عن المآخذ اللغوية على الشيخ سيدى محمد بن الشيخ سيدى

اثنين, 10/30/2017 - 00:20

 العلامة إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيدي

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
تكلمت فى برنامج زمن الفتوة الذى أعدته قناة شنقيطِى ـ (صح) ـ عن الجد الشيخ سيدى محمد
ابن الشيخ سيدى ـ رحمهما الله تعلى ـ ، فألقيت الضوء على جوانب من حياته، وعلمه وأدبه وشعره، ودعوته إلى الجهاد والإصلاح السياسىّ والاجتماعىّ، وعن رؤيته التجديدية فى مضمار الشعر، وإشكالية الإبداع...إلخ. واستغرق اللقاء المسجل اثنتين وأربعين دقيقة.
لكن لم يذع منها فى اللقاء المذكور إلا نتف يسيرة مقطعة فى تسع دقائق.
ومما أذيع منها كلمة عن المآخذ اللغوية التى أخذت عليه، وكنت قد كتبت عنها نبذة فى تقديمى للديوان، فرأيت تعميما للفائدة، أن أثبتها فى صفحتى هذه، على شكل حلقات. والله الموفق والهادى إلى الصواب.
الحلقة الأولى :
أخَذ عليه بعض معاصريه
ــــ تثنيته لطرْف العين، فى قوله :
ولم يسحر فؤادى قطُّ طرفٌ / سوى طرْفين فيها ساحرين
قالوا : الطرْف مصدر، والمصدر لا يثنّى ولا يجمع. وقد جاء مفردا فى القرآن، مع إضافته للجمع، كقوله تعلى : (لا يرتد إليهم طرفهم)، وقوله عز وجل : (وعندهم قاصرات الطرف أتراب)، وقولِه سبحانه : (ينظرون من طرْف خفىّ).
والجواب أن ما قالوه صحيح، فى الجملة، نظرا للأصل، فلا يثنى ولا يجمع، لأن الطرف فى الأصل مصدرُ طرَفت العين تطرِف من باب ضرب، لكن العرب أطلقت الطرف ـ توسعا ـ على العين، وعلى الجفن، وعلى النظر والبصر، فساغ لذلك جمعه وتثنيته ـ كما ستراه، إن شاء الله تعلى ـ وبذلك نطقت العرب.
فقد فات من أنكروا تثنيةَ الطرْف قولُ الطِّرِمّاح بن حكيم الطائىّ :
"ألا أيها الليل الطويل ألا اَصْبِحِ/ ببَمٍّ، وما الإصباح فيك بــــــــــــأروحِ
على أنّ للعينين فى الصبح راحة / بِطرْحِهما طرْفيهما كلَّ مَطـــرَحِ".
وبمّ : موضع بكرمان، من أرض فارس.
انظر : (ديوان الطرماح : 1/ 30، والأغانىّ : 12/43، والصناعتين لأبى هلال العسكرىّ : 1/274، وسمط اللآلى بشرح أمالى القالى لأبى عبيد البكرىّ الأندلسىّ : 1/220)، وخزانة الأدب للبغدادىّ : (2/327 ــ 328)، وغيرَها.
وربما رُوى هذان البيتان فى بعض هذه المصادر وغيرها بروايات متقاربة، ولكنها جميعا متفقة على موضع الاستشهاد. ومن تلك الروايات :
"أَلاَ أَيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ، أَلاَ اَصْبِحِ/ بصبح، ومَا الإصْباحُ منكَ بِــأَرْوَحِ
بلى إن لِلْعَيْنَينْ فى الليل راحَةً/ بِطَرْحِهِما طَرْفَيْهِما كُلَّ مَطْــــــــرَحِ" .
وفى الأغانىّ : "هو الطِّرِمَّاح بن حَكيم بن الحكم بن نفر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة..."، ثم ساق نسبه إلى ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ، وذكر أنه كان يلقب الطرّاح لقوله : ... وأنشد البيتين.
ثم قال : "والطرِمّاح من فحول الشعراء الإسلاميين وفصحائهم، ومنشؤه بالشام، وانتقل إلى الكوفة بعد ذلك مع من وردها من جيوش أهل الشام، واعتقد مذهب الشراة الأزارقة". اهـ (12/43 ـ 44).
ــ وفاتهم أيضا قول عمرَ بن أبى ربيعة الشاعر المخزومىّ القرشىّ الغزِل المعروف :
"ولها عينان فى طرْفَـيْهِما/ حَوَرٌ منها وفى الجِيد غَيَدْ".
وهو من قطعته الرمَلية المشهورة التى أولها :
ليت هندا أنجزتنا ما تعِد/ وشفت أنفسَنا مما تجِدْ
انظر ديوانه : 146، طبع دار السعادة، مصر، 6من ذى القعدة 1330هـ، أى منذ قرن وثمان سنين إلا أشهرا.
وانظر : طبعة دار القلم ببيروت، ص54، وقد اعتمد أصحابها على مخطوطات الديوان فى دار الكتب المصرية، وعلى طبعات الديوان القديمة والحديثة نسبيا. وهى طبعة ليبسك سنة 1909م، والميمنية سنة 1311هـ، ودار السعادة بمصر1330هـ ، وبيروت سنة 1934م، والنسخة التى حققها العلامة محمد محيى الدين عبد الحميد سنة 1960م.
وانظر طبعة دار الكتاب العربىّ، بيروت 1416هـ ـ 1996م/ط2 / تحقيق الدكتور فايز محمد ــ (ص 106 ).
فالبيت موضعُ الاستشهاد موجود فى الطبعات الثلاث المحال إليها هنا بالصفحة والجزء.
ولا تغفلْ عن اعتماد دار القلم على الأصول الموثوق بها، المذكورة أعلاه، مخطوطِها ومطبوعها.
وقد وُلد عمر بن أبى ربيعة ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذى الحجة سنة 23هـ ، وهى الليلة التى توفى فيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فسُمّى به.
ــ وفاتهم أيضا ما أنشده الزمخشرىّ فى معجمه اللغوىّ الموسوم بأساس البلاغة فى (مادة برِم) :
" يُخبِّرُ طرْفانا بما فى قلوبنا/ إذا برِمَت بالمنطِق الشفَتانِ".
وقد نسب الزمخشرىّ نفسُه هذا البيت إلى المخبل القيسىّ، فى كتابه : ربيع الأبرار ونصوص الأخيار : (2/141).
نعم. أورده برواية مختلفة قليلا عما هنا :
(يبيّن طرْفانا الذى فى نفسونا/ إذا استعجَمت بالمنطق الشفتان).
ولكن موضع الاستشهاد من البيت بقى كما هو، لم يغيره اختلاف الروايتين، كما ترى. وذلك هو المطلوب.
والمخبل القيسىّ هذا هو كعب بن مالك؛ ويقال : هو كعب بن عبد الله، من بنى لأى بن شمّاس بن أنف الناقة، من أهل الحجاز؛ انظر الأغانىّ : (20/281 ـــ 285)، ومصارع العشاق، لابن السراج البغدادىّ : (2/140)، والتذكرة الحمدونية، لبهاء الدين أبى المعالى محممد بن الحسن ابن حمدون البغدادىّ : (6/154)، وتاريخ دمشق لابن عساكر : (50/133 ـــ 139).
وفى هذا الأخير : "كعب بن عبد الله، ويقال : ابن مالك القيسىّ المعروف بالمخبّل، شاعر من أهل الحجاز مشهورٌ، وقع إلى الشام...". (50/133).
ثم أورد قصته، وشعره المذكور، وضِمْنَه البيتُ موضعُ الاستشهاد. ثم قال فى آخر ترجمته : "وقيل إن بعض هذا الشعر لابن الدمينة الخثعمىّ".
وعزا الخالديان فى حماستهما البيت أيضا لابن الدمينة الخثعمىّ، وهذه الحماسة موضوعة لأشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين.
والبيت فيها مع بيتين آخرين، ويحسن إيرادهما فى هذا المقام :
"أيا كبِدَيْنا أجْمِلا قد وَجدتُما/ بأهلِ الحِمَى ما لم تجدْ كبِدانِ
إذا كــبِدانا خافَتا صرفَ نيَّةٍ/ وعاجلَ بينٍ ظلَّتا تجِبــــــــــانِ
يخبِّرُ طَرفانا بما فى قلوبنـــا/ إذا استَعجمتْ بالمنطقِ الشَّفتانِ".
وانظر كتاب الأغانىّ، ففيه قصة المخبل القيسىّ بتفاصيلها، وقطعته الشعرية كاملة، ومنها البيت المستشهد به هنا، إلا أن أبا الفرَج ذكر أيضا أن المفضل بن سلمة، وأبا طالب بنَ أبى
طاهر يرويانها لابن الدمينة. (20/284). وهو موافق لما فى كتاب الخالديين.
وسبب الاختلاف فى النسبة هو أن لكل من الشاعريْن قصيدة توافق الأخرى فى البحر والروىّ والغرض، فحدَث بين بعض أبياتهما تداخل عند الرواة؛
وربما تداخلت بعض أبيات هاتين القصيدتين أيضا مع ثالثة مشهورة لعروة بن حزام.
وهو أمر عادىّ، كثير الوقوع، وخصوصا فى أشعار الغزل والغرام لذلك العهد؛ يعرف ذلك جيدًا أهل الاختصاص.
وابن الدمينة شاعر أموىّ مشهور رقيق الشعر، عذب الألفاظ، وأكثر شعره فى الحب والشكوى. وقد قتِل غِيلة بعد 130هـ، وهو عائد من الحج، بتبالة، قرب بِيشة.
والدمينة أمه، وهى بنت حذيفة السلولية، واسم ابن الدمينة : عبد الله بن عبيد الله أحد
بنى عامر بن تيم الله بن مبشر، ينتهى نسبه إلى خثعم بن أنمار ابن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت ابن مالك.
وقيل إنه من ربيعة بن نزار... ". انظر الأغانىّ، وقد ذكر طرَفا من حياته وأخباره : (15/ 144).
وفى حاشيةالبغدادىّ على شرح ابن هشام لقصيدة (بانت سعاد) : "عبد الله ابن الدمينة شاعر إسلامىّ، له غزل رقيق، كان الناس فى الصدر الأول يُغنّون به، ويستحْلون شعره". اهـ (1/155).
وبما أنه من عصور الاحتجاح ـ بداهة ـ كالمذكورِين قبله ـ فقد استشهد النحاة واللغويون بشعره، كما فى : سرّ صناعة الإعراب لابن جنّى، والإنصاف فى مسائل الخلاف لأبى البركات الأنبارىّ، وشرح الكافية الشافية لابن مالك، وأوضح المسالك لابن هشام، وتهذيب الأزهرىّ، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، وغريب الحديث للخطابىّ، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيدَهْ، والصحاح للجوهرىّ، والزاهر لأبى بكر الأنبارىّ، والأساس، والفائق، وهما معا للزمخشرىّ، ولسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للزَّبِيدىّ... وغيرها من دواوين العربية المشهورة.
وبغض النظر عن كون هذا البيت للمخبل القيسىّ، أو لابن الدمينة، فالمقطوع به أنه شاهد معتدّ به إجماعا عند أهل اللسان قاطبة؛ فكونه لهذا أو لذاك لا يغير من واقع الأمر شيئا.
وبعد، فالخلاف فى الطرْف ـ هل يثنى ويجمع أو لا؟ ـ خلاف لغوىّ قديم، فممن ذهب إلى جمعه ابن قتيبة فى غريب الحديث، وحكاه أبو البقاء العكبرىّ فى كتابه : (إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات فى جميع القرآن)، وذهب إلى جواز جمعه وتثنيته أيضا بعض العلماء المتأخرين، كما سيأتى، إن شاء الله تعلى.
وممن ذهب إلى المنع الأزهرىّ والزمخشرىّ، ونسبه هذا الأخيرُ إلى الخليل.
فقد روى ابن قتيبة فى الكتاب المذكور قول أم سلمة رضى الله عنها : "حُمَاديَات النساء غضُّ الأَطراف، وخفَرُ الأعراض".
قال : "قَوْلها : حماديات النِّسَاء : هُوَ جمع حُمادَى. يُقَال : قصاراك أن تفعل ذَاك، وحماداك؛ كَأَنَّك تَقول : جهدك وغايتك. غض الْأَطْرَاف يَعْنِى : جمع طرْف الْعين.
وخفر الإعراض : الخفر : الْحيَاء. والإعراض هُوَ : أَن يُعرِضن عَن كل مَا كُره لَهُنَّ أَن ينظرن إليه. أَى : لَا يلتفتن نَحوه، من قَوْلك : أَعرَضت عَن فلَان، فَأَنا عَنهُ معرض : إذا لم ألتفت إليه.
وإن كَانَت الرِّوَايَة : الْأَعْرَاض ـ بِفَتْح الْهمزَة ـ فإنه جمع عِرْض، وَهُوَ الْجَسَد". اهـ (2/490).
فاعترض الزمخشرىّ زاعما أنه لم يرد به سماع، وأنه كذلك قال الخليل.
فقد قال فى الفائق :
"غض الْأَطْرَاف : أوردهُ القتيبىّ هَكَذَا، وَفسّر الْأَطْرَاف بِجمع طرف، وَهُوَ الْعين. وَيدْفَع ذَلِك أَمْرَانِ : أَحدهمَا : أَن الْأَطْرَاف فِى جمع طرْف لم يرد بِهِ سَماع. بل ورد بردِّه، وَهُوَ قَول الْخَلِيل أَيْضا أَن الطّرف لَا يثني وَلَا يجمع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مصدر طرَف : إِذا حرَّك جفونه فِى النّظر.
وَالثَّانِى : أَنه غير مُطَابق لخفر الْأَعْرَاض. وَلَا أكاد أَشك أَنه تَصْحِيف. وَالصَّوَاب : غض الإطراق وخفر الْأَعْرَاض. وَالْمعْنَى أَن يغضضن من أبصارهن مطرِقات أَى راميات بأبصارهن إِلَى الأَرْض، ويتخفَّرْن من السوء معرضاتٍ عَنهُ". (2/170).
وممن نص قبله على المنع الأزهرىّ أيضا. لكن ينبغى أن يقال إنهما غفلا عن هذه الشواهد الشعرية فى تثنية الطرف، لأنه يبعد عدم اطلاعهما عليها، ولا سيّما الزمخشرىّ الذى أورد أحدها، فهو وإن ادعى أن لفظة الأطراف (جمع طرْف)، تصَحفَتْ عن الإطراق، فإنه أورد شاهدا شعريا لتثنية الطرف فى كتابين من أهم كتبه اللغوية والأدبية، دون تعقُّب أو اعتراض !
وأما الأزهرىّ، فقد رواه : "غض الطرْف"، بالإفراد، وهذا مما قد يعتذر به عنه، بخصوص هذا الشاهد. لكن من العجيب أن تكون كل تلك الشواهد الشعرية قد عزَبت عن حفظه وعلمه؟ ! وسبحان من لا يغفُل ولا ينسى.
ولعل الذين جاءوا مِن بعدهما، ووافقوهما فى هذا القول، إنما قلدوهما. ومن أبرزهم ابنُ الأثير الذى نقل كلام الزمخشرىّ، وابنُ منظور الذى جعل تهذيبَ الأزهرىّ ونهايةَ ابن الأثير من بين أهم مصادره الخمسة التى بنَى عليها معجمه الكبير لسانَ العرب، كما هو معلوم. والثلاثة الباقية هى : الصحاح وحواشيه، والجمهرة، والمحكم.
وأيضا مما يعكر على إضافة الغض للإطراق ـ بالقاف ـ أمور :
أحدها : أن مادة الغض تضاف ـ غالبا ـ إلى الطرْف، بالفاء.
ومنه قول جرير :
فغض الطرف إنك من نمير / فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وقول كعب بن زهير :
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا / إلا أغن غضيض الطرف مكحول
إلخ... وهو كثير جدا.
ويشهد له ما فى التنزيل من أمر الرجال والنساء بغض الأبصار، فى سورة النور.
وقد تضاف إلى الصوت أيضا، كما فى قوله تعلى : (واغضض من صوتك). وربما وقعت الإضافة إلى غير ما ذُكر مجازا.
ثانيها : أن فى إضافة الغض إلى الإطراق إضافة الشىء إلى لازمه، وهو قريب من تحصيل الحاصل.
ثالثها : استبعاد التصحيف، فهو مجرد دعوى.
رابعا : أن حكاية العكبرىّ لورود الطرف مجموعا تعزز رواية ابن قتيبة، فيبعد احتمال التصحيف باتفاقهما.
خامسا : أن المثبِت مقدم على النافى. وعدم العلم ليس علما بالعدم.
سادسا : أن الزمخشرىّ الذى أنكر تثنية الطرْف وجمْعَه فى كتابه : (الفائق) هو نفسُه الذى أنشد، فى معجمه : أساس البلاغة، وفى كتابه : ربيع الأبرار ـــ قول المخبل القيسىّ :
يخبّر طرْفانا بما فى قلوبنا/ إذا برِمت بالمنطق الشفتان !
ولم يتعرض له بنقد أو تخطئة، كما تقدم. وفى هذا حجة عليه.
سابعا : أن الأثر المذكور ـ وإن تطرق إليه احتمال الضعف ـ وذلك ما لا نستبعده مبدئيا ـ لم يتعرض له أحد من المذكورين من هذه الحيثية، بل ذهبوا إما إلى دعوى التصحيف، أو إلى التأويل.
وقول العكبرىّ إن الطرف ورد مجموعا يحتمل أن مراده ما أورده ابن قتيبة، ويحتمل أنه يقصد نصا آخر لم أطلع عليه. والله أعلم.
وممن سلك مسلك التأويل فى هذا الأثر العلامة أبو الفتح ضياء الدين ابن الأثير، فقد ذكر فى كتابه (النهاية فى غريب الحديث والأثر) ـ ووافقه آخرون ـ أن المراد بالأطراف : الأيدى والأرجل، فهى على هذا جمع طرَف بفتح الراء، لا بسكونها. فيختلف اللفظ والمعنى، ويصبح المراد ـ على هذا ـ : لزوم البيوت.
قال فى النهاية : "وَفِى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : قَالَتْ لِعَائِشَةَ : حُمَادَياتُ النِّسَاءِ غَضُّ الأَطْرَاف، أرادَت قَبْضَ الْيَدِ والرِّجل عَنِ الحَرَكَة والَّسير. يَعْنِى تَسْكين الأَطْرَاف، وَهِىَ الأعْضَاء". (3/120).
ولكن إضافة الغض إلى هذه الأعضاء ليست مشهورة، على أقل تقدير.
ثم إن الكلام فى الطرْف، بسكون الفاء، لا بفتحها، لاختلاف المعنيين، ولو كان المعنى فى هذا الأثر على ما ادعاه ابن الأثير لما ذهب الزمخشرىّ إلى ما ذهب إليه من ادعاء التصحيف، ونفى السماع، إنكارا لجمع طرْف العين. ولما احتاج إلى كل ما قاله، ولما روى الأزهرىّ اللفظ بالإفراد، ولماَ خفى على ابن قتيبة، حتى قال إنه جمع لطرْف العين الذى يُحمد غضه عادة. فاعرفه.
لكن لعل ما دعا ابنَ الأثير ومن نحا نحوه إلى هذه التأويلات، هو تقليد من قال إن الطرْف لا يثنى، ولا يجمع. والله أعلم.
وقال العكبرىّ : (لا يرتد إليهم "طرفهم : مصدر فى الأصل بمعنى الفاعل، لأنه يقال : ماطرفت عينه، ولم يبق عين تطرف، وقد جاء مجموعا". (2/70 ـ دار الكتب العلمية، 1399هـ).
وقال الإمام محمد بن جرير الطبرىّ فى تفسيره :
"قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) فَوَحَّدَ، وَقَالَ : (وَأَبْصَارِهِمْ) فَجَمَعَ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْخَبَرَ فِى السَّمْعِ خَبَرٌ عَنْ سَمْعِ جَمَاعَةٍ، كَمَا الْخَبَرُ فِى الْأَبْصَارِ خَبَرٌ عَنْ أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ؟
قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّى الْكُوفَةِ : وَحَّدَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمَصْدَرَ، وَقَصَدَ بِهِ الْخَرْقَ، وَجَمَعَ الْأَبْصَارَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْأَعْيُنَ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّى الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ السَّمْعَ وَإِنْ كَانَ فِى لَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى جَمَاعَةٍ، وَيَحْتَجُّ فِى ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ : (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) : يُرِيدُ لَا تَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ أَطْرَافُهُمْ، وَبِقَوْلِهِ : (وَيُوَلُّونَ الدُّبُر) يُرَادُ بِهِ أَدْبَارَهُمْ. وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدِى لِأَنَّ فِى الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْجَمْعُ، فَكَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ، وَأَدَاءُ مَعْنَى الْوَاحِدِ مِنَ السَّمْعِ عَنْ مَعْنَى جَمَاعَةٍ مُغْنِيًا عَنْ جَمَاعَةٍ، وَلَوْ فَعَلَ بِالْبَصَرِ نَظِيرَ الَّذِى فَعَلَ بِالسَّمْعِ، أَوْ فَعَلَ بِالسَّمْعِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالْأَبْصَارِ مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ، كَانَ فَصِيحًا صَحِيحًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ
فَوَحَّدَ الْبَطْنَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبُطُونُ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّة".اهـ (1/382، دار هجر، 1422هـ).
ويفهم من كلامه هذا جواز جمع الطرف قياسا على السمع، بل وجدناه فى هذا النص جمع الطرف على أطراف. وعلى هذا لا يبعد الزعم بأنه كان يراه صراحة. والله أعلم.
وقد لخص الشيخ محمد مرتضى الزَّبِيدىّ فى تاج العروس شرحِ القاموس، أقوال اللغويين فى هذه المسألة، فنذكر طرَفا منها، قال رحمه الله تعلى :
"الطَّرْفُ : العَيْنُ، لَا يُجْمَعُ لأَنَّه ـ فِى الأَصلِ ـ مَصْدَرٌ، فيكونُ واحِداً، وبكون الأَصلِ مَصْدَرا فيكونُ واحِداً، ويكونُ جمَاعَة، قَالَ الله تَعَلَى : (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهمُ طَرْفُهُم)، كَمَا فِى الصِّحاح.
أَو هُوَ : اسمٌ جامِعٌ للبَصَرِ، قَالَه ابنُ عَبَّادٍ، وَزَاد الزَّمَخْشَرِىُّ : لَا يُثَنَّى، وَلَا يُجْمَعُ، لأَنَّه مصدَرٌ، وَلَو جُمِعَ لم يُسْمَعْ فِى جَمْعِهِ أَطْراف.
وقالَ شيخُنا عندَ قولِه : (لَا يُجْمَع) : قلتُ : ظاهِرُه، بلْ صَرِيحُه أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَمْعُه، ولَيْسَ كَذَلِك، بل مُرادُهم : أَنَّه لَا يُجْمَعُ وُجوباً، كَمَا فِى حاشيةِ البَغْدادِىِّ على شرح بانَتْ سُعاد. وَبعد خُرُوجه عَن المَصْدَرِيَّةِ، وصَيْرُورَتِه اسْما من الأَسْماءِ، لَا يُعْتَبَرُ حُكْمُ المَصْدَرِيَّةِ، ولاسِيَّما وَلم يقْصِدْ بِهِ الوَصْف، بل جَعَله اسْماً، كَمَا هُوَ ظاهِرٌ ...". اهـ كلامه : (طرف).
قلت : وقد لخص الشيخ كلام البغدادىّ تلخيصا شديدا، وسننقل منه ما يتعلق بموضع النزاع فى هذا المقام، حتى تتضح الصورة أكثر.
قال العلامة عبد القادر بن عمر البغدادىّ فى حاشيته على شرح (بانت سعاد) لابن هشام عند قوله عن الطرف وأصلِ مصدريته : (ولهذا لا يجمع) : ما لفظه :
"ظاهره. لا يجوز جمعه، وليس كذلك، بل المراد لا يجمع وجوبا. بل يجوز إفراده وتثنيته وجمعه عند إطلاقه على أكثر من الواحد.
وقال الرضىّ، فى آخر باب الجمع من شرح الكافية : " وأما الوصف الذى كان فى الأصل مصدرا نحو : صوم، وغَور، فيجوز أن يعتبر الأصل، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. قال تعلى : (حديثُ ضيف إبراهيم المكرَمين)، وقال : (نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب).
ويجوز اعتبار الحال المنتقَل إليها، فيثنى ويجمع، فيقال : رجلان عدلان، ورجال عدول". اهـ موضع الاستشهاد من كلامه. (1/386 ـ 387، ط : الألمانية، 1400هـ ـ 1980م).
وهو صريح فى جواز تثنية طرف العين وجمعه.
لكنه قال رحمه الله تعلى : "فإن قلتَ : هل جاء جمع الطرف أو تثنيتُه؟
قلت : لم ينقل ذلك أحد، ولكن جائز، كما فى نظائره : ضيوفٍ، وعدول". اهـ (1/387).
فهو يجيزه قياسا، وينكره سماعا. لكنه رحمه الله غلط فى ذلك، لما قدمنا من الشواهد الصحيحة الصريحة من تكلم العرب به. ولعله اغترّ بإنكار الزمخشرىّ، فقلده دون بحث ـ على خلاف عادته فى التحرير والتحقيق. وقد سبق أن الزمخشرىّ نفسه محجوج فى نفى السماع بالشاهد الذى أورده فى معجمه.
ومن العجيب أيضا أن البغدادىّ الذى لا يفتأ يتحفنا، من خلال خزانته ــ وهى من أعظم الموسوعات النحوية والأدبية ـ بالأشعار والأخبار والطرائف والشواهد والأنساب والتحقيقات اللغوية والعلمية المختلفة، وينقل من الأغانىّ وغيرها من موسوعات الأدب القديمة، وكذلك يفعل فى أحسن كتبه على الإطلاق ـ حاشيةِ شرح بانت سعاد ــ قد غفل عن هذه الشواهد المشهورة المبثوثة فى الدواوين، وبعض المعاجم، وكتب الأدب والأخبار !
وقد رأيت له رحمه الله ـ على تبحره وموسوعيته، وغزارة مصادره ـ ما عجبت منه أشد العجب، وهو قوله عن كلمة مشهورة فى ديوان الشماخ بن ضرار الغطفانىّ رضى الله عنه : "والحديق لم يفسره شارح ديوانه، ولم أعرف ما المراد منه" ! (2/386).
وذلك فى قول الشماخ :
كأنى كسوت الرحل أحقبَ سَهْوَقا/ أطاع له فى رامَتيْنِ حديقُ
قلت : والحديق إما جمع حديقة، كسفينة وسفين، وإما فعيل بمعنى فاعل من قولهم : حَدَقوا به : إذا أطافوا به. ومثله : أحدقوا، واحدَوْدقُوا، فيكون الحديق ـ على هذاـ ما أحدق بالموضع المذكور من المراعى والبساتين. ومنه : الحديقة، وهى : الروضة ذات الشجر، أو البستانُ من النخل والشجر، أو كل ما أحاط به البناء، أو القطعة من النخل. كما فى القاموس.
وتجمع على حدائق، ومنه قوله تعلى : (فأنبتنا به حدائق ذات بهجة)، وقولُه سبحانه : (وحدائقَ غُلبا).
وفى معلقة عنترة بن شداد :
جادت عليها كل عين ثرة/ فتركن كل حديقة كالدرهم
فقول الشماخ : أطاع له من رامتين حديق : معناه اتسع له من هذا الموضع المرعى المحدِق، وأمكنه أن يرعاه، ويرتعَ فيه.
ففى تهذيب اللغة للأزهرىّ : "عَن ابْن السّكيت : يُقَال : قد أطَاع لَهُ المَرْتع إِذا اتّسع لَهُ المرتع، وَأمكنهُ من الرّعْى. وَقد يُقَال فِى هَذَا الْموضع : طَاع...".اهـ (طوع).
قلت : ومنه قول النابغة الذبيانىّ :
كَأَنَّما الرَّحْلُ مِنْهَا فَوْقَ ذِى جُدَدٍ/ ذَبِّ الرِّيادِ إلى الأشْباحِ نَظَّــــــــــــــــارِ
مُطَرَّد أُفرِدَتْ عَنْهُ حَلاَئِلُـــــــهُ/ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ أَوْ مِنْ وَحْشِ ذى قارِ
مُجَرَّس وَحَد جأْب أَطاعَ لَهُ/ نَباتُ غَيْثٍ مِنَ الوَسْمىِّ مِبْكَــــــــــــــارِ
وقول ربيعة بن مقروم :
كأَنَّ الرَّحْلَ منهُ فَوْق جَأْبٍ/ أَطَاعَ لهُ بِمَعْقُلَةَ التلاَعُ
ونحوه قول زهير :
كأنّ الرحل منها فوق صَعْل/ من الظلمان جُؤجُؤُه هواء
أسكّ مصَلّم الأذُنين أجْنَى/ له بالسِّىّ تَنــُّـــــــــــــومٌ وآء
فقد خفى على البغدادىّ، رحمه الله تعلى، المراد من الحديق مع شدة وضوحها ! وقد اعترف بذلك. ولا ينقص ذلك من علمه وفضله، بل هو أعظم دليل على أمانته وبعده عن التكلف. وقد رأيت فى أشعار المفضليات والأصمعيات كلمات كثيرة لا تجدها فى المعاجم، وكثيرا ما ينص محققو المدونتين على ذلك.
***
وهنالك منزع آخر : وهو أن الطرف ـ وإن كان فى الأصل مصدرا، بمعنى تحريك الأجفان، أو إطباق الجفن على الآخر ـ بعبارة الجوهرىّ ـ فإن العرب أطلقته أيضا على الجفن نفسه، وعلى البصر، وعلى العين، وعلى النظر، كما فى المعاجم اللغوية. بل قال بعض اللغويين، بعد ذكرهم لبعض هذه المعانى : هو "اسم جامع للبصر"، وسياقات كلام العرب هى التى تحدد المراد.
ففى لسان العرب :
"الطَّرْفُ : طرْفُ الْعَيْنِ. والطَّرْفُ : إطْباقُ الجَفْنِ عَلَى الجفْن. ابْنُ سِيدَهْ : طَرَفَ يَطْرِفُ طَرْفاً : لَحَظَ، وَقِيلَ : حَرَّكَ شُفْره، ونَظَرَ. والطَّرْفُ : تَحْرِيكُ الجُفُون فِي النَّظَرِ. يُقَالُ : شَخَصَ بصرُه فَمَا يَطْرِفُ. وطَرَفَ البصرُ نفسُه يَطْرِفُ، وطَرَفَه يَطرِفُه وطَرَّفَه كِلَاهُمَا إِذَا أَصاب طرْفَه، وَالِاسْمُ الطُّرْفَةُ. وَعَيْنٌ طَرِيفٌ : مَطْروفة. التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ : الطَّرْفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْبَصَر..." (طرف).
وفى تفسير الطبرىّ : "وَقَوْلُهُ : (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ)، يَقُولُ : لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ـ لشِدَّةِ النَّظَرِ ـ أَبْصَارُهُمْ" (13/710)، ففسر الطرف بالبصر.
ونحوه فى كثير من التفاسير.
وفى تفسير الماوردىّ، عند هذا الموضع :
"والطرف : هو النظر، وسميت العَيْن طرْفاً لأنه بها يكون. قال جميل :
وأَقْصرُ طَرْفى دُون جُمْل كرامةً ... لجُمْلٍ وللطرْفِ الذى أنا قاصِره". (3/141).
فأطلق الطرف على النظر.
وفى تفسير القرطبىّ عند هذه الآية أيضا :
"وَالطَّرْفُ الْعَيْنُ. قَالَ عَنْتَرَةُ :
وَأَغُضُّ طَرْفِى مَا بَدَتْ لِى جَارَتِي/ حَتَّى يُوَارِىَ جَارَتِى مَأْوَاهَا".
فأطلقه على العين.
وفسر أبو حيان فى البحر المحيط الطرف فى هذا الموضع أيضا بالعين، وأنشد بيت عنترة هذا، ثم قال :
"ويقال : طرَف الرجلُ أطبق جفنه على الآخر ، وسُمّى الجفن طرْفاً لأنه يكون فيه ذلك". (5/419).
وقال تلميذه العلامة السمين الحلبىّ، فى عمدة الحفاظ فى تفسير أشرف الألفاظ :
"قوله تعلى : (قبل أن يرتدّ إليك طرفك) : أى قبل أن يرتدّ إليك جفنك عند فتح عينك، يقال : طرَف يطرف : إذا فعل ذلك..." إلى أن قال : "والطرف : الجفن، وهو أيضا تحريك الجفن للنظر، إذ كان تحريك الجفن يلازمه الطرف". اهـ (2/393).
وذكر أبو السعود فى تفسيره من معانى الطرف أنه يطلق على : "نفس الجفن". (5/55).
وفى فتح القدير للشوكانىّ، عند آية النمل : "وقيل هو نفس الجفن". (4/139).
ولا أحد يفهم من قولهم : "طرْف كحيل" : كحيل تحريك العينين، أو من قولهم : "غضيض الطرف" : غضيض تحريكهما، أو "فى طرفها حور" : فى تحريكهما حور. فالمصدر الدال على الحدث قد تنوسى فى هذه الإطلاقات، وتمحض الاستعمال فيها، وفيما يشابهها، للجفن.
وانظر إلى كراع النمل على بن الحسن الهُنائىّ الأزدىّ المتوفى سنة 310هـ ، حيث قال فى مُنَجَّدِه ـ وهو أول معجم شامل فى المشترك اللفظىّ ـ : "والغَضِيض الطَّرْفِ : المُسْتَرْخِي الأجفان". (277).
ومِن تمحُّلِ بعض من قلد الزمخشرىّ أن قالوا فى تفسير قوله تعلى : (لا يرتد إليهم طرفهم) : لا يرتد إليهم تحريك أبصارهم. وعبارة الزمخشرىّ : "لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، أى : لا يطرفون، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان".
وهذا الذى قاله ـ وإن كان هو أصل الاستعمال ـ فالتكلف فيه واضح.
لكنه حكى أيضا وجها آخر فسّر فيه الطرْف بالنظر، فقال : "أوْ : لا يرجع إليهم نظرهم..."اهـ (2/528).
وإذا كانت العرب قد أطلقت الطرف على الجفن اتساعا، وصار الطرف فى كثير من كلامهم مرادا به الجفن نفسه، أو العين، أو البصر ـ كما رأيت ـ فلا ينبغى الجمود على تلك الكلمة التى قالها الأزهرىّ، ورددها من بعده لغويون ومفسرون ـ تقليدا ـ أعنى منع جمعه وتثنيته مراعاة لأصل المصدرية. وإلا فيلزم إنكار جميع ما كان هكذا، وطردُ القاعدة فى الباب كله.
فإن قال قائل : ما قبلنا جمعه وتثنيته ورد به سماع. قلنا : فكذلك هاهنا أيضا، ولا فرق.
***
وصفوة القول : أن الطرف ثبتت تثنيته عن ثلاثة من شعراء العرب. وإذا ورد الدليل الصحيح من كلامهم، فهو الفيصل عند النزاع، فى هذا الباب؛
وأنه ورد مجموعا فى كلام بعض السلف أيضا؛ على ما جاء فى الأثر المذكور أعلاه؛
وأنه قد ذهب إلى جواز جمعه وتثنيته من علماء العربية : الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَرىّ، النحوىّ اللغوىّ الكاتب، المتوفى سنة 276هـ ، ووافقه العلامة النحوىّ أبو البقاء العكبرىّ فى كونه ورد مجموعا، وأجاز ذلك العلامة النحوىّ المحقق الأديب الكبير عبد القادر بن عمر البغدادىّ، فى حاشيته على شرح ابن هشام لقصيدة بانت سعاد، والإِمَام اللغوىّ أبو عبد الله مُحَمَّد ابن الطّيِّب بن مُحَمَّد الفاسىّ، شيخ الزَّبِيدىّ صاحب تاج العروس؛ وهو ظاهر مذهب الزَّبِيدىّ نفسه؛ وقد وجدناه مجموعا فى كلام الإمام الطبرىّ، ولم نجد من تعقبه؛
وأن الزمخشرىّ محجوج بما أورده فى أساسه وربيعه، فضلا عن الشواهد الأخرى؛
وأن الأزهرىّ، مِن قبله، ربما يكون قد ذهب إلى ما ذهب إليه ذهولا عن هذه الشواهد ـ فيما نرى ـ ، وأن أكثر القائلين بقوله، ممن جاءوا بعده، إنما جروا على تقليده، أو تقليد الزمخشرىّ، فى ذلك.
فصح يقينا بكل ما ذكرناه جواز تثنية الطرف وجمعه فى كلام العرب. وهو المطلوب.
ومن المعلوم ـ ضرورة ـ أن الشعراء الثلاثة الذين استشهدنا بكلامهم على تثنية الطرف، يرجعون جميعا إلى عصور الاحتجاج، فيُستشهد بشعرهم فى جميع الأبواب، إذ كان آخرَ من يُحتج بكلامه من الشعراء ـ فى قول الأصمعىّ وغيره ـ هو إبراهيمُ بن هَرْمة القرشىّ الذى شهد الدولتين الأموية والعباسية. وبالله التوفيق.

(يتبع)

المآخذ اللغوية على الشيخ سيدى محمد بن الشيخ سيدى (2،3،4)
 (الحلقات الثانية الثالثة والرابعة)
من صفحة العلامة إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيدي علي الفيسبوك

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الحلقة الثانية :
استشكل بعضهم استعمالَ الشيخ سيِّدى محمد لفظة "الروابع"، جمعا لرابعة، وذلك فى قوله ـــ رحمه الله تعلى ـــ :
فرَعْىُ الفتى عهدَ المرابع آيةٌ / على أنه يرعى عهودَ الروابع
قالوا : لم نجدها فى القاموس !!!
والبيت من قطعة له مشهورة، يقول فيها :
خليلىَّ هل أحرى بفيض المدامع/ من الأربُع اللائى بكِنِّ المزارع؟
أريقا بها ماءَ الشؤون وخلِّيا/ عزاليَه ما بين هامٍ وهامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
أليس بغدر صونُنا عبراتِنا/ عن السحّ والتَّذراف بين المرابـــــــــــــــــــــــــــــــع؟
فرعْىُ الفتى عهدَ المرابع آيةٌ/ على أنه يرعَى عهود الروابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع...
إلخ.
والجواب أنه ليس كل لفظ مقيس منصوصا عليه فى القاموس، فالمعاجم لا تُعنَى بحشد تصاريف الفعل، ومشتقاته، وضروب الأبنية، والصيغ المقيسة،
ولو فعل مؤلفوها لأوشك أن تضيق بها السبع الطباق، ولبطل التصريف والاشتقاق.
إن الروابع جمع رابعة، وهى المرأة المقيمة بالربع، أى الدار، من قولهم : ربع بالمكان يربع : إذا اطمأن به وأقام.
قال فى التاج : "رَبَعَ بِالْمَكَانِ : اطمأَنَّ وأقامَ. قَالَ الأَصْبَهانىّ فِى المُفردات : وأصلُ رَبَعَ : أقامَ فِى الرَّبيع، ثمّ تُجُوِّزَ بِهِ فِى كلِّ إقامةٍ، وكلِّ وَقْتٍ، حَتَّى سُمِّى كلُّ مَنْزِلٍ رَبْعَاً، وإنْ كَانَ ذَلِك فِى الأصلِ مُختَصّاً بالرَّبيع". (ربع).
وفيه قبل هذا : "رَبَعَت الإبلُ تَرْبَعُ رَبْعَاً : سَرَحَتْ فِى المرعى، وأكلتْ كَيفَ شاءَتْ وشَرِبَتْ، وَكَذَلِكَ رَبَعَ الرجلُ بِالْمَكَانِ، إِذا نزلَ حيثُ شاءَ فِى خِصبٍ ومَرعىً". اهـ .
وهذا آيل إلى الاطمئنان والاستقرار.
ورابعةٌ وِزَان فاعلة، وجمعُ فاعلة ــ قياسا مطَّرِدا ـــ فواعلُ، صفةً كانت، أو اسما علَما، أو غيرَ علَم، كغوافلَ، وضواربَ، وفواتحَ، وفواطمَ، وعواتكَ، وعواقبَ،.. ولو لم تلحقها التاء الفارقة، كطالق، وحائض، ونحوها، كما نص عليه علماء اللغة والنحو والتصريف.
وقد اضطره حالُ هؤلاء المعترضين إلى أن يذكر ذلك فى مقطوعة شعرية، شرح فيها المسألة، بل خصها برسالة علمية طريفة لا تخلو من تهكم وتندر، ودبّج فيها أيضا فُتيا لغويةً لمن سأله عن وجه استعمالها.
وسننشر مقاطع قليلة من كلتا الرسالتين، فى هذا المقام، تعميما للفائدة، إن شاء الله تعلى.
ومن قرأهما كاملتين، ممن له بصَرٌ بالعربية، سيدرك رسوخ قدم الرجل فيها.
وقد جلب فى هذين العملين أقوال طائفة من علماء العربية على اطّراد هذا الجمع، فنقل كلام ابن مالك فى التسهيل والكافية والخلاصة، وكلامَ الدمامينىّ فى شرح التسهيل، والمرادىّ على الألفية، وكلامَ ابن هشام، وغيرهم من النحاة، وبيّن طريقة صاحب القاموس بما لا مزيد عليه؛ وعدّد كثيرا من الكلمات الجارية على وزن فواعلَ مما نطقت به الشعراء، وليس له وجود فى القاموس، ولم ينسبهم فيه أحد إلى اللحن أو الخطإ، بل لم يستشكل أحد ممن له أدنى إلمام باللغة استعمالهم لها.
وقد تقدم أن صاحب القاموس وغيره ممن وضعوا المعاجم لا يحتاجون إلى أن يذكروا جميع تصاريف الكلمة أصلا.
وقبل أن ننقل تلك المقاطع، نورد هنا نقولا عن أئمة الصناعة تعزز ما قاله الشيخ، وإن كان أوضح وأشهر من أن يحتاج إلى دليل.
ـــ قال سيبويه، فى الكتاب : "وإذا لحقت الهاء فاعلاً للتأنيث كُسّر على فواعل، وذلك قولك : ضاربةٌ، وضوارب، وقواتل، وخوارج. وكذلك إن كان صفة للمؤنث، ولم تكن فيه هاء التأنيث، وذلك : حواسر، وحوائض". اهـ (3/632 ــ 633).
ــ وقال ابن السراج فى كتابه الأصول فى النحو :
"وإِذَا أُلْحِقَتِ الهاء للتأنيثِ كُسر على فَوَاعلَ : كضَاربةٍ وضَوَاربَ، وكذلكَ إِنْ كانَ صفةً للمؤنثِ ولمْ يكنْ فيهِ هاءُ التأنيثِ : كحَائضٍ وَحَوَائض". (3/16).
ـــ وقال أبو جعفر النحاس فى عُمدة الكتاب : "وإن جَمعْتَ ناجراً قلت : نواجر، لأن فاعلاً إذا كان اسماً غير نعتٍ جمع على فواعل. وإن كان نعتاً لمؤنث جُمع على فواعل". (ص : 105).
ــ وقال ابن عقيل فى شرحه على الألفية : "وفواعل أيضا جمع لوصف على فاعل، إن كان لمؤنث عاقل، نحو حائض، وحوائض...وفواعل أيضا جمع لفاعلة، نحو صاحبة وصواحب، وفاطمة وفواطم". (4/131).
ــ وفى شرح التصريح على التوضيح للشيخ خالد الأزهرىّ : "فواعل، ويطرد فى ألفاظ سبعة"...
إلى أن قال : وذلك "فى : فاعلة اسمًا كانت، أو صفة ، كـ : (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ)، فناصية : اسم، وكاذبة وخاطئة : صفة، فيقال فى جمعها : نواصٍ، وكواذبُ، وخواطئُ". اهـ (2/546).
وهذا غيض من فيض. ولا فائدة فى الاستكثار من نقله. بل القاعدة بمفردها كافية، وكذا إجماعهم على اطرادها فيما نحن فيه. وتوضيح الواضح لا يزيده إلا غموضا ـ كما يقال.
وبالله التوفيق.
وقد بنى الشيخ سَيِّدى محمد ـ رحمه الله تعلى ـ توضيحه لهذه المسألة على الأصول الآتية :
1ـــ اطِّراد مجىء اسم الفاعل على وزن فاعل، من فعَل ـ بالفتح ـ مطلقا، ومن فعِل ـ بالكسر ـ المتعدى. ومجيئه على قلة من فعُل ـ بالضم ـ وفعِل ـ بالكسر ـ اللازم. ومعنى هذا أنه يجىء من كل أبنية الفعل الثلاثىّ، على تفاوت بينها فى ذلك.
وربع بالمكان من باب فعَل ـ بالفتح ـ المتعدى بالحرف. فقياس اسم فاعله ـ اتفاقا ـ أن يكون على فاعل، فيقال : زيد رابع بالمكان، وهند رابعة. ولا إشكال فى هذا إطلاقا.
2ــ اطراد جمع فاعلة (رابعة ـ مثلا ـ) على فواعل، كما تقدم، فيقال : الهندات روابعُ بالدار، كما يقال : قواطنُ، وفى عكسه : ظواعنُ. ولا إشكال فى هذا إطلاقا كذلك. لكن قوما استشكلوه ! والله المستعان.
3ــ بيان أن فاعلا "صالح للكل إن قصِد الحدوث"، فيقال : أنا فارحٌ الآن، وكارمٌ غدا...فإذا لم يكن اسم الفاعل آتيا على وزن فاعل من أىّ بناء من أبنية الفعل الثلاثىّ، فإنه يكون مقيسا إن قصِد تجدد الصفة وحدوثُها. ومعنى هذا أن رابعا إن لم يكن مقيسا فى ربَع ـ وهو فرض لمحال، وإنما ذكرناه من باب التنزل ـ فإنه يجوز استعمالُه إن قصِد حدوث تلك الصفة، وقيامها بالموصوف فى الحال، إجماعا. ومعلوم أن الأنثى منه رابعة، وأن جمعها روابع، وأن معنى الحدوث قد يكون مقصودا عند الشاعر. فما وجه الإنكار إذن؟
4ــ شرح طريقة القاموس فى جلب مواد اللغة، وبيان تركه ما يُستغنَى عن ذكره، استنادا للمقاييس والموازين والقواعد المقررة فى علمى التصريف والنحو.
5 ـ أن إهمال صاحب القاموس لكلمة لا يعنى أنها غير موجودة فى كلام العرب، أو أن استعمالها لحن أو خطأ.
6ــ تَعداد كثير من الكلمات الآتية على وزن فواعل ـ جمعا لفاعلة ـ ، مما استعمله الشعراء والبلغاء، وليس مذكورا بالنص فى القاموس، ولم يستشكله أحد قط، لكونه معروفا بقاعدته واطراده.
***
ولن نورد هنا كل ما كتبه الشيخ فى الرسالتين المذكورتين أو المجاميع الخاصة بهذه المسألة، ولكن سنثْبِت من كلٍّ مقاطع يسيرة، تنبئ عن المقصود :
يقول فى فتياه اللغوية لمن سأله عن وجه استعماله لكلمة الروابع :
"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد، فإن لفظة الروابع التى سألتم عنها وذكرتم أن صاحب القاموس لم يذكرها فى كتابه، ظنا منكم أنه لا يترك شيئا من تصاريف الأفعال إلا ذكر مفرداتِه وجموعَه ومذكرَه ومؤنثَه ــ وليس كما ظننتم ــ وسأبين ذلك إن شاء الله تعلى لكم ـ هــــــــــــى :
أى اللفظة المذكورة جمع فاعلة، من ربع بالمكان إذ اطمأن وأقام، فاسم الفاعل من ربع على وزن فاعل، وأنثاه رابعة بزيادة التاء الفارقة بين المذكر ومؤنثه. وفاعلٌ إذا كان وصفا لمؤنث فقياسه أن يُجمع على فواعلَ سواء لحقته التاء، كضاربة أو لم تلحقه، وسواء كان ذلك لأجل اختصاصه بالمؤنث كحائض ونحوه، أو لأنه مما اشترك فيه المذكر والمؤنث نحو عاقر.
أما كون اسم الفاعل من ربع يأتى على رابع بوزن فاعل، فلأنه فعل متصرف ثلاثىّ على وزن فعَل بفتح العين، كمنع، كما فى القاموس وغيره، وفعَل إذا كان مفتوحا فقياس اسم فاعله المطرد فيه فاعل بلا خلاف، سواء كان لازما أو متعديا، كما نص على ذلك أئمة النحو والعربية. قال فى الخلاصة :
كفاعلٍ صًغِ اسم فاعل إذا / من ذى ثلاثة يكونُ كغَذَا
وهْو قليل فى فعُلت وفعِلْ // غير معدًّى ... ".
((قال)) المرادىّ : "شمل قوله (من ذى ثلاثة) فعَلَ المتعدىَ، نحو ضرب فهو ضارب، واللازمَ نحو ذهب فهو ذاهب، وفعِل المتعدىَ نحو علِم فهو عالم، واللازمَ نحو : سلم فهو سالم، وفعُل نحو فرُه فهو فاره، وليست نسبته إليها على السواء، ولذلك قال : "وهو قليلٌ ... إلخ .
يعنى أن فاعلا قليل فى فعُل المضمومِ، وفعِل المكسورِ العين غير المتعدِّى، ففُهم منه أنه كثيرٌ، مَقيسٌ فى فعَل مطلقا وفى فعِل المتعدى". اهـ.
وقال فى اللامية :
كوزن فاعلٍ اِسمُ فاعلٍ جُعلا من الثلاثى الذى ما وزنه فعُلا.
قال شارحها الحضرمىّ :
"أى يصاغ اسم الفاعل من الفعل الثلاثىّ الذى ليس وزنه على فعُل بالضم، بل على فعَل بالفتح، أو فعِل بالكسر، كفاعل : أى على فاعل، نحو ذهب فهو ذاهب، وضربه فهو ضارب، ونحو شربه فهو شارب، وعلمه فهو عالم؛ قال : وشملت عبارته فعِل بالكسر اللازمَ، لكن خرج بقوله بعدُ : 
وصِيغ مِن لازم مُوازِنٍ فعِلا بوزْنِه كشَجٍ أو مشبهٍ عجِلا".
وقال ابن هشام : يأتى وصف الفاعل من الفعل الثلاثىّ المجرد على وزن فاعل، بكثرة فى فعَل بالفتح متعديا، كضربه وقتله، ولازما كذهب وغَذَا، وفى فعِل بالكسر متعديا كأمِنه وشرِبه وركِبه". اهـ المراد منه.
وفى خاتمة المصباح ما لفظه : وأطلق ابن الحاجب القول بمجيئه ــ يعنى اسم الفاعل من الثلاثىّ المجرد على فاعل ــ وتبعه ابن مالك فقال :
"ويأتى اسم الفاعل من الثلاثىّ مُوازِنَ فاعلٍ، وقال أبو علىّ الفارسىُّ نحوَ ذلك، قال : ويأتى اسم الفاعل من الثلاثىّ مجيئا واحدا مستمرا، إلا من فعُل بضم العين وكسرها، وجاء من المكسور على فاعل، بشرط أن يكون قد ذُهِب به مذهبَ الزمان.
قال الزمخشرىّ : وتدل الصفة على معنى ثابت، فإن قصَدت الحدوث قلت : حاسنٌ الآن، أوغدا، وكارمٌ، وطائلٌ، فى كريم وطويل، ومنه : قوله تعلى : (وضائقٌ به صدرُك).
وقال السخاوىّ : عدَلوا بهذه الصفات عن الجريان على الفعل، لأنهم أرادوا أن يصفوا بالمعنى الثابت، فإذا أرادوا أن يصفوا بمعنى الفعل أتوا بالصفة جارية عليه.
فقالوا : طائل غدا، كما تقول : يطول غدا، وحاسنٌ الآن، كما يقال : يحسنُ الآن، وكذالك : ميّت، لأنه أريد به الصفة الثابتة، أى أنك من الموتى، وإن كنت من الأحياء، كما يقال : إنك سيد، فإذا أريد أنك ستموت، أو ستسود، وسيكون منك كرم، قيل : مائت، وسائد، وكارم، وفلان جواد، فيما استقر له وثبت، وجائدٌ غدا، ومريض، فيما أثبِت له، ومارض غدا ،وكذلك غضبان وغاضب، وقبيح وقابح، وطمِعٌ وطامع.
وأطلق كثير من المتقدمين القول بمجيئه من المضموم على فاعل وغيره بحسب السماع. إلى أن قال : ووقع فى الشرح : راخص، أما على القول باطراد فاعل من كل ثلاثىّ، فهو ظاهر، وأما على القول الثانى فحقه أن يقول : رخيص اهـ المراد منه.
فعُلم من هذا كله أن فاعلا مقيس مطرد فى فعَل المفتوح العين، متعديا كان أو لازما اتفاقا،
وفى مكسورها المعدى كذلك، وفى مضمومها ومكسورها غير المعدَّى على قلة، مرجوح، وهذا كله إنما هو إذا قصِد بالصفة الاِستقرار والثبوت، أما إذا قصد به الحدوث، فإنّ فاعلا حينئذ يكون مطردا فى جميع أنواع الثلاثىّ مطلقا، كما تقدمت أمثلة ذلك ـ آنفا ـ وإليه أشار فى اللامية بقوله :
(وفاعلٌ صالح للكل إن قصِد الْ // حدوث نحو غدا ذا جاذلٌ جذَلا )
((يقول شارحها)) الحضرمىُّ :
"ويصلح صوغ اسم الفاعل من كل فعل ثلاثىّ مطلقا على وزن فاعل إن قصد به الدلالة على الحدوث، كقولك : هذا غدا جاذل جذلا، فارح فرحا. قال : ومثله قول الشاعر :
وما أنا من رزء وإن جل جازع / ولا بسرور بعد موتك فارح
وكذا يجوز أن يقال : زيد جابنٌ اليوم أى : جبان، من فعُل المضمومِ، بل كون اسم الفاعل من الثلاثىّ مطلقا على فاعل هو الأصل، ويسمى غيرُه صفة مشبَّهة بهِ". اهـ.
وأما كون فاعل إذا كان لمؤنث فقياسه أن يجمع على فواعلَ باطراد، سواء لحقته التاء أم لا، وسواء كان وصفا أو اسما علما، أو غير علم، فقد نص عليه كل من تكلم على أوزان جمع التكسير المطردة، من أئمة النحو والتصريف واللغة.
قال فى التسهيل : "ومنها فواعلُ لغير فاعلٍ الموصوف به مذكر عاقل لما ثانيه ألف زائدة".
قال شارحه البدر الدمامينىّ : "أى من أبنية جمع الكثرة : فواعل بفاء مفتوحة، وواو، فألف، فعين مكسورة، فلام، فدخل بقوله : (لغير فاعل الموصوف به مذكر عاقل) ما كان من فاعل اسما كحاجب العين، وحائط، وحاجز، وفاعَل ـ بفتح العين ـ كطابَع، و فاعِلاء كقاصعاء.
ودخل أيضا نحوُ : طالق، ونحو ضاربة، ونحو نجم طالع.
ونص سيبويه على اطراده، وأخطأ من نص على شذوذ نجوم طوالع، وخرج بالزائدة نحو ألف آدم، فلا يجمع على فواعل، إذ هى بدل من الهمزة الساكنة التى هى فاء الكلمة" اهـ المراد منه.
وقال فى الكافية :
وقسه فى كعاتق وفاعله / واجعل لها فوعلة مماثله
قال فى الشرح : "وفواعلُ أيضا مطرد فى جمع فاعلة مطلقا، كضوارب، وفواطم، ونواصٍ، فى جمع ضاربة وفاطمة وناصية". اهـ .
وقال ابن هشام : "السابع عشر : يعنى من أوزان جموع التكسير فواعلُ، ويطرد فى ألفاظ سبعة :
فى فاعلة اسما كانت أو صفة، كناصية كاذبة خاطئة، فناصية اسم، وكاذبة وخاطئة صفتان، فيقال فى جمعها نواصٍ وكواذبُ وخواطئُ؛ ثم ذكر بقية السبعة .
وإلى هذا أشار فى الخلاصة بقوله :
فواعل لفوعَل وفاعل / إلى قوله :
...وفاعله)
المرادىّ : "وسابعها : فاعلة مطلقا، نحو ضاربة وضوارب، وفاطمة وفواطم، وناصية ونواص".
فبان من هذا أن فواعلَ مقيسٌ مطَّرِد فى جمع فاعل، إذا كان لمؤنث اسما علَما كان، أو غير علم، أو صفة، سواء لحقته التاء الفارقة، أو لم تلحقه، وسواء كان ذلك الموصوف عاقلا أو غير عاقل. ثم إن جميع ما ذكره الناظم فى خلاصته من أوزان الجموع مقيسٌ كله باطِّراد، كما نص على ذلك شارحُها المرادىّ، إلا ما نبه فى النظم على شذوذه، أو عدم اطراده...
واعلم أن كثير السماع مقدم على القياس عند غير الكسائىّ، وأجاز الكسائىّ القياس مع السماع أيضا على ما قُرر فى الدواوين الصرفية، وأما عند عدم السماع، فلا خلاف فى جواز القياس، ولولا ذلك لما كان لعلم التصريف وما اشتمل عليه من الأبنية والمقاييس والموازين فائدةٌ..."إلخ. اهـ محل الاستشهاد من الرسالة.
***
مقطع من الرسالة الثانية :
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم
"...هذا وإنى كنت قد أنشأت أبياتا على البديهة في ساعة من نهار، عند مرورى بمرابعِ دِيَار ما بها دَيَّار، وما ذاك إلا من باب تسمية الشىء باسم محله، وإنزال بدل الاشتمال منزلة بدل البعض من كله، لأن المرابع أماكن ربوع الحبائب الروابع، كما أن الطوالع أماكن طلوع الشموس الطوالع، فلذلك جنّست بين المفاعل والفواعل تجنيس الاشتقاق، الذى هو من محسِّنات الكلام باتفاق،
وقدمت إحدى الكلمتين فى الذكر، لأردّ فى الثانية عجُز البيت على الصدر، وجعلت الأولى للأخرى بمرصاد، قصدا لحصول التسهيم والإرصاد، مع أن الأبيات المذكورة لا تُعَدّ عندى إلا مِن سَقَط المتاع، ومما ينبغي أن يُباع ولا يُبتاع، وأن يُكتمَ، فلا يذاع، إلا أنه كان من قضاء من لا معقِّب لحكمه، أنى أنشدتها بعض من أثِق بنصحه وفهمه، فأُعجِب بها بعضَ الإعجاب، وحدث بها الخواصَّ من الأصحاب، ظنا منه أنها من جيد الأشعار، الصالح لمناشدة السُّمَّار، ولو طواها على الغَرّ، وصان شَغاها عن الفَرّ، لكان ذلك أقرب إلى البرّ،
ولو اتخذَها ظِهْرِيّا، لكانت نِسْيا منسيّا، ولو ترك ذكرها مهجورا، لم تك شيئا مذكورا، فلما سارت بها الركبان، وعزَفت بها القيان، ووردت بها التجار المياه، وجرت على الأفئدة جريانَها على الألسنة والشفاه، وعُرِضت على سُوق الاعتراض، ورُمِيت بسهام الصد والإعراض، جعل كل من بلغته من الإخوان، المنتسبين إلى معرفة علم اللسان، يسأل عن معنى أحد الأبيات، ويحوم حول إحدى الكلمات، وكأنه لم يَعْنِ إلا إيّاها، ولم يَستنشق إلا رَيّاها، وكلما أوضحتها له بعض الإيضاح، يذكر أنها ليست فى القاموس ولا فى المصباح، ففهمت حينئذ القصد، وعلمت أنه يبطن النقد، ولو كان يُظهر الضد؛
إذا رأيت نيوب الليث بارزةً/ فلا تظنن أن الليث يبتسم
فما أدرى أين عزَبت عن هذه الكلمة أفكارهم، أم كيف عمِيت عنها بصائرُهم وأبصارهم؟
وكم من عائب قولا صحيحا/ وآفته من الفهم السقيم
مع أنها عند كل ذى نظر أصيل أوضح من أن يستدل عليها بدليل.
وتفسير الواضح ــ كما قيل ــ فاضح.
وكيف يصح فى الأفهام شىءٌ/ إذا احتاج النهار إلى دليل؟ (المتنبى).
وهبنى قلت : هذا الصبح ليل/ أيعمى العالَمون عن الضياء؟ (المتنبى).
وما أرى هذا السائل يقنع في بيان هذه الكلمة إلا بمثل ما طلبه بكّار الشَّين من بعض الطلبة حين أفتاه ببتات زوجته، وانقطاع عصمته، أنه لا يعبأ بقوله ولا يلتفت إليه إلا أن يُريَه فى كتاب أن بنت فال زوجةَ بكار الشين حرامٌ عليه !!!
وذلك أن مراد صاحب هذا السؤال، على ما يظهر من قرائن الأحوال، أن يجدَ فى القاموس وغيره من كتب اللغة من كل مادة صيغةَ الماضى من الأفعال والمضارع والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر، والتثنية، وجمع السلامة والتكسير، واسم المكان، والآلة، وأوزان المبالغة، وأفعل التفضيل، والصفة المشبهة، وصيـغ التعجب، والمفاعلة وتصاريفها، والمفاخرة، وفعَل الذى لبَذّ المفاخرة، والمَرّة، والهيئة، والتصغير، والتأنيث، والنسب، والوقف... إلى غير ذلك من جميع ما هو مشتق من المصدر، ولا يَكِل ذكر شىء من ذلك كله إلى القياس، ولا يعتمد فى ضبط شىء منه على القواعد التصريفية، وتبقى كتب النحو والتصريف لا فائدة لها. فهذا الذي يقنع به هذا السائل...". إلخ.
جمع الشيخ سَيِّدى محمد حَرْفا ـ وهو طرَف الجبل ـ تشبيها للناقة الضامرة الصُّلبة به ـ على حِرَف، بكسر الحاء، وفتح الراء؛ وذلك فى قوله :
(يا مُعْمِلين قِلاصا حاكت الحِرَفا / سارت وصارت لها أنواعُه حِرَفا)
فأنشِدت القطعة التى أولها هذا البيت، بحضرة الشاعر الخنذيد محمَّدّه بنِ محَمْدِى العلوىّ، فاستغرب هذا الجمع، ولم ينكره، لكن نقل بعض الوشاة إلى الشاعر أنه نسبه فيه إلى اللحن. فكتب أبياتا يدافع فيها عن هذا الجمع، محيلا على القاموس.
فردّ عليه ابن محمْدِى، وأدى ذلك إلى مساجلات، فى قصة معروفة، حسمها الشيخ سيدى بكلمته الشهيرة، وختمها ابن محمدى باعتذاريته الفريدة.
وبما أنه ليس من شأننا، فى هذه الحلقات، ذكرُ الأقاصيص الشعبية، ولا روايةُ الأشعار والمساجلات، فإننا لن نقف عند تلك الحادثة بأكثرَ من هذه الإشارة؛ إذ كان همنا الأصلىّ، ودافعنا الأول، فى الذى نكتبه هنا، هو التحقيق العلمىّ الجادّ، والتحلى بالتجرد والإنصاف، بحثا عن الصواب فى الأحرف الخمسة التى نسب فيها الشاعر إلى اللحن، أو الإتيان بما ليس فى القاموس، على أقلّ تقدير !!!
فنقول : هل يجمع حَرْفُ الجبل على حِرَف؟
والجواب أنه قد نقل هذا الجمعَ الفرّاءُ، ونص عليه فى العباب، والقاموس المحيط، وتاج العروس، ولكن لا نظير له فى اللغة، إلا طِلَلٌ فى جمع طَلّ.
فمن هنا كان نادرا مستغرَبا.
قال فى القاموس المحيط : "الحَرْفُ من كلِّ شىءٍ : طَرَفُهُ، وشَفيرُهُ وحَدُّهُ،
ومن الجَبَلِ : أَعْلاهُ المُحَدَّدُ، ج : كعِنَبٍ، ولا نظيرَ له سِوَى طَلٍّ وطِلَلٍ". (حرف).
وقال الإمام الشيخ محمد مرتضى الزَّبِيدىّ، فى تاج العروس، عند هذا الموضع : "قَالَ الفَرَّاءُ : ج حَرْفِ الجَبَلِ : حِرَفٌ، كعِنَبٍ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ سِوَى طَلٍّ وطِلَلٍ، قَالَ : وَلم يُسْمَعٍ غَيْرُهما، كَمَا فِى العُبَابِ، قَالَ شيخُنا : أَى : وإِن كَانَ الحَرْفُ غيرَ مُضَاعَفٍ". اهـ (حرف).
وإلى هذا الإشارةُ بقول الشيخ سَيِّدى محمد ــ مدافعا :
"حرْفُ الكُدَى لا سِواه جمعُه حِرفٌ / وِزانُه عِنبٌ، والجمع قد عُرفا
ثانيه طَلٌّ، ولم يُجمع على فِعَل / فَعْلٌ سِوى ذَين قد كانا به اتصفـــا".
فكلام الشاعر ـــ تبعا للّغويين ـــ صريحٌ فى أن هذا الجمع خاص بالحرْف الذى هو أعلى الجبل، أو طرَفُه، أو ما نتأ فى جنبه كهيئة الدكان الصغير أو نحوه، حسب عبارات علماء اللغة فى تفسير المراد بحرف الجبل الذى تُشبّه به الناقة الضامرة الصلبة، فى أشعار العرب، غالبا.
وقد اشتهر هذا التشبيه، وكثر على ألسنة الشعراء، حتى صار إطلاق الحرْف على طرَف الجبل مما لا يكاد يعرفه إلا اللغويون.
قال الجوهرىّ فى صحاحه :
"حرف كل شئ : طرَفه، وشَفيرُهُ، وحَدُّهُ. ومنه : حَرْفُ الجبل، وهو أعلاه المُحَدَّدُ...والحَرْفُ : الناقةُ الضامرة الصلبة، شبهت بحرف الجبل. قال الشاعر :
جُماليّة حَرف سِناد يشُلّها/ وظيفٌ أزجُّ الخَطْو ظمآنُ سَهْوَقُ". اهـ
وهذا التشبيه هو الذى قصده صاحبنا بقوله :
(يا معمِلين قلاصا حاكت الحِرَفا) .
وفى العباب : "...تشبيها لها بحرف السيف، أى حده. زاد الزمخشرىّ : فى هُزالها، ومضائها فى السير". انظر التاج : (حرف).
وفى المخصص أيضا : "ابْن جنّى : ناقةٌ حَرْفٌ : نَجِيبَةٌ، ماضِيَةٌ، شُبِّهَت بِحَرْفِ السَّيْف فِى مضائه، وَقد تقدَّم أَنَّهَا المهزولة". اهـ من (نعوت الإبل فى سيرها ورياضتها وذلتها).
قوله : وقد تقدم أنها المهزولة : أى على رأى، وكأنّ أصله ما حكاه الأصمعىّ، كما يؤخذ من كلام صاحب التاج : (حرف). والله أعلم.
ويؤيده ما فى كتاب الإبل للأصمعىّ :
"ويقال : ناقة حرف : إذا كانت قد يبِست وهُزلت". اهـ (ص:103، تح : حاتم الضامن).
وفى اللسان أيضا : هى النجيبة الماضية التى أنضتها الأسفار، شبِّهت بحرف السيف فى مضائها، ونجائها، ودِقتها. اهـ (حرف).
وما قاله الجوهرىّ دقيق جدا، فقد جمع للناقة ــ إذا وُصِفت بأنها حرف ــ بين وصفى الصلابة والضُّمْر، وهما وصفان قد يجتمعان، إذ كانا غير متناقضين، فى حين ذهب بعض اللغويين إما إلى هذا، وإما إلى ذاك، حتى حكى بعضهم أن الحرف من الأضداد.
انظر ما حكاه ابن سيده فى المخصص، حيث قال :
"أَبُو عبيد : الُحْرجُوج والَحرَج : الناقةُ الضامِرُ، وَقد تقدَّم أَنَّهَا الطويلةُ على وَجْه الأَرْض، والحَرْف مثلهَا، شُبِّهَت بحرفْ الجبَل.
ابْن السّكيت : أحْرفْتُ ناقَتِى : هَزَلتها، وَمِنْه قيل للناقة المَهْزُولة : حَرْف؛ وَمِنْه : حَرفت الشىءَ عَن وَجهه.
صَاحب الْعين : هِىَ النَّجِيبة الَّتِى قد أنْضاها السَّفَرُ، وَقيل : هِىَ الصُّلْبة. وَأنْشد :
(جُمَالِيَّة حَرْفٌ سِنَادٌ يَشُلُّها/ وَظِيفٌ أزَجُّ الخَطْوِ رَيَّانُ سَهْوَقُ)
قَالَ : فَلَو كَانَ الحَرْف مهزُولاً لم يَصِفْها بِأَنَّهَا جُمَالِيَّة سِنَاد، وَلَا أَن وَظِيفها ريَّانُ". اهـ من (باب نعوت الإبل فى قلة لحومها).
وفى اللسان لابن منظور، بعد أن نقل هذا الكلام بلفظه : "وَهَذَا الْبَيْتُ يَنْقُضُ تَفْسِيرَ مَنْ قَالَ : نَاقَةٌ حَرْفٌ : أَى مَهْزُولَةٌ، شُبِّهَتْ بِحَرْفِ كِتَابَةٍ، لِدِقَّتِهَا وهُزالها؛ وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنه قَالَ : الحرْف النَّاقَةُ الضَّامِرَةُ، وَقَالَ الأَصمعىّ : الحرْفُ النَّاقَةُ الْمَهْزُولَةُ؛
قَالَ الأَزهرىّ : قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ فِى تَفْسِيرِ قَوْل كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ :
حَرْفٌ أَخُوها أَبوها مِن مُهَجَّنةٍ، ... وعَمُّها خالُها قَوْداء شِمْلِيلُ
قَالَ : يَصِفُ النَّاقَةَ بالحَرْفِ، لأَنها ضامِرٌ، وتُشَبَّهُ بالحَرْف مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَهُوَ الأَلف، لدِقَّتِها؛
وَتُشَبَّهُ بحَرْف الْجَبَلِ إِذَا وُصِفَتْ بالعِظَمِ. وأَحْرَفْتُ نَاقَتِى إِذَا هَزَلْتَها؛
قَالَ ابْنُ الأَعرابىّ : وَلَا يُقَالُ جملٌ حَرْف، إِنَّمَا تُخَصّ بِهِ الناقةُ".اهـ
قلت : لكن رُوى : (...أزجّ الخطو ظمآن سهْوقُ). فعلى هذه الرواية يقوَى قصد الضُّمْر، وهو لا ينافى الصلابة، كما تقدم.
ويبدو من هذا النص أن الحرف له إطلاقان فى هذا المقام : فإذا أريد وصف الناقة بالضمر والهزال، فوصفت بأنها حرف ــ انصرف المعنى إلى تشبيهها بحرف الهجاء فى الدقة، وخصوصا الألف، وإذا أريد وصفها بالعظم والشدة، فقيل إنها حرف، كان المراد حينئذ : طرفَ الجبل أو جانبه. والسياق هو الذى يحدد المراد.
ومما يكشف لك سرّ هذه المسألة أن كراع النمل علىّ بن حسن الهنائىّ ـــ وهو من قدماء اللغويين ـــ إذ كانت وفاته سنة 310ه ــــ جعل الحرف من الأضداد فى لغة العرب، فقد قال فى المنتخب من غريب كلام العرب :
"والحَرْفُ من النُّوقِ : العظيمةُ، كأنها حَرْفُ الجبل، ويقال الصَّغِيرَةُ، ويقال الضَّامِرَةُ؛ ضدّ".اهـ (1/587).
وهذا صريح فى وجود هذين الإطلاقين فى كلامهم.
لكن، لعلّ الأقرب هو ما ذهب إليه الجوهرىّ من إطلاق الحرف عليها عند اجتماع الوصفين فيها. والله أعلم.
وقد اقتصرت فى حديثى المرئىّ الذى بثته قناة "شنقيطى" عن الشاعر ـــ على أن الحرف يراد به : الناقة القوية، وأيضا : حدُّ الشىء وطرَفه. وهذا صحيح، لكن لم أبين أصل التشبيه، لأن المقام ليس مقام إفاضة فى شرح أصول المفردات، ولأنى أفترض أن من لهم دراية بالديوان، أو بهذه القصة بالذات، يعرفون موضع النزاع، ويذكرون معى قول الشيخ سَيِّدى محمد :
(حرف الكُدَى، لا سواه جمعه حِرفٌ/ وزانه عنبٌ، والجمع قد عُرفا...).
***
ذلك، وقد أكثر الشعراء من وصف الناقة بأنها حرف ــ على أوجه التشبيه التى ذكر اللغويون أعلاه.
فمن ذلك قول الحارث بن حِلِّزة اليشكرىّ :
أَنْمِى إِلى حَرْفٍ مُذَكَّرَةٍ/ تَهِصُ الْحَصَى بِمَوَاقِعٍ خُنْسِ،
وقولُ طرفة بن العبد :
جُماليّةٌ وجناءُ، حَرْفٌ، تَخالُها/ بأنساعِها والرّحلِ صرحاً مُمَرَّدَا
وقولُ لبيد رضى الله عنه :
عُذَافِرةٌ حَرفٌ كأن قتُودَها/ تَضَمنَّهُ جَوْنُ السَّراة عَذُومُ
وقوله أيضا :
لولا تُسَلِّيكَ اللبَانَةَ حُرَّةٌ/ حَرَجٌ كأحناءِ الغَبيطِ عَقيـــــــــــــــــــــــمُ
حَرْفٌ أضرَّ بها السِّفَارُ كأنَّها/ بعد الكَلالِ مُسَدَّمٌ مَحْجُــــــــــــــــــومُ.
وقول كعب بن زهير رضى الله عنه :
حرف أبوها أخوها من مهجنة/ وعمها خالها قوداء شمليل
وفى بعض الروايات : "أخوها أبوها"،
وقول عبد الله بن سلمة الغامدىّ، وهو من شعراء المفضليات :
فَتَعَدَّ عَنها إِذ نَأَتْ بِشِمِلَّةٍ/ حَرْفٍ كَعُود القَوْسِ غَيْرِ ضَرُوسِ
إلخ...
وهذه المثُل قَطرة من بحر لا يُدرَك غَورُه.
ونختم هذه الإلماعة برَدّ العجُز على الصدر، فننقل عن صاحب التاج قولَه فى مادة (طلّ) :
"الطَّلُّ : الْمَطَرُ الضَّعِيفُ، أَو أَخَفُّ الْمَطَرِ، كَما فِى المُحْكَمِ، أَو أَضْعَفُهُ، كَمَا فِى الصَّحاحِ، قَالَ الرَّاغِبُ : وَهُوَ مالَهُ أَثَرٌ قَليلٌ، ومنهُ قولُهُ تَعلى : (فإن لَم يُصِبْهَا وابِلٌ فَطَلٌّ)، أَو هُوَ النَّدَى الَّذِى يَنْزِلُ من السَّماءِ فِى الصَّحْوِ، أَو هُوَ فَوْقَهُ ودُونَ الْمَطَرِ،ج :طِلاَلٌ، بالكسرِ، أَنْشَدَ ابنُ جِنِّى فِى المُحْتَسَبِ، للقُحَيْفِ العُقَيْلِىِّ :
دِيارُ الحَىّ يَضْرِبُها الطِّلالُ ... بِها أَهْلٌ مِنَ الخافِى ومالُ
وطِللٌ، كَعِنَبٍ، هَذِه عَن الفَرَّاءِ، ومثلُهُ حَرْفُ الجَبَلِ وحِرَفٌ، قالَ : وَلم يُسْمَعُ غَيْرُهما". اهـ
قلت : والخافى : الجنّ، لخفائهم، واستتارهم، كما ذكره أبو الفتح فى كتاب "التمام فى تفسير أشعار هذيل" مما أغفله أبو سعيد السُّكَّرىّ". (ص : 118).
ولعل الشيخ باستعماله لهذا الجمع النادر كان يرمى إلى الجمع بين عنصرى الإفادة والإغراب. وبالله التوفيق.

ـ الحلقة الرابعة :
ــ ومن المآخذ التى أخذت عليه أيضا : الجَلوُ، حيث جعله مصدرَ جلا الشىءَ يجلوه : إذا كشفه وأوضحه، وذلك فى قوله :
"لو خضت لجة قاموس وجدت به/ دُرّا جلاَ جلوَ مصباح الدجى السُّدَفا".
فقد أنكره عليه ابن محمدى أيضا.
والجواب أنه مصدر صحيح سماعا وقياسا. يقال : جلا الصبحُ ظلمةَ الليل يجلوها جَلْوا : إذا كشفها، وجلوْتُ السيف أجلوه جَلوا وجِلاء : إذا صقلته.
ــ قال إبراهيم الحربىّ، فى غريب الحديث : "أَخْبَرَنِى أَبُو نَصْرٍ, عَنِ الْأَصْمَعِىِّ، يُقَالُ : جَلَوْتُ بَصَرِى بِالْكُحْلِ جَلْوًا". اهـ (1/118).
ــ وفى تهذيب اللغة للأزهرىّ :
"وَقَالَ أَبُو زيد : يُقال :
جَلَوْتُ بَصَرِى بالْكُحْلِ جَلْواً... وجَلَوتُ عَنِّى هَمِّى جَلواً، إِذا أَذهَبته". اهـ (باب الجيم واللام:11/127).
ــ وفى جمهرة اللغة لابن دريد :
"جلوت السَّيْف وَغَيره أجلوه جَلْوا وجِلاء إِذا أزلت عَنه الصدأ...
وجلوت الْهم جلوا : أذهبته. قَالَ الراجز :
(يَا هِنْد قد نجْلو الهموم جَلْوَا/ (ونمنع الْعينَ الرُّقادَ الحُلوا )
وجلوت بَصرِى بالكحل جَلْوا". اهـ (ج ل و).
ــ وفى كتاب الأفعال لابن القطاع : ""جلا" العين بالكُحل جَلْوًا". (1/189).
قلت : ومعناه : نوّرها، وصقَلها بالإثمد، ليذهب عنها ما قد يعلوها من رمد أو غشاوة.
ــ وفى المخصص لابن سيده : "أَبُو زيد، الجَلاَ : الكُحْل، لأنَّه يَجْلُو العيْنَ، وَقد جَلَوْت بِهِ عَيْنِى جَلْواً وجِلاء". اهـ (باب الكحْل والمِيل).
ــ وفى المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده أيضا :
"وجَلاَ الأمرَ، وجَلاَّه، وجَلَّى عَنهُ : كشفه وأظهره. وَقد انجلى، وتجلَّى.
وَأمر جَلِىّ : وَاضح.
وجَلا السَّيْف والمِرآة وَنَحْوَهمَا، جَلْوا، وجِلاء : صقلهما.
وجلا عينَه بالكُحْل جَلْواً وجِلاَء.
والجَلا : الكُحل، لِأَنَّهُ يجلو الْعين، قَالَ المتنخل الْهُذلِيّ :
وأَكْحَلْك بالصاب أَو بالجلا ... ففَتِّحْ لكُحْلك أَو غمِّضِ".
(7/548).
ــ وفى اللسان : "وجَلَوْتُ عنى هَمِّى جَلْواً إِذا أَذهبته". اهـ (جلو).
ــ وفى التاج ممزوجا بمتن القاموس : "(و) جَلا الصَّيقلُ (السَّيفَ والمِرْآةَ) ونحوَهُما (جَلْواً) بالفتْح، (وجِلاءً) بالكسْرِ : (صَقَلَهُما).
(و) مِن المجازِ : جَلا (الهَمَّ عَنهُ) جَلْواً : (أَذْهَبَهُ).اهـ (جلو).
فهذا كلام أشهر معاجم اللغة العربية وأصحها، وأيضا تقدم قول الراجز :
(يا هند قد نجلو الهموم جَلْوا...) ـــ أنشده ابن دريد فى جمهرته. وبالله التوفيق.
***
تنبيهان :
الأول : ليس مما نحن فيه ــ بداهة ـــ : الجَلوُ ـ بمعنى التفرق عن البلد. يقال : جلا القوم من المكان جَلْوا وجَلاء بالفتح : إذا تفرقوا.
قال فى التاج، ممزوجا بنص القاموس : "و(جَلاَ القَوْمُ عَن المَوْضِعِ)، وَفِى الصّحاحِ : عَن أَوطانِهم؛ زادَ ابنُ سِيدَه : (وَمِنْه) (جَلْواً وجَلاءً، وأَجْلَوْا) : أَى تَفَرَّقُوا)". اهـ (جلو).
قلت : ومن الجَلاء قولُه تعلى : (ولولا أن كتب الله عليهم الجَلاء لعذبهم فى الدنيا...) الآية.
الثانى : يكثر اللحن، فى هذا العصر، بفتح الجيم، من قوله صلى الله عليه وسلم، فى الدعاء، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه : " ...أن تجعل القرآن ربيع قلبى، وجلاء حزنى، وذهاب همّى..."، إذ الصواب بكسرها، كما تقدم فى صدر هذه المقالة. والحديث أخرجه أحمد وابن ابى شيبة والبزار وأبو يعلى...، وصححه الحاكم وابن حبان.
***
ثم إن هذا المصدر مقيس ــ كما سيأتى ــ وإن لم يذكروه. فكيف، وقد نطق به بعض رُجّاز العرب، ونصت عليه المعاجم، كما رأيت.
وبيان كونه مقيسا أن فَعْلا بفتح الفاء وسكون العين هو قياس مصدر المتعدى من الثلاثىّ : فعَل بالفتح، وفعِل ـ بالكسر، كما هو معلوم.
قال أبو عثمان المازنىّ فى تصريفه :
"وقال الخليل فى مصدر بنات الثلاثة التى تُعَدَّى : إن أصلها : "فَعْل" نحو "ضرب ضربا، وقتل قتلا", وجعل ما خالفه ليس بأصل لاختلافه".اهـ
وشرَحه أبو الفتح ابن جنىّ فى المنصِف بقوله :
"إنما كان الأصل فى مصادر بنات الثلاثة المتعدية عند الخليل "فَعْلا"ــ بعد كثرته فى السماع ــ لأن كل فِعل ثلاثىّ، فالمرةُ الواحدة منه "فَعْلَة"، نحو "ضربته ضَرْبة، وقتلته قَتْلة، وشتمته شَتْمة".
فكأن قولك فى المصدر "شَتْم، وقتل، وضرب" إنما هو جمع فَعْلَة, نحو : "تَمْرَة وتَمْر، ونخلة ونخل؛ لأن المصدر يدل على الجنس، كما أن التمر والنخل يدلان على الجنس, "فضربة" نظيرة "تمرة"، و"ضرب" نظير "تمر".
وقوله : وجعل ما خالفه ليس بأصل، يعنى : بقية مصادر بنات الثلاثة، نحو "الركوب, والظلم والإتيان"، فهذه ونحوها مصادر المتعدية, ولا تطّرد اطراد القتل والضرب؛ لأن فَعلا لا يمتنع من جميعها، فهو الأصل, وعليه مدار الباب.
قال أبو علىّ : وهذا التشبيه من أبى عثمان "عَجَب من العَجَب", وهو كما ذكَر". اهـ (178 ـ 179).
ومن هذا النص نسجل خمس كلمات فى منتهى الأهمية، وهى قوله :
أـ "مع كثرته فى السماع".
ب ــ "بقية مصادر بنات الثلاثة... لا تطرد اطراد القتل والضرب"؛
ج ـ "لأن فَعلا لا يمتنع من جميعها"؛
د ـ "فهو الأصل"؛
ه ـ "وعليه مدار الباب".
وهذا الفهم العميق لمحورية فَعْلٍ مصدرا للثلاثىّ المتعدى هو الذى جعل الفراء يجيز هنا القياس، وإن لم يَرِد سماع، كما سيأتى قريبا. فلو فُرض أن "جلوا" لم يسمع عن العرب مصدرا لجلا، فظاهر مذهب الفراء جواز استعماله. كيف وقد نطقت به العرب، كما نقلناه من قول الراجز، حسب ما فى جمهرة اللغة لابن دريد، فضلا عن توارُد المعاجم الكبرى المعتمدة المشهورة على التنصيص عليه.
فثبت بهذا صحة استعمال "جلو" سماعا وقياسا، بلا نزاع.
ويقول ابن يعيش فى شرح المفصل معززا تأصُّلَ (فَعْلٍ) واطِّرادَه فى هذا الباب :
"فجميع مصادر الثلاثىّ اثنان وسبعون مصدرًا، وجميع أبنيتها اثنان وثلائون بناءً، على ما ذكر.
والأصل منها فيما كان متعدّيًا "فَعْلٌ" بفتح الفاء، وسكون العين، نحو : "ضَرْبٍ"، و"قَتْلٍ"، وعليه مَدارُ الباب، وما عداه ليس بأصل لاختلافه، وطريقُه أن يُحْفَظ حِفظًا، وإنّما قلنا ذلك : لكثرة "فَعْل" فى الثلاثىّ، واطراده فيما كان متعديًا منه..."(4/52).
ولا يخفى تطابقه مع كلام ابن جنّى أعلاه، ولا عجب، فهما جبلان فى علم التصريف، ولكل منهما شرح نفيس على أهم كتبه العتيقة.
وإلى اطراد القاعدة المذكورة الإشارةُ بقول ابن مالك فى الخلاصة :
(فَعْلٌ قياسُ مصدر المُعَدَّى/ من ذى ثلاثة كردّ ردّا).
قال العلامة ابن قاسم المرادىّ النحوىّ فى توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك :
"شمِل قوله : "المعدَّى من ذى ثلاثة" فعَلَ وفعِلَ, فقياس مصدرهما فَعْلٌ ــ بفتح الفاء وإسكان العين ــ نحو : ضرَب ضرْبا، وفهِم فهما، وظاهره أنه مقيس فيهما بلا قيد، وقيَّد الفَعْل لمكسور العين، فى التسهيل، بأن يُفْهِم عملا بالفم، نحو : شَرِب شَرْبا, ولقِم لَقما.
ولم يقيده سيبويه و الأخفش, بل أطلقا.
"تنبيه" :
اختُلف فى معنى القياس هنا، فقيل : إنما يقاس على فَعْل فيما ذكر، عند عدم سماع غيره، فإن سُمِع غيرُه وُقِف عنده، وهو مذهب سيبويه والأخفش.
وقيل : يجوز القياس مع ورود السماع بغيره، وهو ظاهر قول الفراء". اهـ (2/862).
فقولُ الأشمونىّ : "والمراد بالقياس هنا أنه إذا ورد شىء، ولم يُعلم كيف تكلموا بمصدره، فإنك تقيسه على هذا، لا أنك تقيس مع وجود السماع، قال ذلك سيبويه والأخفش"، ــ (2/232) ــ صريحٌ فى أنه قولُهما، وليس قولَ جميع علماء العربية، وإن كان قولَ جمهورهم. فيبقى فى المسألة رأيان :قولهما، وقول الفراء ومن وافقه.
وقد رد ابن عقيل على من منع القياس هنا، فقال : "الفعل الثلائىّ المتعدى يجىء مصدره على فَعْل قياسا مطردا، نص على ذلك سيبويه فى مواضع؛ فتقول : رد ردا، وضرب ضربا، وفهم فهما.
وزعم بعضهم أنه لا ينقاس، وهو غير سديد". (2/123).
قلت : إن كان مراد هذا الزاعم أنه لا ينقاس مطلقا، فهو غير سديد، وإن كان مراده أنه لا ينقاس مع وجود سماع ٍ بغيره، فهو الذى ذهب إليه سيبويه والأخفش والجمهور، وخالفهم الفراء.
وعلى هذا الاحتمال الثانى يكون ابن عقيل قد نحا منحى الفراء. والله أعلم.
وفى همع الهوامع شرح جمع الجوامع للسيوطىّ :
(يَطّرِدُ لِفَعَل) بِالْفَتْح (وَفعِل) بِالْكَسْرِ حَالَ كَونهما (متعديَيْن (فَعْلٌ) بِالْفَتْح والسكون، صَحِيحا كَانَ، كضرب ضربا، وَجَهِل جهلا، أَو مُعْتَلًّا :كوعد وَعدا، وَبَاعَ بيعا، وَقَالَ قولا، وَرمى رميا، وغزا غزوا".اهـ (3/322).
وذهب ابن الحاجب فى شافيته، والرضىّ فى شرحه عليها إلى أن مجىء فَعْلٍ مصدرا لفَعَلَ المفتوحِ العيْن المتعدِّى هو الغالبُ والأكثر؛
يقول ابن الحاجب :
"الْمَصْدَرُ : أبْنِيَةُ الثُّلاَثِىِّ الْمُجَرَّدِ مِنْهُ كَثِيرَةٌ، نَحْو : قَتْلٍ، وَفِسْقٍ، وَشُغْلٍ، وَرَحْمَةٍ...إلخ، إلى أن قال : "إلاَّ أنَّ الْغَالِبَ فى فَعَلَ اللاَّزِمِ نَحْوُ : رَكَعَ، على ركوع، وفى المتعدى، عَلَى ضَرْبٍ ... وَقَالَ الْفَرَّاءُ : إِذَا جَاءَكَ فَعَلَ مِمَّا لَمْ يسمع مصدره فاجعله فَعْلا للحجاز، وفعولا لِنَجْد".اهـ.
قال شارحها الرضىّ الأستراباذىّ : "الأغلب الأكثر في غير المعانى المذكورة أن يكون المتعدى على فَعْلٍ من أىّ باب كان، نحو قَتَلَ قَتْلاً، وضَرَبَ ضَرْباً، وَحَمِدَ حَمْداً، وفعَل اللازم (على) فُعُولٍ، نحو دَخَلَ دُخُولاً...
قوله : "قال الفراء : إذا جاءك فَعَل َمما لم يُسمع مصدره "يعنى : قياس أهل نجد أن يقولوا فى مصدر ما لم يسمع مصدره من فَعَلَ المفتوحِ العين : فُعُول، متعدياً كان أو لازماً، وقياس الحجازيين فيه : فَعْلٌ، متعديا كان أوْ لا، هذا قوله، والمشهور ما قدمنا، وهو أن مصدر المتعدى فَعْلٌ مطلقاً، إذا لم يُسمع، وأما مصدر اللازم فَفُعُولٌ من فَعَلَ المفتوح العين". اهـ (1/151 ــ 157).
ويقول ناظمها :
(ويغلب الْمصدر بالفُعـــــــــــــــــول/ فِى فعَل اللَّازِمِ كالدخـــــــــــــول
وَفِى المعدَّى مِنْهُ فَعْلٌ غلبا/ كالضرب وَالْقَتْل ووعْد وجبـــــا...
وَقَالَ فراء : إِذا جَاءَ فعَـــــلْ/ لم تدر مَا مصدرُه لَدَى الْمحلّْ
فاجعله للنجد على فُعول/ وللحجاز الْفَعْل بالمعمــــــــــــــول).
ونحا نحوهما صاحب إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك إبراهيمُ بن محمد بن أبى بكر ابن قيم الجوزية، حيث قال :
"الفِعل الثلاثىّ مصادره كثيرة، ولم يطرد منها شىء، ولكن غلب فى بعضها أبنيةٌ أشار المصنف إليها، ومراده بالقياس : قياس الغلبة، لا قياس الاطراد.
فمن ذلك : "فَعْل" مفتوح الفاء، ساكن العين، ويغلب فى المتعدى منها، سواء كان على (فَعَلَ) وهو الأكثر، كـأكل أكلا، وضرب ضربا، وردّ ردّا، أو على (فَعِلَ) كـفهم فهما، وشم شما، إذ أصله : شَمِمَ". اهـ (1/540).
قلت : وكونه مطردا مقيسا هو الأوْلى، لما تقدم.
وكل ما قررناه من ذلك فهو معلوم ـ بداهة ـ عند من لهم إلمام بلامية الأفعال، أو الخلاصة، من طلبة العلم ببلدنا، فلا فائدة فى الاستكثار من النقول الدالة عليه، لوضوحه، واشتهاره.
ولو طفِقنا ننقل من مدونات علم العربية ما يشهد لهذه القاعدة لجاء ذلك فى مجلد كبير.
مع أن البحث فى تفاصيل أحكام المصادر الثلاثية وأنواعها، وفى مفهوم القياس، فى هذا الباب، أو غيره، عند علماء النحو والتصريف، ليس مما يعنينا فى هذا المقام.
وفى الذى أوردنا من ذلك كفاية ومقنع.
ثم إننا لا نحتاج فى خصوص هذه الكلمة ـ بالذات ـ إلى ذكر الخلاف فى أصل استعمال القياس فى هذا الباب، فلا يضرنا اختلاف النحاة فى ذلك شيئا، لأن الكلمة مسموعة عن العرب، والمعاجمُ بها طافحةٌ.
وإنما ذكرنا هذا الطرَف من البحث، للأمانة العلمية، وللإفادة معا.
وبكل ما تقدم يتبين لك صحةُ قول الشيخ : (جَلْوَ مصباحِ الدجى السُّدَفا) ــ سماعا وقياسا.
والله على ما نقول وكيل. وهو الموفق لا إله إلا هو.
***
ذلك، وقد جاء فى الوسيط فى تراجم أدباء شنقيط لابن الأمين العلوىّ، أن ابن محمدى انتقد على الشيخ سَيِّدى محمد هذه الكلمة، وأنشد البيت...
ثم قال :
"فإن جلا مصدره جِلاء، لا جَلْوٌ، وهذا غير صواب". اهـ (247). فقوله : "فإن جلا مصدره جلاء، لا جَلو : من كلام ابن محمْدِى الذى نقله عنه صاحب الوسيط. وأما قوله : "وهذا غير صواب" : فردٌّ من صاحب الوسيط على ابن محمدى، فيما يظهر لى. والله أعلم.
لكن جاء فى الوسيط من فائية ابن مُحَمْدِى الجوابية ـ ما صورتُه :
"... / وقال : جلوى، وجلوا ثمّ ما أُلِفا" !
فأقول : أما جلوى بالألف المقصورة، على وزن فَعْلى، فلم ترد فى قطعة الشيخ سيِّدى محمد المشار إليها، بل ولا فى ديوانه الشعرىّ إطلاقا، والذى فى القطعة المذكورة هو ما قدمناه، ونصه مرة أخرى :
(لو خضت لجَّة قاموسٍ وجدت به/ دُرًّا جلا جَلْوَ مصباحِ الدجى السُّدَفا).
فقوله : (جلْوَ) : مضاف إلى المصباح، وهو مفعول مطلق من لفظ فِعله، ـ وقد جاء فَعْلا مصدرا على القياس ـ كما تقدم، فليس بعد لام الكلمة ـ وهى الواو ـ ياءٌ، ولا ألفٌ، إذْ من المحال أن يكون بعدها ــ هنا ــ مدّ، لفساد الوزن بذلك ـ بداهة.
ولو أنه كان من ذلك شىء لكان الانتقاد فيه إلى الوزن أسرع منه إلى اللغة، ولكان العاب فيه أشنع. ومن المستبعد أن يصدر ذلك من صغار طلبة ذلك الرعيل، فضلا عن بزله القناعيس.
وأما التفرقة بين كتابتها فى الموضعين من البيت فى النسخة المطبوعة من الوسيط : (جلوى، وجلوا) ـ هكذا ـ فعسى أن يكون الخطأ فيهما معا من الطابع.
وكلام صاحب الوسيط الذى عقب به إنما هو فى جلوٍ، لا فى جلوى، مما يدل على ما رجحناه من الخطإ الطباعىّ.
والذى نطق به الشاعر، وخطه بيمينه،و عليه مدار كلامنا فى هذه المقالة هو جلوٌ، لا جلوى.
إذ أن جلوى ـ بوزن فَعْلَى ـ لم ترد فى هذا النص أصلا ـ كما أسلفت ـ ولا وجه لها لغة، ولا وزنا، ولا معنى. فجلوى ـ حسب ما فى كتب أنساب الخيل، والمعاجم ـ علَمٌ على أفراس مشهورة، لا داعى لذكرها ولا ذكر أصحابها، وغاراتها، وأيامها، وما قيل فيها من الأشعار.
وهى أيضا علَم على قرية معروفة.
ولعل ابن محمدى ـ وهو اللغوىّ الضليع ـ إنما قال :
(وقال : جَلْوًا، وجلوٌ ثَمّ ما ألِفا).
هذا هو الذى يظهر لى فى ضبط هذا المصراع. ولم يسبق لى أن رأيت النص مخطوطا، ولا قرأته أيام الطلب على عالم، ولا كان من عادة أهل بيتنا أن يُطْلِعوا الأصاغر على ما يحسُن طيُّه.
لذلك لا أدّعى أنى أصبت المَحَزّ فى ضبطه.
فلعل العلامة النحرير اباه ولد عبد الله يتحفنا بالرواية الصحيحة له.
لكن أخشى أن لا يفعل، لكرمه، ونُبل أخلاقه. فلو كنت سائلَه عن غير ذلك من روائع المديح وعيون المراثى، أو عن مشكل فى بيت قديم، لشَأَى كل مجيب، ولقطع بيانه قول كل خطيب. لكنه لن يأبى ـ على كل حال ـ عن بيان ما يراه فى تفسيرى لقول صاحب الوسيط : "وهو غير صواب". وبالله التوفيق.