
ما هذا السباء المحتار الذي يطارده المختار السالم في هذا الديوان/ القصيدة الذي وسمه بهذا العنوان المقتلع من غريب اللغة العربية؛ غرابة سببها ما يعبر عنه هذا اللفظ من دلالة منغرسة في فضاء بيئي لم يعد محل نظرة الإنسان المعاصر؟ الإنسان التائه النظرات عن حقيقته ووجوده، المعلق بما لا يفهمه وما لا يدركه.
إن مأساة الاقتلاع التي من تجلياته الرمزية ما يلاقيه هذا العود الذي يقتلعه السيل من مكانه ليلقيه في مكان لا يألفه، هي نفسها مأساة الإنسان المعاصر عامة، والعربي خاصة؛ الإنسان التي تقتلعه من جذوره سيول الحروب والكوارث البيئية والهجرة ودواعيها من فقر وتفقير للبيئات والثقافات الإنسانية؛ هذه المأساة الإنسانية عامة تمثل مركزها مأساة العربي خاصة التي بدأ زلزالها مع الاستعمار في النصف الأول القرن التاسع عشر، وظلت توابعه تتردد، لتصل أوج قوتها مع النكبة في فلسطين، والحروب والفتن التي تناثرت هنا وهناك على خريطة الوطن العربي؛ لا يسلم منها مكان. وإن سلم من أوارها مكان، فإنه سيختنق من دخانها.
إن مأساة اقتلاع الإنسان المعاصر هي التي تلاحقها هذه القصيدة/ الديوان التي لا يفوتها الماضي ولا ترتهن إليه، ولا يعزب عنها الحاضر ولا تنغمس فيه، ولا "تحاول أن تعبر". بل هي تصرخ في أرجاء هذه المأساة التي يتسع مداها قرنا بعد قرن، وحقبة بعد حقبة، وعاما بعد عام، وشهرا بعد شهر، ويوما بعد يوم...
ففي هذا الإحساس بالاقتلاع والفقد وجنون العالم لم يعد يمكن السكوت ولم يعد ينفع الكلام. وماذا ينفع الكلام في هذا العالم المجنون الذي يمتلئ حتى الحواف بالهذيان العقلي.
إن عالما خرج عن المألوف متحللا من جميع الضوابط التي كانت تنظم العَالَمِين لم يعد من الممكن ملاحقته أو مواجهته بنفس القوالب الشعرية التي أنشأها عالم منسجم مع ضوابطه متفق، مع ما اعتاد من مألوفه؛ وبهذا يكون "السباء" نصًا يغامر من أجل تجديد إبداعية اللغة وتوسيع طاقتها التصويرية، وتنشيط الذاكرة العربية الموريتانية في مواجهتها الثورية لقضايا العصر.
وقد صدرت الطبعة الأولى من الديوان في باريس سنة 2026، وعن عدد من الجهات الثقافية والأدبية الموريتانية.
ببهاء ولد بديوه
نواكشوط 26-8-2006










