يوميات مهاجر موريتاني غير شرعي... من آخر ليلة في الغابة إلى بوابة بنما (11)

سبت, 01/17/2026 - 21:12

محمد محمود مولاي الزين

 

من آخر ليلة في الغابة إلى بوابة بنما

(فصل: ما بعد النجاة)

في تلك الليلة،

بعد أن غسلنا ثيابنا في مياه النهر الباردة،

وبعد أول نوم هادئ منذ أسابيع،

جلسنا نحن رفاق الرحلة نحدّق في الظلام.

الغابة خلفنا،

لكن الطريق لم يكن قد انتهى.

قالوا لنا إن الوجهة القادمة قريبة،

مركز كبير تابع للأمم المتحدة،

مكان فيه أطباء،

وأكل،

وهواتف،

وأمان.

ضحكنا.

تعلمنا أن كلمة “قريب” في طرق الهجرة

تعني فقط:

عذابًا أقل بقليل.

مع الفجر،

ركبنا قاربًا صغيرًا.

السماء كانت غاضبة،

تمطر بلا رحمة،

والبرد كان يلسع وجوهنا كالسياط.

المحرّك متعب،

والقارب يتوقف كل ثلاثين دقيقة،

ننزلق،

نرتجف،

نتمسّك بحواف القارب

كأننا نتمسك بالحياة نفسها.

كنت أقول في نفسي:

“يا رب…

هل هذا الجحيم لن ينتهي؟”

في إحدى المرات،

قارب أمامنا انقلب.

صرخات اخترقت السماء.

أجساد سقطت في الماء.

لحسن الحظ،

كانوا قد أعطونا سترات نجاة،

فطفوا فوق النهر

مثل أرواح معلقة بين الحياة والموت

حتى جاءت قوارب أخرى لإنقاذهم.

نظرت إليهم

وقلبي يرتجف.

قلت في داخلي:

“لو جاء دوري…

اجعل سترتي تعمل.”

بعد ساعات طويلة من السير فوق الماء،

ومن التوقف والانتظار،

وصلنا أخيرًا.

نزلت من القارب

وركبتي لا تحملانني.

سجدت على الأرض.

الطين على وجهي،

والدموع تختلط بالمطر.

كنت حيًا.

وهذا وحده

كان معجزة.

أول ما فعلته

هو تشغيل هاتفي.

اشتريت شريحة.

فتحت الإنترنت.

انهالت الرسائل:

“أين أنت؟”

“هل أنت بخير؟”

“رد علينا!”

لكن قلبي لم يبحث إلا عن اسم واحد:

أمي.

كتبت لها:

“أنا بخير.”

جاء ردها فورًا.

قالت إنها سجدت لله،

وإنها كانت تردد:

“الحمد لله… الحمد لله… الحمد لله.”

لم أستطع أن أبكي أمامها.

أخفيت عنها وجهي المكسور.

قلت لها إنني بخير،

وأغلقت الاتصال

لأن قلبي كان سينفجر.

ثم تواصلت مع صديق عمري،

أخي الذي لم تلده أمي.

كان صوته خائفًا عليّ،

كأنه خرج هو أيضًا من الغابة.

في مركز الأمم المتحدة،

استقبلونا بلطف.

أعطونا الأكل.

كشفوا على أقدامي المتورمة.

غسلنا أجسادنا من تعب الرحلة.

كنت أنظر إلى قدمي

وأقول:

“هذان حملاني عبر الجحيم…

ولا يزالان واقفين.”

بعد ذلك

جاءت شاحنة تابعة لجيش بنما

لتقلّنا إلى نقطة أخرى.

وهنا حدث شيء لم أنسَه أبدًا.

ركبنا الشاحنة،

وهي تهتز في الطرق الطينية،

لكن داخلها

كان شيء آخر يهتز:

الفرح.

الشباب بدأوا يغنون.

أغاني من أفريقيا،

من أمريكا اللاتينية،

من كل أرض جئنا منها.

ضحكنا،

صرخنا،

غنّينا.

كنت أغني معهم

بصوت مبحوح من التعب،

لكن قلبي كان يغني بأعلى ما فيه.

ومن شدة الفرح…

رقصت.

نعم،

رقصت فوق شاحنة عسكرية

بعد أن خرجت من الغابة حيًا.

كنت أرقص

كمن يقول للموت:

“لم تأخذني.”

لم أكن أملك شيئًا،

لا مال،

لا أوراق،

لا مستقبل واضح…

لكنني كنت أملك الحياة.

وذلك

كان كافيًا.

يتبع…