وجوه.. قصة الوجه الأول..

خميس, 05/28/2020 - 15:05

.........

#وجوه_قصة_وجه_2

..............

عبد الله، رجل مُتوسط الذّكاء بمعيار التقويم المدرسي، وضعيف الحال بمقياس الستر المادي، اقتنى شهادات نحيلة، غلَّفها بتزكيات معنوية ، تتصدّرها تزكية من سلالته لنفسها بالرّفعة في عالم الأساطير الملونة، لم يطل انتظاره للتوظيف،.. توظَّف بانتقاء أعرج.

يُدرك صديقي أنه قُلِّد مهمة لن يُحسنها، لكنه مطمئن لمواهبه في فنِّ البقاء بالوصولية، جعل الثُّريا سقفا لطموحه، استقى من مَشرب من سبقوه في الزَّواج من السياسة لتقييد عصمة الإدارة، باعته السياسة حلما بالجاه والثراء، فدفع لها الضمير فورا، فهو أصلا يبغيها عوجا!.. صال وجال على المنابر بأفكار هلامية، لكن بلغة راقصة في غواية، تُضاجع اللاَّ صدقَ وتأكل من ثديها، عَرَكَها بأجود منتوجات التَّملق وصقل عودها بالنِّفاق الأصلي،.. تجاوز في لمح البصر الطَّبقة التِّي فوقه باتجاه التي فوق ذلك، فتسيَّد مجالس الرجال، وسلك مسالك المال، أضحى وجيهًا مبجَّلا، يبسط يده كل البسط، ويعطي عطاء من لا يخشى الإقالة!

تراصَّ أصحاب الغايات قصيرة المسافات في منزله، من دعاة المبادئ وحملة الشهادات، إلى ممتهني ذُلِّ المسألة،.. فاللقب الوظيفي وفّر له رافعة اجتماعية سريعة.

سنوات، وتدور دورة التعيينات وتلقي بصديقي خارج الحلبة،.. انقشع غبار المُعاودين والزائرين من مرافقين ومنافقين، صامَ الهاتف عن الرنين، تمطَّطَت الأيام الخاملة وتثاءبت، ضجر من عدّها ومن تقليب القنوات، كره سكون الصَّمت، ومراوغة نظارات اشفاق تختله من العيال،.. تبًّا،.. يلفُّ لثامًا على رأسه في شكل ضمَّادة، يجول في الشوارع ويعود، فأصدقاء الأمس غدوا عُقدة، و مطيته رباعية الدفع تكلست مفاصلها من طول الرُّكون..

انحسر الضوء عن صديقي تاركًا إحساسًا بهلوسة انسحاب المخدر، نزل مؤشر سهمه في اتجاه هشيم الواقع، انكمشت حياة الترف، انقطعت روافد كانت تغديها،.. اختفت سيارات الخدمة، والبنزين المجاني، سرَّح الخدم، بات التصييف مستحيلا، المدارس تدوس الأعصاب خوف عيلة.

تحوَّل القلق لهواجس مُجسَّمة، فما من سائل عن سيرته شبه الذاتية!.. تولَّد لديه إحساسٌ مُضْعِفٌ "بالظُّلم"، وإحساس متسلط بالسُّخط، تصاعدت الأحاسيس لتصبح حنقا مع الأيام،.. جَرَّب مُقابلة مدح في التلفزة.. ثم استضافة إطراء في الإذاعة، استكتب مقالات، وابتدع إنجازات، لكن الهاتف ظل صامتا، كل التلميحات لم تجد نفعا.

 

استيأس صديقي وهو يراقب إعادة تكوير بعض المقالين،.. ألقى بالنسخة البالية من ضمير الانسجام، وجرَّب الضفة الأخرى، ضفة التَّقاطب بين الموالاة والمعارضة، هناك سيظهَر بجلد جديد، ثوريّ السَّمت، مُتطهّر الصّيت، وهناك قد تتاح له فرصة إعادة تسويق شخصه وشخصيته بثمن لو يسير، فالمعارضة موقع مريح لخطاب تبخيسي متحرر من التزامات الخدمة، يُعيب ويُحقِّر، وهو يشعر برغبة ضاغطة لأيام ترفه اللقيط.

قَلَبَ صديقي ظهر لسانه، ابتدع لنفسه تاريخا نضاليًّا وأوهام ظُلْمٍ حادٍّ: "استهدفتُ"، "اقصيتُ"، "حوربتُ"، استبدل جلده الذي نضج بجلدِ عبور يُواكب إعادة إنتاج الذَّات.. حاضرَ فاقد الشيء في الفضائل والفضيلة حتى ساوَرَها الشَّكُ بأنه ربَّما يعرفها!

يستميتُ أمامي في تبرير تناقض كشكول شخصياته غير المُجَسَّرة فيما بينها، وقد أرهقه التَّمثيل،.. أطمئنه كل ما مثَّل عليَّ أنَّه مُجرَّد نسخة من حالة، حالة مُزمنة من انكسار الأنا، تصاحب صدمة السقوط من ارتفاع وصله دون سُلَّم منطقي، يحفظ له العودة الآمنة.

صديقي عالة لم تتعلَّم صنعة تُفاصلُ بها متاعب الحياة غير المَصِّ من ثدي جاهز، فحُكِم عليه أن يتباخس ويقاتل بالرّوح دون حصة ثابتة من الرِّضاعة الإدارية.

رن الهاتف أخيرا، ..يا الله!، انتفض صديقي من ضميره، النسخة الثانية المُعدَّلة، استزلَّه الطمع في المكالمة، أمَرَ بحرق الضَّمير ومحق كل المقابلات والمقالات وحتى الصَّداقات.. كان مُستعجلا في ارتداء قناع العودة، فلم يعُد في قوس الصبر منزع، وأرهقه تداخل الأحداث والمواقف، لكن الطرف الآخر على الخط اعتذر، عفوا المكالمة غلط.. كاد أن يُشَلّ منه العقل ويَخْتل.. تفاقم إحساسه باغتراب الحظ ،.. فكل العروض المُمسرحة لا تعدو محاولة للخروج من منطقة السقوط.

عجَّل الله فرجه ووسع مُدخله، يَكانُ ينْدْركْ.

 

وجوه،.. قصة وجه / الدهماء ريم