
مثقف عضوي يمتلك الجرأة والحس النقدي
مرت ستة عشر ستة على رحيل الطاهر وطّار، ذاك المبدع العميق الذي تفوق على حدود الأدب والسياسة ليصبح نموذجا للمثقف المقاوم. لم يكن مجرد اسم أو شخصية عابرة في التاريخ الجزائري، بل مثل كفاح الإنسان المثقف الذي لا يرضى بالسكوت عن الظلم، ويحمل في قلبه حب الحرية والكرامة، وسط ظروف متأزمة نحتت تاريخه بين ثورة وكفاح ومواجهة للسلطة.
تميز الطاهر وطّار في عصور تشاهد تغيرات حاسمة في الجزائر، من الاحتلال الفرنسي إلى الثورة التحريرية ثم التجربة السياسية المضطربة التي تلت الاستقلال. كان المبدع الحقيقي الذي يشارك الهم الوطني بجرأة واستقامة، يرفض التجنيد الحزبي الأعمى، وينظر إلى المثقف كفاعل حي في المجتمع، لا كمتفرج سلبي. جمع بين شيوعية إنسانية متسامحة وإيمان ثابت بالله، معتقدًا أن دور المثقف الحقيقي يتجاوز الانتماءات الضيقة، ليتحول إلى مدافع عن العدالة والكرامة الإنسانية على الدوام.
الجذور والذاكرة الحية
في الجزء الأول من سيرته الذاتية "أراه"، كشف عن ذاته بجرأة وصراحة، مقدّمًا صورة لنضاله ومآسيه، كرسالة مؤثرة تعكس طفولته وعزلته وهجوم الجهات الرسمية عليه، لكنها أيضًا شهادة على انتصاره المستمر رغم الإقصاء والتهميش. أسس من خلال ذلك منبرًا ثقافيًا مميزًا باسم "جمعية الجاحظية"، التي تحولت إلى ملاذ للشباب المثقف والكتّاب الجدد، محققة دورًا بارزًا في الحفاظ على روحية الحرية الفكرية في وجه قوى التصلب.
وُلد الطاهر وطّار في قلب شرق الجزائر، في قرية صدراتة التابعة لمحا سوق أهراس عام 1936، حيث واجه مزيجًا غنيًا من الروح الأمازيغية والتراث العربي الإسلامي. نشأ في بيئة اجتماعية تجمع الدفء الأسري مع حفلات القرية وأعرافها الشعبية، مما شكّل ذاكرة حية غنية بالمشاعر والأحداث التي تكررت في حياته كما لو أنها جزء من نسيج حاضره.
كان ارتباطه بجدّه محند أونيس، رجلاً حكيمًا وصاحب معرفة عميقة بالتاريخ والتراث، بمثابة جسر ربطه بماضي أسطوري وحاضري في آن واحد. جمع الطاهر بين سرد أساطير المنطقة وبين أحداث تاريخية جسيمة مرت بها الجزائر كالغزوات والحروب، محققًا سردًا يدمج بين الواقعي والخيالي، يعكس ذاكرة جماعية حية ومتجددة تزخر بالقيم والهوية.
وعي نضالي عميق
في عام 1956، دخل الطاهر وطّار نسيج ثورة التحرير الجزائرية، كمجاهد مثابر، شارك في حمل السلاح دفاعًا عن حريته ومصير وطنه، متنقلًا بين المدن والقرى ليتعرف على نبض شعبه وقضاياه العميقة. لم تكن المقاومة بالنسبة له مجرد عمل عسكري، بل رحلة لصقل الوعي السياسي والأخلاقي، حيث جاهر بنقده للأنظمة الثورية التي انحرفت عن مسار الكفاح نحو السلطة.
بعد الاستقلال، شغل مناصب إدارية مهمة، منها مفتش في حزب جبهة التحرير الوطني ومدير للإذاعة الوطنية. غير أن أصواته النقدية حيال نزوع السلطة نحو السلطوية والمصالح الخاصة أربكته، فوجد نفسه محاصرًا، معبرًا عن مخاوفه بأن الثورة تحولت إلى وسيلة لفرض قبضة قمعية تخدم مصالح نخبة ضيقة.
بسبب مواقفه السياسية وجرأته النقدية، تعرض الطاهر وطّار لإقصاء سياسي مبكر وهو في سن لم يتجاوز السابعة والأربعين، حيث أُحيل للتقاعد السياسي بعيدًا عن مراكز القرار. لم يكن هذا قرارًا إداريًا عاديًا، بل حملة مُنسقة اتهمته فيها الجهات الرسمية بأنه "عنصر خطير" يزعزع استقرار الحزب والدولة.
إلا أن هذه المرحلة من العزلة والإقصاء كانت بداية لفصل جديد في حياته، حيث استثمر قلمه كآلة مقاومة تنتصر لصوت الحق، مؤسسًا مشاريع ثقافية وأدبية أضاء فيها زوايا مظلمة من الواقع الآخذ في التعقيد. ومن عزلته، أطلق مشروع "جمعية الجاحظية"، التي أصبحت منبرًا لمختلف الأصوات الحرة والمبدعة، حاملة راية النقد البناء والحوار الثقافي.
شكل وطّار حالة استثنائية في الفكر السياسي والفلسفي، إذ تجاوز الانغلاق التقليدي بين الدين والفكر اليساري، مقدمًا تصورًا جديدًا لـ«الشيوعية الإنسانية» التي تعترف بوجود الله ولا ترى في ذلك تضاربا مع قيم العدالة الاجتماعية ومقاومة الفقر والظلم.
كان يؤمن بأن الإيمان والتدين لا يتناقضان مع البحث عن العدالة والكرامة الإنسانية، بل يكمل بعضهما البعض. قال: «شيوعية لا خصومة لها مع الله ولا مع المؤمنين به، بل تتكامل مع الأنبياء والرسالات السماوية». كانت فلسفته جسدًا لفهم إنساني مستنير يؤمن بدورات التاريخ والعمل الجمعي، بعيدًا عن الجمود والتصلب الذي شهدته التيارات الشيوعية التقليدية.
وكانت جمعية "الجاحظية" التي أسسها أداة عملية لتجسيد رؤيته الثقافية الحيّة، ليست فقط مكانًا يجتمع فيه المثقفون، بل مختبرًا حقيقيًا للحوار المفتوح والنقد البنّاء بين الأجيال والمشارب الفكرية المختلفة. كانت الجاحظية تحضن مكتبة ضخمة، وتفتح أبوابها بواسع الرحابة للشباب والأدباء الناشئين، مما جعلها منصة ثقافية فريدة تعاصر التغيرات الفكرية والاجتماعية.
في الجمعية، كان الطاهر يكرّس مبدأ «لا إكراه في الرأي» الذي شكل ركيزة لأي نقاش أو فعل إبداعي، مؤكدًا أن الثراء الفكري يتدفق من التنوع والاختلاف لا من القمع والاحتكار الفكري. عكست الجمعية شخصيته الغنية التي تجمع بين احترام ما هو أصيل والسعي إلى التجديد، وكانت جزءًا من مشروع أوسع لمواجهة تحديات الثقافة والسياسة من خلال خلق مساحات حرة للتعبير.
رواية الجزائر بكل تناقضاتها
كان الطاهر وطّار كاتبًا خصبًا، كتب أكثر من مئتي نص أدبي بين قصص قصيرة وروايات ومسرحيات، حكاها بجرأة وصدق لتناول الواقع المعقد للجزائر: ثورة التحرير، الاستقلال، أجواء الفوضى والبيروقراطية، وصولًا إلى زمن الأزمات السياسية في التسعينيات.
من أبرز أعماله "اللاز"، التي تحلل قضايا اجتماعية وسياسية لما بعد الاستقلال، و"الزلزال" التي تعكس تأثيرات الصراعات الداخلية، ورواية "قصيدة في التذلل" التي كتبها وهو على فراش المرض، حيث تناول قضايا الفساد والمحسوبية وضعف النخب بحس إنساني عميق ونقد مباشر.
كانت كتاباته بمثابة مرآة صادقة، تعكس حياة الجزائريين بمجملها، من معاناة وآمال، معتمدةً على خبرته العميقة كنضالي ومثقف متمرس.
حتى في سنوات مرضه الأخيرة في باريس، ظل الطاهر وطّار متصلاً بوطنه رغم الغربة الجغرافية، متابعًا بتفاصيل دقيقة أحداث الجزائر وتطوراتها السياسية والاجتماعية عبر وسائل الإعلام والاتصالات. كان يعبر عن ألمه العميق تلقاء تلك التحولات التي لم تكن ترقى لطموح الحرية والكرامة التي ناضل من أجلها، خاصة ما تعلق بتدهور قطاعات الصحة والثقافة.
واجه المرض بإرادة فولاذية وصبر طويل، مستمراً في الكتابة التي كانت بالنسبة له نبض حياة ومشروع مقاومة لا ينتهي، حتى حينما كانت قواه الجسدية تتقلص، وظروفه الصحية تتدهور.
كتاباته مرآة صادقة تعكس حياة الجزائريين
إرادة لا تنكسر
خلال فترة مرضه في مستشفى سانت أنطوان بباريس، سعدت بأن أكون إلى جانبه، أشارك الطاهر وطّار لحظات صراعه مع الألم والإرادة. رغم ثقل المرض والمعاناة، كان يحتفظ بشخصية مناضلة مليئة بالحكمة والصمود، غير مستسلم لليأس مهما حاول الألم أن يستنفد جسده.
لم تكن أحاديثه تتركز فقط على معاناته الجسدية، بل كانت نافذة على عالمه الفكري، ناقشنا خلالها قضايا الأدب، السياسة، ومستقبل الجزائر، حيث كان يعبر عن مخاوفه وأمله في الوقت ذاته. كان يبعث برسالة واضحة: أن الكتابة هي الجسر الذي يربط بين الإنسان وحقائق الحياة، بحيث لا يمكن لليأس أن يُخمد صوت الحقيقة
شهدت تلك اللقاءات روح المقاومة في الإنسان الذي لا يستكين، وروح المثقف الذي لا يتنازل عن فكره مهما عاندته الظروف، مما ترك في نفسي إحساسًا عميقًا بالاحترام والتأمل في قوة الإرادة الإنسانية.
في ظل الغربة البرايسية، حوّل وطّار غرفة المستشفى ولاحقا الفندق إلى مقر كيانه الثقافي وفكره، وجعلها موطنًا لجمعية «الجاحظية» التي أسسها لتصبح جسراً يربط المثقفين العرب في الوطن والمهجر. استمر ينشر روح الحرية والتجديد، محفزًا الشباب على التعبير بحرية وصقل مواهبهم، منطلقًا من قناعته العميقة بأن الإبداع لا يتوقف عند الحدود الجغرافية، وأن المثقف الحقيقي يستقي من الغربة حافزًا إضافيًا للتأمل والكتابة.
ظل يحافظ على تواصله الوثيق مع الجزائر، متابعًا أحوالها السياسية والاجتماعية بحس نقدي، ينقل آماله وقلقه عبر مقالاته ومداخلاته، مؤكدًا أن الحنين للأرض لا يضعف الوعي بل يعمقه، وأن المسؤولية الثقافية لا تتوقف عند حدود الوطن الخاص.
إرث قومي وإنساني خالد
في 12 أغسطس 2010، رحل الطاهر وطّار بعد حياة حافلة بالعطاء الفكري والنضال الأدبي والسياسي، تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا في المشهد الثقافي الجزائري. ورغم مرور زمن على وفاته، ظل صدى كلماته وأفكاره حاضرًا، إذ كان صوته فريدًا في جرأته ووضوحه، ولم يستطع أي كاتب أن يعيد ما فعله من عمق وتحليل.
بعد وفاته، واجهت جمعية «الجاحظية» تحديات عديدة، لكنها بقيت رمزًا للإرث الثقافي الذي يحمل أماله. استطاع شباب مثقفون الحفاظ عليها، واستمرار نشاطاتها بشكل يعكس استمرار الروح التي حملها الطاهر وطّار في إحياء الفكر النقدي والديمقراطي في الجزائر.
أعمال الطاهر وطّار وشخصيته تشكلان نقطة ارتكاز رئيسية لفهم التحولات الكبرى التي مرت بها الجزائر، من نضالها البطولي ضد الاستعمار مرورًا بالأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت الاستقلال. عبر خطابه السردي المتكامل، كشف تضاربات المجتمع وجوهر السلطة بشكل مباشر وشجاع بأسئلة نقدية عميقة تلقي النور على الواقع الصعب.
كان شاهدًا نادرًا على بأس المثقف الذي لا يهادن، وعلى المجاهد الذي رغم كل التحديات لا يلين، جمع بين الإخلاص للوطن والصدق الفكري والإبداعي، مما جعله ممثلًا حقيقيًا للمثقف العضوي الذي يمتلك الجرأة والحس النقدي.
رغم رحيله، بقي الطاهر وطّار حيًا في الذاكرة الأدبية والسياسية، رمزًا لصوت الحق الذي لا يهمد. لم يكن مجرد كاتب أو سياسي، بل كان رمزًا لمثقف يضع قلمه كأداة دفاع عن العدالة والكرامة، وسلاح يواجه به الاستبداد والفساد.
كان تحديه لا يقتصر على موقف شخصي بل تَحضَّر لبناء ثقافة وطنية وشعبية منفتحة على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، تتنفس حرية التعبير والاختلاف، وترفض التعصب الضيّق. في عزلة المرض وصعوبة الحياة، صنع من إبداعه تجربة ثرية تمثل فعل مقاومة يحمل رسالة أمل للأجيال القادمة.
إن إرث الطاهر وطّار لا يقتصر على كونه مجموعًا نصيًا أو مجموعة أفكار نظرية، بل هو فعل حياة، ومشروع ثقافي مستمر ينبض في وجدان الأجيال. كان أكثر من مثقف وكاتب، كان رمزًا للتماسك بين الفكر والإنسانية، بين الإيمان والعدالة الاجتماعية، بين النضال السياسي والحرية الفكرية. لقد تحدى المقولات الجاهزة ورفض أن يُختزل أو يُحاصر في أطر أيديولوجية مغلقة، محقّقًا نموذجًا فريدًا للمثقف العضوي الذي ينخرط مع واقع مجتمعه ويؤثر فيه.
إن فقدانه لم يكن مجرد رحيل لإنسان، بل فقدانا لصوت كانت له القدرة على قراءة الواقع بعمق، وتحويل الألم إلى إبداع، والظلم إلى مقاومة ثقافية فعلية. لكن الأهم من رحيله هو استمرارية روحه في نفوس الذين آمنوا مثله بأن المثقف هو بوصلة المجتمع وضميره الحي، وبأن الكتابة ليست مجرد مهنة أو هواية، بل هي رسالة مقدسة للدفاع عن الحقيقة والإنسان.
اليوم، تواجه الثقافة في الجزائر والعالم العربي تحديات جمة من تعقيدات سياسية واجتماعية، واحتدام للأزمات والهويات. وهذا ما يجعل من مشروع الطاهر وطّار ومنبر «الجاحظية» ضرورة حيوية أكثر من أي وقت مضى، كمساحات حرة للنقد البناء، للتفكير العميق، للحوار المتبادل الذي يرفض العنف الفكري والسياسي.
إن مسؤولية الأجيال الجديدة هي أن تستلهم من خبرته وتجربته النضالية والأدبية، لتواصل طريقه في بناء ثقافة وطنية جامعة تحترم التنوع، وتدعم قيم الديمقراطية، وتزرع في الوعي الشعبي روح الحرية والكرامة. كما أن استمرارية العمل الثقافي في «الجاحظية» وغيرها من القنوات الفاعلة تمثل تعبيرًا حقيقيًا عن تحدي المحن واستمرار الأمل في غد أفضل.
لا يمكننا أن ننسى أن الطاهر وطّار عبر عن الإنسان في أبهى معانيه: الإنسان الذي لا يلين في وجه الظلم، الإنسان الذي حرص على كرامته وحريته، الإنسان الذي لا يخاف قول الحق مهما كان الثمن. فكل كلمة كتبها وكل مشروع أسسه كان بمثابة شعلة تنير دروب الآخرين، تحفزهم على الصمود والعمل، وتذكرهم بقيمة الحرية التي لا تُقدّر بثمن.
لذا، تبقى مسيرته منارة وجسراً يمتد عبر الزمن، محفزًا المثقفين على إعادة الاعتبار لدورهم الحقيقي في المجتمع، ومُلهمًا الشباب على حمل مشعل الفكر الحر، والكرامة الإنسانية، والنضال المستمر لتحقيق مجتمع أكثر عدالة وإنسانية.
الطاهر وطّار الذي غادرنا جسده، لم ولن يرحل فكره، وسوف يبقى صوته حاضرًا يرفرف بكل صدق وشجاعة في سماء الثقافة الجزائرية والعربية، ينير دروب من يجرؤون على الحلم والتغيير.
كاتب جزائري









