يوميات مهاجر موريتاني غير شرعي.. كوستاريكا… حين تنفّس الخوف (15)

سبت, 01/17/2026 - 21:22

محمد محمود مولاي الزين

 

 

مع أول خيوط الفجر

خرجنا من الغابة

كما يخرج الناجون من حلمٍ ثقيل.

أجسادنا متعبة،

ملابسنا موحلة،

لكن قلوبنا…

كانت تخفق لأنها ما زالت تخفق.

قال الدليل بصوتٍ خافت:

“هنا كوستاريكا.”

لم نُصفّق،

لم نصرخ،

لم نحتفل.

الفرح كان هشًّا

كزجاجٍ مكسور،

نخاف أن نلمسه

فينكسر أكثر.

جلسنا على الأرض

كأننا نتعلّم الجلوس من جديد.

أحدنا قبّل التراب،

آخر رفع يديه للسماء

وبكى دون صوت،

وثالث ضحك فجأة

ضحكة قصيرة

ثم سكت…

كأنه استحى من نفسه.

كوستاريكا لم تكن جنة،

لكنها لم تكن غابة.

وكان هذا كافيًا

لنشعر أننا انتصرنا

ولو مؤقتًا.

وفي لحظة هدوءٍ غريبة،

وأنا ألتقط أنفاسي،

تسلّل إلى ذاكرتي صوتٌ بعيد…

صوت الراحلة ديمي منت آب

يغنّي في داخلي:

«نتختر عن كل أوطان… أوطاني موريتان».

جاء اللحن خفيفًا

كنسمة من نواكشوط،

وضرب قلبي بقوة.

سألت نفسي:

كيف نبتعد عن أوطاننا

إلى هذا الحد،

ثم تلاحقنا في أغنية؟

وفي تلك اللحظة

لم يكن الحنين وحده ما حضر،

بل الغضب أيضًا.

غضبٌ هادئ

يشبه الجمر تحت الرماد.

قلت في سري:

خمسون عامًا من الفساد…

وخمسون عامًا

وهذا البلد

ما زال واقفًا.

يا له من وطنٍ عظيم،

تنهشه أيدي أبنائه،

وهو يقاوم.

يسرقونه في النهار،

ثم ينام

ويستيقظ من جديد

دون أن ينهار.

تذكّرت موريتانيا

لا كما تظهر في الأخبار،

بل كما نعرفها نحن:

بلد الصبر الطويل،

والقلوب الطيبة،

والأحلام المؤجلة.

قلت لنفسي:

نحن لم نغادر لأننا نكره الوطن،

غادرنا لأن الفساد

ضيّق علينا التنفّس.

لأن الحلم هناك

كان يحتاج معجزة

أكثر مما يحتاج جهدًا.

وكم هو موجع

أن تهرب من بلدك

ليس خوفًا من الأرض،

بل خوفًا

ممن تحكّموا فيها.

لم تمضِ دقائق

حتى عاد الخوف بثوبٍ جديد.

سيارات بعيدة،

أصوات كلاب،

وهمس الدليل:

“لا تظنوا أنكم وصلتم…

الطريق هنا لا يرحم أيضًا.”

مشينا بحذر،

نختبئ بين البيوت،

نراقب الوجوه.

كل شرطي

كان سؤالًا مخيفًا،

وكل نظرة

كانت احتمال نهاية.

دخلنا منزلاً صغيرًا

أشبه بمخبأ.

رائحة العرق،

الخوف،

والأمل

مختلطة في الهواء.

أعطونا ماءً.

شربت…

وشعرت أن الحياة

تعود ببطء.

أكلت لقمة

وكأنها عيد.

في تلك الليلة

نمت على أرضٍ باردة،

لكنها ليست أرض الغابة.

وضعت رأسي

وأغمضت عيني

دون أن أخاف

من صوتٍ خلفي.

وقبل أن يغلبني النوم

عاد صوت ديمي مرة أخرى،

هادئًا هذه المرة،

كأنه يذكّرني

أن الوطن

ليس مكانًا فقط،

بل وجعٌ جميل

نسكنه أينما ذهبنا.

رأيت أمي.

لم تكن تبكي،

كانت تنظر إليّ

وكأنها تقول:

“الحمد لله… ما زلت حيًا.”

عندها فقط

فهمت معنى النجاة:

أن تصل

وأنت مكسور،

لكن لم تنكسر تمامًا.

كوستاريكا

لم تكن نهاية الرحلة،

بل استراحة محارب

في حربٍ طويلة

اسمها الهجرة.

وقبل أن أنهض مع الصباح

قلت في سري:

إذا كان الوطن

قد قاوم خمسين عامًا

من الفساد،

فهو يستحق

أن نقاوم من أجله نحن أيضًا…

ولو من بعيد.

يتبع….