
في تسعينيات القرن الماضي، حين كنت مؤمنا بتعريب الإدارة، التقيت برجلين من جيل الوطنيين الكبار، كانا يؤمنان بالفكرة ويترجمانها عملا وممارسة: المرحوم المفوض إبيّاه محمد فاضل، والإداري سابقا السيد يحي ولد سيدي المصطف، الوزير حاليا، أطال الله بقاءه.
كان الأول مفوضا لتفرغ زينه، والثاني حاكما لها. وقد التقيت بالسيد الحاكم بعد تعيينه، حين كنت أجاور مبنى المقاطعة، -فورشتي ملاصقة للمبنى- رفقة زميلي الأستاذ الحسن ولد محمدو -الذي أرجو أن يكون بخير، فقد انقطعت أخباره عني منذ زمن بعيد.
كان زميلي هو الآخر، من المؤمنين باللغة العربية وبضرورة حضورها في الإدارة، فقررنا أن نعرض على الرجلين فكرة مشروع لتعريب الإدارة على مستوى المقاطعة.
رحبا بالفكرة بحماس، وأبديا استعدادا حقيقيا لدعمها. وعرض علي السيد الحاكم أن يخصص لنا قاعة في مبنى المقاطعة، نجهزها لتقديم دروس في الخط العربي. أسعدتنا الفكرة، وبادرنا إلى تجهيز القاعة، غير أن الإقبال عليها لم يكن كبيرا، بل كاد يكون منعدما.
ومع ذلك، لم نتوقف.
توطدت علاقتنا بالرجلين، وبدأنا العمل على تعريب محاضر المفوضية والمراسلات الإدارية. وكانت المشكلة أن المفوضية لم تكن تملك آنذاك آلة طباعة باللغة العربية، فكان لزاما علينا أن نعتمد على ما توفر لدينا من وسائل.
كنا نسهر الليالي؛ الحسن يتولى الترجمة، وأنا أتولى صياغة المحاضر وتنظيمها وكتابتها بخط عربي واضح، ثم نقوم بإعداد النماذج وسحبها للاحتفاظ بها واستعمالها لاحقا. ولم يتوقف الأمر عند المحاضر والمراسلات، بل كنت أتولى أيضا كتابة بطاقات التعريف الموجودة في المفوضية بالخط العربي، لتكون جاهزة في الصباح ليستلمها المواطنون.
كان ذلك عملا شاقا، تطوعيا، لا ننتظر منه أجرا ولا مكافأة. كان يكفينا أننا كنا نؤمن بما نقوم به، ونرى فيه خطوة صغيرة نحو إدارة أقرب إلى لغتنا وهويتنا.
ولهذا بقيت تلك المرحلة عزيزة على ذاكرتي.
ففي تلك الفترة، كانت مفوضية تفرغ زينه، في حدود ما أتذكر، تجربة مميزة في تعريب العمل الإداري، بجهد شباب آمنوا بالفكرة، وبأشخاص بسطاء اختاروا أن يخدموها بما يملكون: الوقت، والجهد، والقلم والريشة.
ولعل بطاقة التعريف القديمة التي أحتفظ بها اخي وزميلي الاستاذ سيدي بابدين، في ارشيفه الخاص وفاء منه لي وللفكرة حيث بعثها لي اليوم على الواتساب، شاهد على ذلك الزمن الجميل.
كامل الود.









