من عجائب المجرية

خميس, 02/12/2026 - 18:57

 

ذهبت يوم الجمعة الماضي في زيارة عمل إلى مقاطعة المجرية، وقد أوقف مركز تفتيش الدرك السيارة التي تقلني بهدف القيام بإجراءات التفتيش الروتينية. وانتهزت فرصة التوقف لأسلم على السيد الحسن وهو زميل قديم جمعتني به أيام الدراسة في واد الناقة.

ونظرا لطول الفرقة فقد أصرّ صديقي على أن نحتسي معًا كأسًا من الشاي ،وهو اقتراح وافقت عليه على الفور. جلست مع زميلي الدركي على مقعد وثير أمام مكتبه إلى جانب رفيق له في المهنة وآخر من أهل المدينة، واستأنفوا حديثهم من حيث انتهى قبل أن يقطعه جلوسى المفاجئ معهم.

قال الراوي ابراهيم - وهو من رجالات المجرية - وهو يشير بسبابته إلى جهة الشرق:  ذلك "الـگـلب" الذي يعلو الجبل ليس منه أصلا، و إنما تم صنعه بسبب عقوبة الأشغال الشاقة التي عاقب بها الفرنسيون السيد "اسويدأحمد" بعدما رفض الانصياع لقرار الحاكم القاضي بتعيين ابن عمه وغريمه السياسي شيخا للقبيلة.

 فسألته مستفهما عن قصة "الـگـلب" الذي يتحدثون عنه،  فأشار بيده إلى هرم صغير يقبع على قمة الجبل الشامخ الذي يحف مدينة المجرية من الشرق وقال لي "ذوكُ".
 
و أضاف بصوت حازم (..كل تلك الحجارة النكونة لذلك الهرم جلبها السجين اسويدأحمد مع ثلة من أقاربه ترى رأيه السياسي، من سفح الجبل وصعدوا بها إلى ذروته التى ترتفع أكثر من 900 متر عن سطح الأرض، ولذلك فلونه فاتح يختلف عن لون الجبل القانى. 

وقد بقي هذا الهرم شاهدا على فظاعة الأشغال الشاقة التى كان يفرضها المستعمرالفرنسي على كل من يرفض الإذعان لقراراته. 

بدت لي ملاحظة الراوي واردة، وبدأت قصة الهرم تثير اهتمامي، لكن نظرا لضيق الوقت  فستبقى قصة ابراهيم هي مصدري الوحيد عن هرم المجرية..
  لكن لما رأى الأخير اهتمامى بمصيرالرجل وتصويرى للجبل، بادرنى قائلاً: إن كان لديك وقت فسأريك من غرائب المجرية ما يشبع فضولك، فقلت إيهِ يا إبراهيم ، فإني معك مقيم،فاقترح علي أن أصحبه إلى سفح الجبل .. 

امتطينا السيارة على الفور وسرنا مسافة 800 متر إلى الشرق عن مركز الدرك، ثم ظهرت لنا فجأة مقبرة صغيرة محاطة بسياج. فنزل ابراهيم و سار بين الأحجار، وسرت خلفه أقفو الأثر، ثم توقف أمام ضريح .. وقرأ سرًّا بعض الأدعية والتفت إلي وقال :
(.. هذا ضريح الشيخ باب بن أعمر بن سيد أحمد، وهو رجل صالح كان يسكن في منطقة من تـگـانت تدعى "لحصيرة" يعبد ربه ويدرس طلابه فوشي به لدى الفرنسيين أنه لم ير "نصرانيا" قط و أنه يرجو من ربه أن لا يراهم طيلة حياته).

فأرسل الحاكم الفرنسي مفرزة من "كوميات" تستحثه للمدير إليه ليملأ عينيه من شكول النصارى، فاقتادوه وأجبروه على الرحيل فورا إلى المجرية، فلما تدلى من الجبل المطلّ على المدينة وصار قاب قوسين أو أدني من مكتب الحاكم الفرنسي، حقق له ربه رجاءه، فصعدت روحه إلى بارئها، ونزلت جنازته ليصلى عليها.
 
جلست أمام الضريح أفكر في صدق الرجل في عهده مع ربه، وكرهه لمن كفر به ، وتذكرت العهد الذي قطعه الصحابي الجليل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح على نفسه بأن لا يلامس جسده جسم كافر طيلة حياته، وكيف أن الله حمى جسمه من المشركين بالدّبر (وهي ذكور النحل) بعد استشهاده يوم بعث الرجيع.  
 

يعقوب بن اليدالي

كتبت هذه الخاطرة سنة 2014