هل تلزم الشاعر كفارة اليمين؟

سبت, 06/13/2026 - 07:35

مباركة بنت البراء

 

 

يقول إسماعيل ولد محمد يحظيه:

مُــــحَـــلَّــــفْ فِاللَّــــجْـــنَـه @ عَــنْ حَــــدْ إِجَــلَّـــجْــــــنَ

ؤُمُـــحَــلَّـــفْ مَــا نَـــجْــــنَ @ مِـنْ مَـوْجُــودْ ابْـنِـيـتِي

ؤُعَـــــازِمْ عَـــنِّـي نَــهْـــــنَ @ مَــا نِـــمْــــرِگْ تِـكِــيـتِي

ؤُيَـامِـسْ تَـلْ إِفْ مَلْهَى @ وَحْــدَه فِاتْـنَــوْكِــيــتِي

يَـسْـمَـحْ لِي گِـلْــتْ الْهَــا @ انْـتِي ذِيـكْ احْصَـيْـتِي؟

للشاعر أسماعيل ولد محمد يحظيه طريقته الخاصة في اختيار الموضوعات وبسطها؛ لقد استطاع أن يسم نصوصه ببصمة خاصة، وأغلب ما يميزها هو اقتناصه التفاصيل الصغيرة والمواقف العابرة ليجعل منها كونا شعريا حافلا بالإثارة والمتعة.

في هذه الطلعة سرد لنا حدثا إداريا بأسلوب قصصي ممتع يوضح ملابسات لحظة عاشها، وذلك حين عين عضوا في اللجنة المستقلة للانتخابات للإشراف على الإحصاء في إحدى الولايات الداخلية؛ وكما ذكر فأعضاء اللجنة يؤدون قسما ملزما أمام وكيل الجمهورية بالتدقيق في الإحصاء، والتزام الحياد أمام الفرقاء السياسيين والزعامات التقليدية التي يسعى كل منها إلى حشد أكبر عدد من الناخبين لصالحه، باذلين في ذلك الغالي والنفيس، وساعين إلى كسب ود أعضاء اللجنة ليحققوا مآربهم.

ومن الصعب التملص من تأثير السياسيين فهم العارفون بوسائل الإغراء من تنظيم للموائد الدسمة وتقديم للهدايا السنية، خاصة حين يكون التنافس على أشده بين الزعامات التقليدية، وموظفي الدولة، ورجال الأعمال؛ فكل منهم يسعى إلى أن يكون حلفه أوفر حظا وأكثر عددا.

لذا فالمهمة تقتضي الحذر والحزم، ولجنة الإحصاء تجد نفسها أمام العديد من الإكراهات منها: سطوة النافذين ومحاولة كل منهم الاستئثار بأصوات الناخبين، وارتباط الإحصاء في أذهان المواطنين خاصة بعد سنوات الجفاف العجاف، بتوزيع الإسعافات، أو الحصول على ميزات من الحليف السياسي. فكلما كثر عدد أفراد الأسرة أو العشيرة زاد حظها في الحصول على قسط أوفر من الإسعاف، أو تمكنت من تكوين خلايا تصبح نواة للتمركز في فضاء الحزب، وحصول زعيم العشير على منصب سياسي أو إداري، ولذا يكثر التحايل في الإحصاء بإدراج أسماء وهمية، أو ابتعاث الموتى من رقادهم ليظهروا في اللوائح.

هذا ما جعل اللجنة تقدم يمين القسم أمام وكيل الجمهورية على الوفاء بالتزاماتها، واتخاذ مسافة من الساكنة تجنبا للتأثير، وأخذا بالحيطة والحذر اللازمين.

وقد بسط لنا الشاعر بنود الاتفاق الذي أبرم لإنجاح عملية الإحصاء وضمان نزاهته:

مُــحَــلَّـــفْ فِاللَّــجْـــنَـه @ عَــنْ حَـــدْ إِجَــلَّـــجْــــــنَ

ؤُمُـحَـلَّـــفْ مَــا نَـجْــنَ @ مِـنْ مَـوْجُــودْ ابْـنِـيـتِي

ؤُعَـــازِمْ عَــنِّـي نَـهْــنَ @ مَــا نِـمْــــرِگْ تِـكِــيـــتِي

غير أن نقطة التحول حملها الگاف، حين يخرج الشاعر من مقر سكنه لا لإجراء الإحصاء وإنما إلى مناسبة فرح؛ وهي الخرجة التي أضرت باليمين، ونقضت عزم الشاعر الذي آلى أن يتجنب الاحتكاك بالناس في غير ساعات العمل.

كانت المناسبة حافزا للشاعر على الخروج عما ألزم به نفسه من تجنب لمظان الريبة، واعترف بذلك حين يقول: (يَسْمَحْ لِي) فهذه الإنابة المفاجئة إلى الله دليل قاطع على الخروج عن جادة الطريق، ونقض صريح لليمين، فهو يقر بأنه يبحث مستميتا عن شيء ما:

ؤُيَـامِـسْ تَـلْ إِفْ مَلْهَى @ وَحْــدَه فِاتْـنَــوْكِــيــتِي

يَـسْـمَـحْ لِي گِـلْـتْ الْـهَـا @ انْـتِي ذِيـكْ احْصَـيْـتِي؟

لولا هذه التوبة العجلى لما ظننا بالشاعر الظنون، فهو لم يزد على طرح سؤال يدخل في صميم عمله: (انْتِي ذيكْ احْصَيْتِي؟)

لقد كسر الأسلوب الإنشائي سردية الخبر الذي شاع في الطلعة، فجاء الاستفهام ليبرز العدول عما أُلْزِمَ به الشاعر وما اعتزمه.

ويعد الاستفهام أكثر أوجه الإنشاء الطلبي استعمالا، ويعرفه البلاغيون بأنه "طلب فهم شيء لم يتقدم لك به علم" وله أدواته المعروفة، وقد تتبع أصحاب علم المعاني خروج الاستفهام إلى التقرير والإنكار والتوبيخ وغيرها من المعاني. وقد شكل السؤال في الطلعة مرتكز الإثارة وفتح باب التأويل، فهو لم يأت طلبا لفهم شيء مجهول، فالمفروض أن تكون المعنية هي من تسأل عن الإحصاء، وتبحث عن المكلفين به، ولكن الآية انقلبت. إن ارتباط السؤال بالجملة الطلبية السابقة (يسمحْ لِي) يحمل في طياته أن ما يهم الشاعر ليس الإحصاء وإنما أن يفتح حديثا مع من سبته، لم يذكرها بالاسم ولكنه عدد الإحالة إليها بالضمير واسم الإشارة. وهنا ينفتح أفق السؤال، هل بر الشاعر يمينه أم أن كفارة لزمته؟

قد يتسامح أهل المذهب الحجازي معه ويجدون له مخرجا، وبالمقابل يتشدد معه أهل العراق ويلزمونه كفارة، مع أن أيمان الشعراء كثيرا ما تحمل في تضاعيفها خرقا للمقدس؛ فحين يلتقي عمر بن أبي ربيعة وهو مُحْرمٌ إحدى الغواني يتناسى نُسُكَه ويقسم على ذلك:

لقد عًرَضَتْ لي بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى *** مَعَ الْحَـجِّ شَمْـسٌ سُـتِّـرَتْ بِـيَـمَانِي

بَـــدَا لِيَ مِنْـهَـا مِـعْـصَـمٌ يَــوْمَ جَمَّـرَتْ *** وَكَــفٌّ خَـضِـيـــبٌ زُيِّـنَـــتْ بِـبَـنَــــانِ

فَـلَـمَّـــا الْـتَـقَـيْـنَــا بِالــثَّـنِـيَّـــةِ سَـلَّــمَــتْ *** وَنَـازَعَـنِي الْـبَــغْـلُ اللَّعِـيـنُ عِـنَانِي

فَـوَاللهِ مَــا أَدْرِي وَإِنِّــي لَــحَـــاسِـــــــبٌ *** بِـسَـبْـــعٍ رَمَـيْـــتُ الْجَـمْـرَ أَمْ بِثَـمَانِ

وأحمدو بمب ولد ألمين عندما يلتقي صدفة أم الحسن خارج الحي يحلف أنه لولا مراجعته النفس لظل ممسكا لثامها عامين متتاليين:

وَاللهْ يَا امْنَيْـنْ اكْرِدْتْ الْثَامْ @ أُمْ الْحَـسَّـنْ كبْلِـتْ لِخْيَـامْ

يَـلُـو مَـــا رَدَّيْــــتْ التِّـخْـمَــامْ @ افْــذَاكْ أَلْلِّي رَدَّيْـتُــو فِـيهْ

يَـانَ مَــا نِــرْخِـيـهَـا ذَ الْـعَــامْ @ ؤُلَا ذَاكْ أَلْلِّي مِـتْـــوَلِّـيــهْ

علل الشاعر سبب تحريره لها بأنه احتكم إلى العقل كما قال، ولكن أيمكن أن يبقيها رهينة لديه كل هذه المدة؟

لعل الشعراء يجدون متكأ يستندون إليه في قوله تعالى:{ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون}.

ونتساءل هل بر إسماعيل قسمه أم أن المسألة فيها نظر؟ أعرف أن أهل افيس بوك يفتون في المذاهب الأربعة وسيختلفون بشأنه اختلافهم في كل مستجد.