آخر مائة أوقية في اللبنة

اثنين, 01/29/2018 - 16:50

صلاح الدين أحمد (*)

 

لن أجعل كلمة اللبنة بين مزدوجتين وذلك لسببين:
احدهما أنني في الحقيقة تاملت في امرها كثيرا وزالت بيني وبينها حواجز "التبرانيت".
والثاني سأذكره في المكان المناسب..
ومع كل ما يسوقه المحللون لطبيعة مجتمعنا العصية على التحليل إلا أنني أعتقد أن اللبنة هي إحدى أهم مظاهر فوضى هذا المجتمع ويمكنها ان تفسر لنا الكثير.
إنها مثال صارخ ينضاف إلى خيمتنا المفتوحة، ومنكبنا البرزخي، وإلى آخر تلك الظواهر.
ولعل أول ما يدعو للتأمل بشانها أننا رغم كبر حجمها واتساع فوهتها لم نخترع لها أبدا ما يقفلها حتى لا تسقط محتوياتها، ولم يبق لها إلا أن تعتمد على الجاذبية الأرضية في الاحتفاظ بمحتوياتها ومع أي اختلال في توازن صاحبها تقذف بكامل مخزونها..
يحدث ذلك عندما يضطجع أحدكم متعبا، او ينحني لالتقاط شيء ما، وفي هذه الحالة قد تتكرر العملية عدة مرات.. فكلما انحنيت لالتقاط شيء تقوم الجاذبية الأرضية بإسقاط ءاخر، فتنحني لتلتقط الثاني فيسقط الأول وهكذا..
أما عندما تدخل مشاجرة فأول ما يغدر بك هو لبنتك التي أودعتها كامل أماناتك، إنها تنتهز الفرصة لتسخر منك، ولأن فوهتها أكبر من قعرها فهي لا تجد أي صعوبة في قذف محتوياتها دفعة واحدة.
وبعد أن يتدخل الخيرون لفض النزاع ينهمكون في التقاط أسرارك المنثورة على الأرض، وهنا تبدأ الفضائح..
نظارة طبية، مسواك، سبحة، مشط شعر، أوراق ملاحظات، قلم بلا غطاء، وصفة طبية كتب على ظهرها "كاف"، ورقم هاتف لم يكتب معه اسم صاحبه، وتحتهما كتبت نتائج جلسة من لعب الورق "كرت".
مذكرة صغيرة الحجم خصصت لبعض المعاملات التجارية فيها بعض الديون والمطالبات، وتدريبات على التوقيع.
قرابة 1 كيلوغرام من المفاتيح، وهذه هي الأخطر لأنها تبطش في ماعداها من أغراض وأحيانا تبطش باللبنة نفسها، إذ سرعان ما ينبهك أحدهم ويشير بإصبعه، كما يُـنَـبَّهُ الساهي عن ستر عورته، إنه التنبيه نفسه والإشارة نفسها والاتجاه نفسه.
والعجيب أنه لا يخرج المفتاح الصغير أبدا، بل إن كبير المفاتيح هو دائما أول من يطل برأسه من تحت الزاوية الحادة في قعر اللبنة.
المفاتيح شديدة البطش وهي دائما تبطش بالمائة الاخيرة وتقطعها إربا.
تفاجئنا اللبنة أحيانا عندما نجد في حناياها مبلغا ماليا مختبئا لم نكن نتوقعه، وهذه مفاجأة سارة لكنها لا تخلو من خبث طوية، إذ تدفعنا إلى توقع وجود مبالغ لا وجود لها فتخدعنا في حساب المال وهو أمر له خطورته.
تنزل من التاكسي وتدخل يدك في اللبنة وتبدأ عملية البحث، يطول الانتظار فتزداد حركة أصابعك سرعة في تفحص الأغراض داخل اللبنة، ويبدأ التململ يظهر على سائق التاكسي وركابه، ولتضفي الجدية على بحثك تنحني إلى اليسار كمن وخزته إبرة في خاصرته.
قد لا تجد المائة أبدا فينطلق صاحب الحق ساخطا ويتركك في سحابة دخان متعمدة، لكنك تتفاجأ بالعثور عليها بعد فوات الأوان. وفي حال كنت محظوظا واخرجتها غير مقطعة سترافقها بعض الأغراض التي تخرج معها للتوديع.. 
نصيحتي لك مع آخر مائة اوقية في اللبنة أن تبحث عنها على مهل قبل الركوب، واجعلها في قبضتك ولا تتركها في غابة اللبنة الموحشة، حتى إذا ما نزلت من التاكسي أعطيته حقه وجنبت نفسك الإحراج وإضاعة الوقت..
صحيح انها ستكون مبللة جراء القبضة الحديدية عليها طوال المسافة، لكن مائة مبللة خير من مائة مفقودة أو ممزقة.
قد يقول قائل أنها نصيحة مؤقتة الصلاحية لأن فئة مائة أوقية تم تحويلها إلى قطعة معدنية، لكنكم مخطئون لأن ورقة ألف أصبحت مائة وبالتالي فقد ازدادت قيمة هذه النصيحة 10 مرات.
أما السبب الثاني -المؤجل- في كوني لا أجعل كلمة لبنة بين مزدوجتين فهو أنني تتبعتها في قواميس اللغة فوجدت أنها تعني قميص الجيب.
فهي بالتالي عربية فصحى ولعلها نقطة إيجابية تحسب للبنة..
طابت أوقاتكم..

 

(*) شاعر وكاتب وخبير معلوماتية موريتاني.