبار أن المقاربة المطبقة في تدريس هذه اللغة ‏الأجنبية غير متوافقة مع مستوى المتعلمين وقدرتهم على الاستيعاب.‏
في الختام، تُظهر البيانات المتاحة أن تدني مستويات إتقان اللغة العربية واللغة الفرنسية لدى ‏نسبة كبيرة من تلاميذ بعض دول المغرب العربي يرتبط ارتباطا وثيقا بسوء التصرف في الزمن ‏المدرسي وعدم احترام ما تؤكده وتوثقه وتوصي به أهم النظريات التربوية ذات الصلة. إن تقليص ‏الزمن المخصص للغة الأولى مقابل التركيز المبكّر في تدريس اللغة الأجنبية لا يمكن إلا أن يؤدي إلى ‏إضعاف قدرة التلاميذ على التعلّم. وعليه، فإن تحسين مخرجات التعلم في سنوات التعليم ‏الابتدائي يقتضي لا محالة إعادة النظر في هندسة الزمن المدرسي، وضمان إعطاء أولوية حقيقية ‏للغة الأولى في السنوات المبكرة، بما ينسجم مع المبادئ العلمية والتجارب الدولية الناجحة. ‏
الدكتور عماد بن عبدالله السديري
المراجع:‏
Bloom, B. S. (1968). Learning for mastery. Evaluation Comment‎
Carroll, J. B. (1963). A model of school learning. Teachers College Record
Krashen, S. D. (1985). The Input Hypothesis: Issues and Implications. Longman.‎
Stevens, F. (1993). Applying an opportunity-to-learn conceptual framework to the ‎investigation of the effects of teaching practices via secondary analyses of multiple-‎case-study summary data. Journal of Negro Education
Sweller, J. (1988). Cognitive load during problem solving: Effects on learning. ‎Cognitive Science 
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological ‎processes. ‎