
محمد محمود مولاي الزين
خرجنا من المطعم وقد خفّ جوعنا
لكن لم يخفّ ثقل الغد.
العاصمة كانت مضيئة،
سيارات، أبواق، أبراج،
ناس يذهبون ويعودون
كأنهم يعرفون تمامًا إلى أين ينتمون.
أما نحن…
فكنّا غرباء حتى عن خطواتنا.
وقفنا في محطة الباصات.
حقائب قليلة،
ملابس متعبة،
وجوه أنهكها الطريق
لكن ما زال فيها شيء من العناد.
كنا أنا وأصدقائي قد اتفقنا من قبل:
لن نتعامل مع أي مهرب،
مهما كان الثمن،
لأننا رأينا كيف يبيعون الناس كما تُباع الأشياء.
اقترب منا رجل خمسيني،
ملامحه هادئة أكثر من اللازم.
قال بالعربية المكسّرة:
“أنتم موريتانيون؟”
تبادلنا نظرة سريعة.
في هذا الطريق،
السؤال البسيط
قد يكون فخًا.
لم أتحدث كثيرًا.
كان صديقي هو من تكلم معه.
تبادلا الكلمات الأولى،
ثم أخذنا رقمه
وتواصلنا معه لاحقًا عبر WhatsApp،
لأن هذا الطريق
حتى الكلام فيه
يحتاج حذرًا.
ابتسم ابتسامة قصيرة،
وقال:
“أنا أساعد المهاجرين.
أستطيع أن أوصلكم إلى الحدود مع كوستاريكا
بشكل آمن.”
كلمة “آمن”
في هذا العالم
هي أغلى من المال.
سألناه عن السعر.
قال رقمًا
جعل قلوبنا تنقبض.
نظرت إلى رصيدي.
1400 دولار.
رقم يبدو كبيرًا في الوطن،
لكن في طريق الهجرة
هو مثل حفنة رمل في الصحراء.
جلسنا جانبًا نتشاور.
كل دولار هنا
يعني يومًا إضافيًا من الحياة،
أو خطوة أقرب إلى الموت.
قال أحدنا:
“لو ضيّعنا هذا المبلغ، انتهينا.”
وقال آخر:
“ولو بقينا هنا، سننتهي أيضًا.”
الطريق كان طويلًا،
أطول مما تخيّلنا،
وكان واضحًا أن ما ينتظرنا أمامنا
ليس نزهة، بل اختبار صبر.
المدينة كانت جميلة،
لكنها لا تحب الفقراء.
كل ساعة تأخير
كانت تسرق منّا شيئًا.
وفي الأخير،
قررنا أن نذهب إلى المحطة،
وأن نتحرّك بأنفسنا
نحو حدود كوستاريكا.
قررنا أن نجازف.
أعطيناه جزءًا من المال،
واتفقنا أن ندفع الباقي
عند الوصول.
قال لنا:
“غدًا قبل الفجر.
كونوا جاهزين.”
تلك الليلة
لم أنم.
كنت مستلقيًا على سرير رخيص،
أسمع ضجيج الشارع،
وأفكر:
كم مرة يجب أن يغامر الإنسان
بحياته
لكي يستحق فرصة واحدة؟
تذكرت أمي.
تذكرت دعاءها.
تذكرت موريتانيا.
ليس كدولة…
بل كوجوه،
كطفولة،
كأشياء تركتها خلفي.
عند الفجر،
خرجنا.
المدينة ما زالت نائمة،
لكن طريقنا كان مستيقظًا.
ركبنا سيارة صغيرة.
الزجاج مظلّل.
السائق لا يتكلم.
تحركنا.
كنت أنظر من النافذة
إلى المباني وهي تختفي،
وأحسّ أننا لا نغادر مدينة فقط…
بل نغادر نسخة من أنفسنا.
لم أكن أعلم في تلك اللحظة
أن ما ينتظرنا بعد العاصمة
أصعب
وأقسى
وأكثر خيانة
مما مررنا به في الغابة.
لكن الطريق لا يعطي إنذارًا.
يتبع









