
محمد محمود مولاي الزين
عندما وصلتُ إلى حدود كولومبيا، إلى النقطة الأخيرة قبل المجهول، استقبلنا شابٌ طيب اسمه لويس. كنت أظنه رجلًا كبيرًا في السن، فإذا به شاب في مقتبل العمر.
قضينا معه ثلاثة أيام؛ كانت الأجواء جميلة، المطر يهبط برفق، والطبيعة في كولومبيا ساحرة، تسرّ الناظرين رغم ثِقل الرحلة.
لويس كان يدرك جيدًا أننا صيد ثمين، فهذه المهنة لها منافسون كُثر. لكنه كان يُفضّل المهاجرين الموريتانيين، فقد عرف عنهم الكرم والسخاء. أراني بعض المقتنيات التي تركها مهاجرون موريتانيون عنده، ومنذ ذلك الحين صار يركّز عليهم، حتى إن بعضهم بدأ يراقبه بحذر.
سأله أحد الشباب إن كان يفكّر في الهجرة، فابتسم وقال: لا.
في اليوم الثالث، خرجنا لشراء مستلزمات الرحلة:
خيام، سكاكين، ملابس، خبز مجفف، تونة، وأشياء أخرى. كنا متحمسين جدًا. قال لنا إن المسيرة على الأقدام يومان فقط… لكنه كان كذبًا.
في صباح اليوم الرابع، أخذنا إلى الشاطئ. كانت هناك مجموعات كثيرة من المهاجرين من شتى الجنسيات، كأننا في سباقٍ بلا خط نهاية. انتظرنا القارب ثلاث ساعات، ثم ركبناه متجهين إلى الجزيرة التي تربط بين كولومبيا وبنما .
لم تكن لدي أي خبرة بما ينتظرني.
انطلقت الرحلة البحرية خمس ساعات. البحر جميل، والجو مريح، والحماس يسبق الخوف.
وصلنا… نزلنا… ثم بدأ كل شيء.
تحركنا في مجموعات كبيرة. المجهول كان يسبقنا بخطوة. على الشاطئ تعرّفنا على شباب موريتانيين قادمين من البرازيل، وكانت هناك شابة موريتانية مع زوجها. ثم دخلنا الغابة… إلى حيث لا طريق واضح ولا أمان.
الحر شديد، الحشرات لا ترحم. من حسن الحظ أن المهرب أعطاني معقمًا ضد البعوض. مشيت ست ساعات كاملة، حتى شعرت أن أصابعي تكسّرت من شدة التعب. جلستُ أستجمع أنفاسي، أتساءل بصوت داخلي موجع:
لماذا أنا هنا؟
بعد 15 دقيقة نهضتُ وأكملت.
الأصوات من حولنا كانت مرعبة… غابة لا تنام.
واصلنا السير حتى منتصف الليل. وصلتُ منهكًا. نصبتُ خيمتي، ورششتُ المبيدات حولها حتى لا تزحف الحشرات. أصابني صداع قوي، ولا أنسى موقف صديقي العزيز الذي أعطاني دواءً خفف عني الألم… موقف لا يُنسى.
نمتُ من شدة التعب، حتى السادسة صباحًا.
صوت صفير قوي… قائد مجموعات التخييم يعلن وقت الاستيقاظ.
في تلك اللحظة تذكرتُ أنني لم أصلِّ المغرب ولا العشاء. جمعتُهما معًا، وقلبي مثقل، لكني متمسك بما بقي لي من طمأنينة.
انطلقنا في موكبٍ هائل… آلاف المهاجرين من شتى بقاع الأرض
كنتُ أشعر بخوفٍ من الحاضر والمجهول معًا، فحرصتُ أن أكون في مقدمة المجموعة…
لا أريد أن أكون في الخلف،
فالخلف هنا يعني الضياع.
يتبع…
فالقادم لم يكن مجرد طريق،
بل امتحانًا للروح قبل الجس







